الرأيالرئيسيةسياسية

الحلول والاتفاقات خير من العقوبات

 

مقالات ذات صلة

وحيد عبد المجيد

 

 

يثير نجاح الاقتصاد الروسي في مواصلة النمو، رغم كثرة العقوبات الغربية، بسبب حرب أوكرانيا، التساؤل مجددا عن جدوى سياسة العقوبات بوجه عام. وتفيد بيانات الربع الثاني من العام الجاري بأن معدل نمو الاقتصاد الروسي آخذ في الارتفاع، بعد أن استعاد مساره الصعودي، وتجاوز آثار العقوبات التي أدت إلى انكماشه بنسبة 2.1 في المائة عام 2022.

لم تحقق 11 حزمة من العقوبات الاقتصادية والمالية والتجارية هدفها في شل الاقتصاد الروسي، أو ركوده على الأقل. عقوبات لم تترك قطاعا من قطاعات الاقتصاد الروسي إلا استهدفته. بُدئ في فرضها فور إعلان الحرب، إذ مُنع البنك المركزي الروسي في 28 فبراير 2022 من الوصول إلى احتياطي النقد الأجنبي المودع في الخارج، والذي بلغ أكثر من 400 مليار دولار بدون حساب الأصول التي جُمِدت. وهذا غير ودائع مواطنين روس في مصارف دول غربية عدة.

ولإكمال حلقة العقوبات المصرفية والمالية، استُخدم نظام المراسلات العالمية للدفعات المالية عبر المصارف «سويفت» سلاحا، إذ عُزلت روسيا عنه بشكل كامل. كما انسحبت معظم الشركات الغربية العاملة في روسيا، أو أوقفت أعمالها، وعلقت الشركات التي تُصدر بطاقات فيزا وماستر كارد وأميركان إكسبريس تعاملاتها مع المصارف الروسية، الأمر الذي أضر هذه الشركات بدورها، مثلما تضررت شركات غربية أخرى فقدت أسواقها وتوقفت تعاملاتها مع روسيا.

وهذا فضلا عن العقوبات التي استهدفت صادرات روسيا، وطالت الكثير مما تستورده من الخارج، وخاصة المعدات عالية التقنية ومكونات التكنولوجيا المتقدمة وعلى رأسها أشباه الموصلات، والمواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن استعمالها لأغراض مدنية وعسكرية.

لكن الاقتصاد الروسي أبدى قدرة متزايدة على الصمود، واستطاع امتصاص الكثير من آثار العقوبات بعد الصدمة الأولى، فأخذت آثارها تقل مع الوقت لأسباب أهمها اثنان: أولهما عملياتي يعود إلى النجاح في إيجاد سبل جديدة لاستمرار تعاملات اقتصادية وتجارية مهمة مع بلدان غير غربية، بينها دول كبيرة مثل الهند والصين، ومع عدد متزايد من مصارف العالم، وكذلك فاعلية الخطة التي طُبقت للإحلال محل كثير من الواردات التي تعذر الحصول عليها. والسبب الثاني هيكلي، لأن الاقتصاد الروسي من أقل اقتصادات العالم اعتمادا على الخارج، ومن أكثرها ميلا إلى الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات. كما أن طابعه شبه الريعي يُكسِبهُ قدرة على تقليل آثار العوامل الخارجية، وخاصة بعد أن تغلبت موسكو بدرجة كبيرة على محاصرة صادراتها من النفط والغاز، وفشلت مساعي فرض سقف سعري لها.

وإذ يُثار السؤال اليوم مجددا حول جدوى سياسة العقوبات، ويثبتُ مرة أخرى أنها لا تقود سوى إلى مزيد من التوتر والعداء، تُعاد كتابة درس دون مرات كثيرة في دفاتر التاريخ العالمي. درس بسيط وسهل، لكن استخلاصه ما زال صعبا، وهو أن العمل من أجل حلول سلمية للخلافات والأزمات خير من تكريس الجهد لفرض عقوبات أو شن حروب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى