الرأيالرئيسيةكتاب الرأي

الدماغ وما أدراك ما هو

بقلم: خالص جلبي

 

يبدو أن هناك مراكز للكلام والكتابة فإن أصيبت أعطت أعراضا في غاية الغرابة؛ فمنها ما يصبح المصاب يسمع فيفهم ما يقال له ويرى فيفهم ما يرى ويميز الشيء الذي يراه، ولكنه لا يستطيع أن يلفظ الكلمة التي سمعها أو المعنى الذي فهمه، كما أنه لا يستطيع كتابة الشيء الذي رآه أو فهمه، عندما نطق به أمامه، وهي ما تعرف بالحبسة(Aphasia) ، أي كأن لسانه انعقد وانحبس فلا يستطيع أن يتلفظ ولا أن يكتب. وتعرف بالحبسة الحركية لأن مكانها قريب من المناطق الخاصة بالحركة، والتي نوهنا عنها قبل قليل. وهناك نوع من الحبسة أعجب فهو يسمع ولا يفهم ما يقال، كما قال القرآن: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون)، وهذا المثل في تشبيه الكافرين هو مثل الدابة التي تسمع صوت الراعي، ولكن لا تفقه منه شيئا، والمصاب يتكلم بشكل جيد ولكن لا فائدة ولا معنى لكلامه وهي حالة عجيبة فعلا، أو هناك نوع يتعلق بالرؤية فهو يرى الكتابة ولكن لا يعرف ما معنى الكتابة. مع أنه يكتب ويقرأ، ولكنه لا يفقه ما يكتب وماذا يقرأ، وهذه الأمور تتعلق بالمراكز الروحية النفسية، والتي تتعلق بالفعاليات الذهنية العالية. وهناك نوع من الحبسة أعجب أيضا وتتعلق ببعض المراكز الموجودة في قشر الدماغ، بحيث إن المريض يمتلك أذنين وعينين سليمتين من الخارج، ولسانا وأجهزة للتصويت والنطق سليمة من الخارج، ولكنه إذا رأى لا يفقه ما يرى، وإذا سمع لا يفقه ما سمع، وإذا أراد النطق عجز عن ذلك، وإذا أراد الكتابة خانته يده، وهي أشبه شيء بما قاله القرآن عن المنافقين: (صم بكم عمي لا يرجعون)، أي لا ينطق ولا يسمع ولا يرى، والمركز المتعلق بهذا النوع من الإصابة المخيفة التي تغلق منافذ العالم أمام المريض وجد لها مركز يسمى مركز بروكا، وهو في المنطقة الخلفية السفلية من التلفيف الجبهي الأيسر عند اليُمُن، أي الذين يستعملون يمناهم دوما، بالإضافة إلى التلفيف الصدغي والقفوي الأوليين، وهناك الحبسة المعروفة بحبسة النسيان فلا يعود يتذكر الأسماء والأشخاص والأرقام وغير ذلك، إلا أنه لم يعرف منطقة خاصة بهذه الحبسة، لأن خلايا الذاكرة أثمن من أن تتكون ملكا لمنطقة معينة من قشر الدماغ.

 

إصابات الدماغ المخيفة

لقد وجد أن استئصال نصف كرة دماغية بأكملها لا يجعل الإنسان يفقد ذاكرته، وهناك أنواع مخيفة من الحبسات لها مناطق معينة أيضا في قشر الدماغ مثل فقد معرفة الأشياء عن طريق اللمس؛ فإذا لمس الشيء لا يستطيع أن يميزه هل هو ناعم أو خشن، وهناك من المناطق في ما إذا تخربت جعلت الإنسان غير قادر على تقدير الأبعاد! فيضل طريقه إلى بيته، ويشعر أن البيت الذي يسكنه كأنه بيت الجن ففيه الدهاليز المروعة والسراديب المخيفة، وإذا أراد أن يخرج من الغرفة التي هو فيها صعب عليه الأمر، كما أنه يدخل غرفا لا يقصدها، ويتعثر بالأثاث الذي يصادفه وقد يصل الأمر إلى الحيرة في الاتجاه إلى اليمين أو اليسار!.. وقد يصاب التلفيف الهامشي العلوي، فلا يعرف المريض يمينه من يساره ويفقد التعرف على أعضائه، وإذا أراد أن يعد أصابع يده ضيع في العد ولم يدر ترتيبها!

وأخيرا، في هذه الإصابات المخيفة المرعبة (لمن تكون من نصيبه وهي شيقة لمن يقرأها أو يطلع عليها، ولذا ترى الأطباء وهم يصفون هذه الحالات عندما يروونها بأنها حالات جميلة، لتذكر المعلومات الطبية أو للعرض أمام التلاميذ!)، وهي الإصابة في منطقة قريبة من المنطقة الحركية، حيث يكون المريض غير مصاب بالشلل ولكنه لا يتمكن من القيام بالحركات اللازمة لتنفيذ عمل ما، فإذا أراد أن يربط ربطة العنق عجز عن ذلك، وإذا أراد أن يشعل سيجارة لم يستطع إلى ذلك سبيلا، وإذا أراد أن يربط حذاءه خانته أعضاؤه، وإذا أراد أن يكتب جملة وهو يعرفها تماما لم تسعفه إمكانياته، وإذا قدمت له علبة صغيرة ليفتحها انقلب طفلا صغيرا يحاول أن يتعرف إلى أسرار فتحها؛ بل إن الطفل الصغير يفتحها في النهاية، ويعجز الأخير عن فتحها! وهي الحالة التي تعرف بفقد معرفة استعمال الأشياء، وهنا يشعر الإنسان بعد قراءة هذا الفصل أن عليه أن يأخذ نفسا طويلا ويحمد الله على نعمه طويلا أيضا.

بعد أن ألقينا نظرة سريعة على توزيع المناطق الدماغية، لنأخذ المنطقة التي بدأنا في الحديث عنها وهي المنطقة الحركية. ذكرنا أن القشر يتكون من ست طبقات من الخلايا، مثل الخلايا الذرية والهرمية التي تختص بالحركة وخلايا بالحس وكثيرة الأشكال وغيرها، وهناك خلايا بوركنج وهي اختصاصية في المخيخ.

لقد وجد أن المنطقة الحركية التي تجتمع حول شق رولاندوفي المخ تشرف على الجسم وهي بشكل معكوس، أي إن مركز إبهام القدم هو في الأعلى ويقع أسفل منه مركز الساق ثم الركبة ثم الفخذ وهكذا، كما وجد أن توزيع المناطق يرجع من ناحية المساحة إلى شدة فعاليته، وهكذا فإن مركز الشفتين واللسان والفم هو أوسع وأكبر من منطقة الظهر، كما وجد أن المنطقة نفسها في ما إذا دققنا البحث فيها لوجدنا أن كل عضلة من عضلات الجسم قد يكون لها مركز خاص. والحق أن قشر الدماغ معقد محير في تركيبه وعمله، مع أن مساحته في ما لو فرشت فإنها لا تتجاوز قدمين مربعين، وهذه الخارطة الإنسانية فيها مراكز ومراكز كما لو نظرت إلى خارطة جغرافية تماما فهنا الجبال وهناك الوديان، وهناك الأنهار، ولكن خارطة العالم معلومة معروفة الآن، بينما خارطة الدماغ الإنساني فيها قارات وقارات مجهولة غير معروفة، وإن كشف منطقة بمساحة طابع بريد يحتاج إلى جهود مجموعة كاملة من العلماء الأفذاذ المتفرغين وإلى مدى سنوات طويلة. ويذكر (جون فايفر)، صاحب كتاب «العقل البشري»، أن عالمة من جامعة متشيغان في أمريكا هي السيدة (إليزابيت كورسي) قضت 30 عاما وهي تشتغل لكشف بعض الممرات العصبية في دماغ القردة. وهذه المراكز الحركية فيها اختصاصات؛ فمنها ما يسمى المناطق المحركة المادية وحولها المناطق المحركة الروحية النفسية، ولعلنا نتساءل ما الفرق بين المنطقتين؟ وهل كل المراكز في الدماغ هي بهذا الشكل؟ إن الإجابة السريعة عن السؤال الثاني موجودة، وهي أن كل المراكز لها اختصاص روحي نفسي كما في السمع والبصر وغيرها، ولكن ماذا يعني بها؟ إن هذا يحتاج إلى توضيح.

يمكن أن نفهم المركز الروحي باختصار على أنه المركز الذي ينظم وينسق ويرتب الحركات، كما أنه يفهم ماذا يرسل إليه وكيف يرتب الحركة المطلوبة وأوضاعها، بحيث يتحقق الانسجام الكلي في الحركات، وأما المناطق المحركة المادية ففيها طريقان، الطريق الأول ويعرف بالطريق الهرمي، وهو الذي يأتي من التلفيف (الفص) الجبهي، وينزل إلى البصلة حيث يتصالب مع الألياف القادمة من نصف الكرة المخية الآخر.

وهكذا فإن كل نصف كرة مخية يحكم ويسيطر على النصف المقابل للجسم، وهكذا فإن إصابة المنطقة الحركية في نصف الكرة المخية الأيمن تحدث فالجا في القسم الأيسر من الجسم كله، وكلما تدرجت الإصابة إلى أسفل أصابت المناطق التي تحكمها مباشرة والتي تقع تحتها مباشرة، وأما الطريق الثاني للألياف التي تسيطر على حركة البدن فتنبثق من مناطق أخرى من الدماغ، مثل الفص الجداري والفص الصدغي، بالإضافة إلى الفص الجبهي في الكرة المخية، وعمل الجملة خارج الهرمية يشترك مع بعض الجزر الرمادية (وهي الخلايا العصبية التي تشكل مراكز باجتماعها) المدفونة في أعماق الكرة المخية، وهي ما تعرف بالدماغ المتوسط، وهي نامية جدا في الحيوانات الدنيا، وينصب عمل الطرق خارج الهرمية على تكميل العمل الإرادي الواعي كما في السير، حيث تبدأ الحزم الإرادية السير وتنهيه فقط، بينما تقوم المناطق خارج الهرمية ببقية تحريك الأعضاء أثناء السير، وكأن هذه الأماكن تسيطر وتعمل بشكل نصف إرادي، وكذا الحال في الأمور العادية من الحياة والتي تشبه السير حيث لا يسيطر الوعي كليا، وإنما في بعض جوانبه، حيث إن المشي لا يتدخل فيه الوعي كليا بل في بعض أجزائه، وكذلك الحال في أمور كثيرة مثل قيادة السيارة وربط الحذاء وربطة العنق وإشعال السيجارة والقيام بالأعمال المنزلية الكثيرة.

 

ترابط الجهاز العصبي

إن المناطق التي تتوزع في خارطة الدماغ الإنساني ليست مستقلة عن بعضها البعض، وإنما مترابطة مع بعضها بشكل وثيق، ويتم هذا بأشكال مختلفة؛ فهناك مثلا الألياف التي تصل الفصوص مع بعضها البعض، بحيث إنها تعبر من منطقة إلى أخرى وتخبر كل منطقة عما يحدث عند جارتها؛ فهذه ألياف تصل ما بين الفص الجبهي والجداري أو الجبهي والصدغي وهكذا، ويطلق على هذه الألياف التي تصل ما بين المناطق بهذه الشكل الألياف الارتسامية، وهناك شكل آخر للاتصال وهو عن طريق معبر مهم يقع ما بين نصفي الكرة المخية في الأسفل ويسمى الجسم الثفني، حيث تعبر الألياف الواردة من نصف كرة مخية هذا الجسم إلى نصف الكرة المخية الآخر، وهكذا فإن الدماغ يتصرف ككل وليس كأجزاء متفرقة؛ فمثلا عندما تركب سيارة وترى النور الأحمر فإن هذا يصل إلى شبكية العين التي تتوزع فيها خلايا عصبية من نوع معين هي المخاريط والعصيات، والنوع الأول مختص بالنور المركز القوي وبالألوان، والنوع الثاني مختص بالنور الضعيف الأبيض، وهكذا ينتقل النور الأحمر عبر ألياف العصب البصري التي يبلغ عددها حوالي 500.000 ليف (نصف مليون)، بحيث إن كل ليف يمثل عملا تلفزيونيا مستقلا، ويصل هذا الإحساس اللوني الضوئي إلى السرير البصري ويتشعع من هناك إلى الفص القفوي، حيث يصل إلى هناك ويفسر، وتقوم الخلايا العصبية بفهمه ومحاكمته، وماذا يعني؟ ثم ترسل أوامر من عندها من خلال اتصالها بالتلفيف الجبهي أن هذا الأمر خطر، ويعني أن نقف، وتستجيب خلايا الفص الجبهي وتقول لها: «جزاك الله خيرا عن هذا الفهم والعمل»، وتبدأ عملية معقدة وهي الانتقال من مجال الإحساس إلى مجال الحركة، حيث تؤمر خلايا معينة بإطلاق الإشارات العصبية إلى العضلات المخصصة بالضغط على الفرامل، وهي عضلات الأطراف السفلية، إذ ينقبض بعضها وينبسط بعضها الآخر، كما أن أوامر أخرى ترسل إلى الأطراف العلوية، حيث تنبسط بعض العضلات وينقبض بعضها الآخر وهكذا، وتقوم اليد بنقل الجهاز الذي يفصل المحرك عن المسننات في السيارة

إن هذا الأمر البسيط المعقد يتم في ثوان بسيطة، فكيف صمم هذا الجهاز؟ وكيف ركب؟ لا يسعنا إلا أن نقول: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك).

ربما أنت الآن تقرأ هذه الأسطر وأنت ثابت في مقعدك، ولكن ما هو وضع الدماغ تماما الآن؟ لقد استطاعت الدراسات الطبية أن تتبين كما يذكر صاحب «كتاب العقل البشري»، أن الألياف العصبية تتماوج كأعشاب البحر التي تتقاذفها التيارات، كما أن أعضاء الحس في البروتوبلاسما تتحرك ببطء إلى الأمام وإلى الخلف، وتنتفخ وتتقلص وتتماوج من جانب لآخر، وهذه الحركة في الألياف تحصل أثناء الوعي والنظر والنشاط الذهني، أما في حالة النوم فهي ثابتة راكدة نائمة، وهذه من خصائص الخلايا العصبية، ومن خصائصها أيضا وجود مادة داخل الخلية عرفت باسم جسيمات نيسل ولم يعرف دورها تماما، ولكن وجد أن هذه الجسيمات هي من اختصاص الخلية العصبية، حيث إنها لا توجد في باقي خلايا الجسم، فهل أسرار الخلية العصبية تكمن في هذه الجزئيات يا ترى؟

لم يجب الطب عن هذا السؤال سوى أنه لاحظ أن هذه الجسيمات تقل أثناء العمل وتكثر أثناء الراحة، وفي إحدى النظريات أن مستودعات ومخازن الذاكرة تجتمع في هذه الجزئيات البروتينية، وهي أكبر وأعقد تجمعات ذرية حتى الآن، وتوجد بكميات وافرة جدا، قدرت بألف بليون بليون من هذه الجزئيات، وأما بحث الذاكرة فسنتكلم عنه لوحده لأنه بحث معقد.

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق