الرئيسيةالملف السياسيسياسية

الزعامات الخالدة في أحزاب اليسار

لشكر يطمح لولاية ثالثة وبنعبد الله يرفض الرحيل ومنيب تحلم بالزعامة الخالدة

مقالات ذات صلة

يعرف المشهد السياسي والحزبي المغربي أزمة حقيقية، خاصة الأحزاب المحسوبة على اليسار التي كانت تعتبر بمثابة القوى الحية داخل المجتمع، لكن هذه الأحزاب أصبحت غائبة عن الساحة وتعاني من الضعف والوهن، بسبب الحروب الداخلية، بين تيارات متصارعة حول «كعكة» المناصب والامتيازات، فإذا كان الأعضاء في السابق يتمردون على قيادات أحزابهم، ويلتفون حول قائد الانقلاب أو زعيم التمرد، الذي يطرح أفكارا جديدة أو توجهات سياسية تختلف عن توجهات القيادة الحزبية، فإن تقاطع المصالح الشخصية الضيقة، هو ما يخلق الولاء للزعيم في الوقت الراهن، مع تعدد أشكال الريع السياسي التي تفتح أبوابها في وجه كل الطامحين والمتسلقين إلى مواقع متقدمة من القيادة الحزبية، في تغييب تام للديمقراطية الداخلية. لذلك يمكن تلخيص أزمة الأحزاب اليسارية، في أزمة القيادات الخالدة لهذه الأحزاب.

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

قياديون بالتقدم والاشتراكية يطالبون برحيل نبيل بنعبد الله

 

 

 

وقع أعضاء بالمكتب السياسي واللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية على وثيقة سياسية تحمل اسم مبادرة «سنواصل الطريق»، يطالبون من خلالها بالتعجيل بعقد مؤتمر وطني للحزب، للإطاحة بالأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، وانتخاب قيادة جديدة، بعد معاقبة المواطنين للحزب إثر تحالفه مع حزب العدالة والتنمية.

ودعا الموقعون على المبادرة إلى عقد مصالحة تاريخية كبرى مع جميع مناضلات ومناضلي الحزب حتى يساهموا في إعادة بنائه من جديد على أسس قوية وسليمة، ومباشرة عملية كبرى للنقد الذاتي من طرف الحزب ككل أمام الرفيقات والرفاق وأمام الرأي العام الوطني، كوسيلة راقية لتصفية الأجواء والتوجه نحو المستقبل، كما يطالب الموقعون على المبادرة التي مازالت مفتوحة أمام جميع الأعضاء، بالتعجيل بعقد المؤتمر الوطني في مطلع السنة للخروج بالخلاصات اللازمة وانتخاب قيادة جديدة تُصالح الحزب مع قواعده ومع عموم الشعب المغربي، ووضع خطة عملية وواقعية لإعادة الحزب إلى مساره وموقعه الطبيعيين إلى جانب جماهير الشعب المغربي، تمكنه من القيام بدوره الدستوري في تأطير المواطنات والمواطنين بكامل النجاعة.

وأوضحت الوثيقة، أن نتائج انتخابات 8 شتنبر الأخيرة، كشفت عن هزيمة نكراء لقوى الإسلام السياسي، الممثل في حزب العدالة و التنمية، بعد عجزه عن تقديم وقيادة مشروع مجتمعي بديل يتجاوز من خلاله انعكاسات السياسات النيوليبرالية العالمية على المغرب، خاصة بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لسنة 2008، ويحافظ على المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية التي حققها خلال العشرية الأولى من القرن الحالي، وانحصار عمله على الخطابات الشعبوية وترديد شعارات محاربة الفساد دون القدرة الحقيقية على ذلك، مع تعميق الهشاشة الاجتماعية ومعاداة الطبقة المتوسطة.

كما عرت، تضيف الوثيقة، المبررات الواهية، وأظهرت ماهية من كان وراء التطبيل لتجربة العدالة والتنمية والدعوة إلى التحالف الاستراتيجي معه بذريعة تعزيز الديمقراطية ودولة المؤسسات والحق والقانون، وقد ظهر ذلك جليا من خلال التصويت العقابي الذي طال قيادة الحزب في شخص أمينه العام وعدد من قيادييه البارزين، رغم المحاولة اليائسة بالخروج من الحكومة والتهجم المستمر علـى رئيسها.

وتحدثت الوثيقة السياسية عن فشل المقاربة الانتخابوية المحضة التي نهجها الحزب، عبر استقدام جد متأخر لمرشحين من خارج الحزب، وفرضهم على القواعد الحزبية من طرف قيادة الحزب، بعد تدمير هذه الأخيرة وفي وقت وجيز لرصيد الحزب الانتخابي والنضالي الذي راكمه عبر سنوات عديدة، بفقدانه قبيل الاستحقاقات لمواقع انتخابية تاريخية، بعد الاستقالات الجماعية المتتالية التي عاشها، وأرجعت الوثيقة سبب ذلك إلى سوء التدبير والتقدير، وتغييب للديمقراطية الداخلية، ونتيجة للقرارات والمواقف الانتهازية وغير المسؤولة للقيادة الحالية والتي جعلت اليوم الحزب في عزلة شعبية ومؤسساتية لم يعرف مثلها من قبل.

وأكدت الوثيقة، أنه لولا القاسم الانتخابي الجديد، وإلغاء العتبة لمني الحزب بهزيمة شنيعة خلال هذه الانتخابات، وأضافت «ولعل ما زاد من حدة هذه العزلة التهميش والإقصاء الممنهج لمناضلات ومناضلي الحزب الحقيقيين، والانفصال بشكل مريب عن جماهير الشعب المغربي وهمومها وتطلعاتها وبخاصة الشباب الذي يشكل القاعدة الواسعة للهرم السكاني والمحرك الأساسي للتنمية ببلادنا، وعن الفئات الشعبية من طبقة عاملة و فلاحين صغار وعن النخبة المثقفة والمتنورة، التي شكلت عبر التاريخ طليعته النضالية»، وأبرزت الوثيقة وجود انحراف عن الخط السياسي والأيديولوجي الذي طوره الحزب على ما يقارب ثمانية عقود من الزمن، كحزب وطني، ديمقراطي، تقدمي واشتراكي وكذا الابتعاد عن حلفائه الطبيعيين مؤسساتيا ومجتمعيا.

وأمام هذا الوضع، تضيف الوثيقة، سوف يكون من الصعب على حزب التقدم والاشتراكية، في المرحلة المقبلة، نظرا لما يعيشه من أوضاع مزرية داخليا على المستوى التنظيمي والتدبيري، وخارجيا من خلال عزلته السياسية والمؤسساتية، أن يقوم بوظائفه الدستورية على الوجه الأكمل وأن يلعب دورا حيويا في الحياة السياسية والمؤسساتية للبلاد، وطنيا وجهويا ومحليا، «علما وهنا تكمن المفارقة، أن بلادنا تقف أمام رهانات كبرى تحتاج معها إلى أحزاب حقيقية، قوية، ذات مصداقية، وتتمتع بامتداد حقيقي داخل المجتمع، من أجل تدبير المرحلة الآتية، الحبلى بتحديات ورهانات تجاوز أزمة كورونا ومخلفاتها الاقتصادية والاجتماعية، وهي مرحلة تتزامن مع تنزيل النموذج التنموي الجديد بمشاريعه وإصلاحاته المنتظرة، وتفعيل الميثاق الوطني من أجل التنمية»، حسب الوثيقة، التي خلصت إلى وجود مؤشرات دالة على وصول الحزب إلى الإفلاس التنظيمي.

التقدم والاشتراكية.. صراعات بنعبد الله تفجر البيت الداخلي

 

تفجر الصراع القديم / الجديد وسط البيت الداخلي لحزب التقدم والاشتراكية بين الرافضين لاستمرار نبيل بنعبد الله، الأمين العام الحالي للحزب، المطالبين بتحميله مسؤولية النتائج الهزيلة للحزب في الانتخابات المحلية والتشريعية الأخيرة، والمؤيدين له، حيث امتد الخلاف من الديوان السياسي إلى المكتب الوطني للشبيبة الاشتراكية (الذراع الشبابي للحزب)، والتي قررت إقالة 10 أعضاء من المكتب الوطني، دفعة واحدة، مشيرة إلى أنه «لم تعد تربطهم بالمنظمة وجميع هياكلها، أي صلة»، مبينة أن سبب هذه الإقالات تعود إلى «خرق المعنيين بالأمر للقوانين المنظمة للشبيبة الاشتراكية، ومن بين تلك الخروقات، إصدار الأعضاء المقالين لبيان باسم المنظمة وترويجه خارج المساطر القانونية والتنظيمية، وهو البيان الذي أعلنوا فيه دعمهم لحركة داخلية تحمل اسم «سنواصل الطريق»، تطالب باستقالة الأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله».

واعتبرت الشبيبة أن «ما سمي ببيان أعضاء المكتب الوطني، وضع موقعيه في إخلال بالتزامهم الفكري تجاه الشبيبة الاشتراكية، في استخفاف بتوجهاتها وأنظمتها وضوابطها وأساليب نضالها، وكذا قرارات أجهزتها»، مضيفة أن البيان المذكور «شهر بمنظمة الشبيبة الاشتراكية، وأساء إلى هيئاتها المنتخبة خاصة مؤسستي الكاتب العام والمكتب الوطني، كما كان له أثر سلبي، وإلحاق ضرر بالغ من الناحية الأخلاقية والمعنوية والسياسية». ونبهت إلى أن «محاولة إقحامها في قضايا داخلية تهم حزب التقدم والاشتراكية، والذي لطالما كان قادرا على تدبير المشاكل التي تواجهه منذ تأسيسه، يعتبر ضربا سافرا في استقلالية أجهزة المؤسستين».

وكانت  لجنةُ التنسيق الوطنية لمبادرة «سنواصل الطريق»، داخل حزب التقدم والاشتراكية، استنكرت قرار الأمانة العامة للحزب طرد 11 عضوا وقعوا على ورقة تنظيمية داخلية تطالب بالمصالحة داخل الحزب وتعلن تمرداً داخلياً على الأمين العام نبيل بنعبد الله، وقالت اللجنة إن هذا القرار جاء «فقط لأنهم وقعوا على الوثيقة السياسية والتنظيمية للمبادرة»، وهو ما اعتبرته حينها «سابقة خطيرة، تضرب في الصميم روح الديمقراطية الداخلية، وتصادر حق الاختلاف المشروع، وتنتهك حريتي التعبير والتفكير المكفولتين بمقتضى دستور المملكة المغربية وبموجب المواثيق الدولية ذات الصلة، وتكرس النهج الدكتاتوري داخل حزب وطني عريق»، حسب اللجنة التي قالت في المقابل إنها «تشدد على أن المبادرة ليست (ولن تكون) عملية تجزيئية تستهدف النيل من وحدة حزب التقدم والاشتراكية».

طرد المناوئين لبنعبد الله من شبيبة الحزب، كان قد سبقه قرار الأمانة  العامة للحزب طرد 11 منتسبا بسبب آراء عبروا عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي القرارات التي همت قياديين بارزين في الحزب عرفوا برفضهم لاستمرار الأمين العام على رأس القيادة وطالبوا في مناسبات عدة بعقد مؤتمر وطني لتغيير الأمانة العامة والديوان السياسي. وقد أعلن هؤلاء المطرودون توجههم للقضاء ضد نبيل بنعبد الله، للطعن في قرار المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، طرد عدد من أعضاء الحزب من كافة تنظيماته، وذلك على خلفية إطلاقهم لمبادرة «سنواصل الطريق، لتقويم انحراف الحزب السياسي والإيديولوجي»، معلنا أنه  «لم تعد تربط هؤلاء الأعضاء، منذ صدور هذا القرار، أي صلة بالحزب ولا بأي من تنظيماته».

وحمل قادة مبادرة «سنواصل الطريق» الأمين العام الحالي للحزب، نبيل بنعبد الله، مسؤولية الهزيمة  التي مني بها «الكتاب» في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرة، ومنها أن بنعبد الله نفسه لم يتمكن من نيل مقعد برلماني بعد ترشحه للانتخابات البرلمانية في دائرة المحيط بالرباط، واعتبرت المبادرة المناوئة له أن هذه الأمور السلبية جعلت الحزب «يتحول إلى ضيعة للزعيم الذي قضى على الديمقراطية الداخلية، وأصبح سلاح الطرد والإبعاد مصير كل من يعبر عن رأي مخالف»، لافتة إلى أن «هذا المسار من الإقصاء للمناضلين ليس وليد اليوم؛ بل بدأ بالأساس منذ المؤتمر الوطني السادس وما تلاه من حرب على كل المنتمين إلى تيار لا زلنا على الطريق».

 

لشكر على خطى بنكيران من أجل الولاية الثالثة

 

 

انتقلت عدوى الولاية الثالثة من حزب العدالة والتنمية إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعدما أصبح أنصار الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، يروجون لإمكانية تعديل قوانين الحزب من أجل فتح المجال أمام لشكر للاستمرار في قيادة الحزب لولاية ثالثة، بمبرر الحفاظ على المكتسبات التي حققها في ولايته الحالية.

وبدوره، لمح لشكر لذلك في برنامج إذاعي، بقوله إن المؤتمر الوطني للحزب، الذي سيعقد، في نهاية يناير المقبل، هو «سيد نفسه» في ما يخص انتخاب القيادة الجديدة للحزب، لكنه فتح الباب أمام إمكانية حصوله على ولاية ثالثة بتعديل القانون الأساسي للحزب. وأضاف لشكر «أعلنت، رسميا، أنني لن أترشح لهذه الانتخابات، لكن أنا رجل مسؤول، وليست إرادتي هي من ستسري على المؤتمر، والمسؤولية الأكبر هي للمؤتمرين».

ومن جهته، أعلن الوزير السابق في حكومة العثماني، الاتحادي عبد الكريم بنعتيق، عن قرار ترشحه للكتابة الأولى لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مؤكدا قيامه بإبلاغ هذا القرار لإدريس لشكر، الكاتب الأول للحزب ورئيس اللجنة التحضيرية يوم الجمعة الماضي. وأوضح بنعتيق، في بلاغ أصدره بهذا الخصوص، أنه «قرر الترشح للكتابة الأولى للحزب»، مشيرا إلى أنه «بلغ هذا القرار لإدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ورئيس اللجنة التحضيرية يوم الجمعة الماضي».

وفي السياق ذاته، كان الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، اقترح أن لا يتجاوز عدد الحاضرين في المؤتمر المقبل للحزب ألف مؤتمر، وذلك التزاما بالإجراءات الخاصة بالحماية من جائحة كورونا، حسب لشكر، الذي ترأس الأسبوع الماضي أشغال الاجتماع الثاني للجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الحادي عشر لحزب «الوردة» واقترح ألا يتجاوز عدد المؤتمرين ألف مؤتمر وذلك بسبب ظروف الجائحة، مضيفا أن «لجنة اللوجستيك ستحدد سيناريوهات الاشتغال حسب الوضعية الوبائية»، يوضح لشكر، الذي اعتبر أن اجتماع اللجنة التحضيرية «يهدف إلى إطلاق التحضير اليومي للمؤتمر»، داعيا إلى الاشتغال بشكل مكثف لإعداد الوثائق والمقررات والمصادقة عليها لبعثها لكتاب الأقاليم للاطلاع عليها.

وأكدت مصادر من الاتحاد الاشتراكي أن التنافس حول قيادة الحزب سيحتدم قبيل التوجه للمؤتمر بعد عزم قياديين محسوبين على التيار المناوئ للشكر والقيادة الحالية الترشح، وفي ظل الخلاف الحاد بين لشكر وبعض من يوصفون بقياديي «الصف الأول»، وعدم إمكانية ترشح لشكر الذي يحتاج إلى تغيير القانون الداخلي للبقاء على رأس الحزب لولاية ثالثة، مقابل ارتفاع موجة الغضب داخل الحزب ضد القيادة الحالية، بسبب عدم تمكنها من تحقيق نتائج مهمة خلال الانتخابات الأخيرة، وهو ما حرم الحزب من إمكانية المشاركة في حكومة عزيز أخنوش، رغم تعبير لشكر عن رغبته في المشاركة فيها خلال المشاورات الأولى لتشكيل الحكومة.

وشكلت محطة المؤتمر التاسع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنعقد نهاية سنة 2012، منعطفا حاسما في تاريخ الحزب، بعد دخول أربعة قياديين من العيار الثقيل المنافسة على منصب الكتابة الأولى للحزب، وهم إدريس لشكر، والراحل أحمد الزايدي، وفتح الله ولعلو والحبيب المالكي، لينتهي الصراع على القيادة ثنائيا بين الزايدي ولشكر، ليفوز في الأخير إدريس لشكر بقيادة الحزب، ثم أعيد انتخابه لولاية ثانية في سنة 2017،  ما فتح الباب أمام صراع داخلي لازالت فصوله متواصلة إلى حدود اليوم.

نبيلة منيب تجهض حلم وحدة اليسار من أجل الزعامة الخالدة

 

 

تزامنا مع التحضيرات الجارية لاندماج الأحزاب اليسارية المشكلة لفدرالية اليسار الديمقراطي، عادت ظاهرة التيارات إلى الحزب الاشتراكي الموحد الذي تقوده نبيلة منيب، وذلك بإعلان ثلة من القيادات البارزة بالحزب عن ميلاد تيار جديد يحمل اسم «اليسار الوحدوي»، إلا أن منيب رفضت الاعتراف بالتيار ومناقشة أفكاره في اجتماع المكتب السياسي للحزب.

وتوجه اتهامات لمنيب من طرف رفاقها بالتخطيط لإفشال مشروع الوحدة والاندماح، وهو الحلم الذي يراود قادة أحزاب اليسار المغربي، منذ أن تعرض لـ«نكبة» التشتيت والانشقاقات، بسبب الرغبة في كرسي الزعامة. وسبق لمنيب أن فرضت تأجيل مؤتمر الاندماج إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، في حين كان أعضاء بحزبها وباقي قادة الأحزاب المشكلة للفدرالية يصرون على عقد مؤتمر الاندماج قبل الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

وزادت وطأة الخلاف الداخلي في الحزب الاشتراكي الموحد حدة منذ أعلنت الأمينة العامة للحزب، نبيلة منيب، فك الارتباط بأحزاب فدرالية اليسار الديمقراطي، وهو القرار الذي رفضته قيادات الحزب واعتبرته انقلابا عن التنسيق والتحالف الثلاثي لأحزاب اليسار. وشهد الحزب الاشتراكي الموحد موجة من الاستقالات، فقد أعلن القيادي اليساري محمد الساسي استقالته، بعد التطورات التي منعت إتمام مسار الوحدة بين الأحزاب التي كانت تشكل فدرالية اليسار الديمقراطي.

وربط الساسي استقالته بقرار الأمينة العامة للحزب ترشيح حزبها بشكل مستقل تحت رمز «الشمعة»، والتراجع عن الترشح المشترك تحت لواء «الفدرالية» مع حزبي الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي، وذلك بعدما كانت قد قامت بسحب التصريح المشترك، الذي سبق توجيهه إلى وزارة الداخلية لخوض الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة تحت رمز موحد هو «الرسالة».

وقال الساسي، في رسالة استقالته، إنه «عندما لا تحترم التعاقدات بين المناضلين، ومع حليفَينا في الفدرالية، فكيف سنحترم غدا تعاقداتنا مع المواطنين؟»، وتابع الساسي «عندما نخرق قوانين الحزب بدون شعور بأدنى قلق، فكيف نقنع الناس بأننا نناضل من أجل دولة القانون؟ عندما تتحوّل مبادرة إنشاء تيار داخل الحزب إلى جريمة، عندما تتوالى الدعوات إلى مغادرة المخالِفين لرأي القيادة للحزب، وعودتهم من حيث أتوا، ولا يحرك المكتب السياسي ساكنا».

من جانب آخر، أشار الساسي إلى أن من أسباب الاستقالة «إدلاء أعضاء هذا المكتب (السياسي) لوسائل الإعلام بمعلومات غير صحيحة، وهم يعلمون بعدم صحّتها، ووسائل إثبات ذلك موجودة، مثل الزعم بأن أرضية اليسار الوحدوي مليئة بالسباب، ويصبح النقد سبا، ونقبل بروز بعض مظاهر عبادة الشخصية في حزب حداثي»، مضيفا أنه «عندما توضع جميع أنواع العراقيل في وجه كافة محاولات رأب الصدع، وتحسين الأجواء، وتحقيق مصالحة داخلية، منذ سنتين، ويتحول أولئك الذين عاينوا جهود رفاقهم المضنية من أجل تجنب الحالة التي نحن عليها اليوم إلى التملص من مسؤولية قول الحقيقة، لأن الذين أتعبتهم تلك العراقيل وقيل عنهم إنهم أقلية أرادوا تأسيس تيار لتنظيم أنفسهم كـ«أقلية»، يصبح من الصعب قبول هذا الوضع».

وبدوره، أطلق مصطفى شناوي، البرلماني السابق عن حزب الاشتراكي الموحد، وعضو مجلسه الوطني، النار على نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب، ووجه لها اتهامات خطيرة من خلال تقديم رسالة استقالته من كل هياكل الحزب، حيث وصفها بـ «الزعيمة المستبدة»، التي  تحاول عن طريقها قلب الحقائق، وتروج عبرها لشخصيتها فقط، وضربها لمشروع اليسار والاندماج داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي.

وأرجع شناوي سبب استقالته، التي توصلت «الأخبار» بنسخة منها، إلى عبث نبيلة منيب برصيد الحزب وبمصداقيته وبقوانينه ومؤسساته وبمناضليه، فضلا عن تخليها عن المسار الوحدوي في إطار فدرالية اليسار الديمقراطي، حيث جاءت رسالة استقالته لتوضيح بعض الأمور و«تفنيد بعض الافتراءات القَذرة»، في إشارة واضحة لخرجات نبيلة منيب الإعلامية.

وهاجم البرلماني ذاته منيب، حيث قال «بدون تحية، لأن التحية تُوَجَّه لمن هو أهل لها»، مضيفا أنه لا يمكنه أن يستسيغ وأن يقبل الاستمرار «في المحاباة والسكوت عن التصرفات الرَّعناء لِمَن أوكِلَ إليها قيادة الحزب الاشتراكي الموحد والنطق باسمه، لكنها ارتدّتْ عن مبادئ اليسار وقِيَمِه».

واتهم مصطفى شناوي، الأمينة العامة للاشتراكي الموحد، بـ «السعي وراء أهداف شخصية وضيقة»، من خلال استعمالها واستغلالها لكل المنابر وأسوئها «للترويج لخطابات شعبوية ومواقف غير صحيحة وغير منطقية وغير علمية ومتناقضة، وممارسة الكذب العلني المُمَنهج واليومي في حق كل من يخالف رأيها كقائدة مُتَحكِّمة، وامتهان حرفة السب والقذف والشتم والتشهير في رفيقاتها ورفاقها وأمام الملأ».

وانتقد المتحدث ذاته، منيب، كذلك، بالقول «أنتِ التي بَوَّأكِ بعض مريديك صفة القداسة لأنك تملكين لوحدك الحقيقة وكل الحقيقة، أنتِ التي قُمتِ باختيارهم واحدا واحدا لكي يخدموا أهدابك ويمجّدوكِ كأيقونة كل الأزمنة ويمنحوكِ البطاقة البيضاء لكي تَطحَني كل من يعارضك أو يعارِض مصالحك».

وأوضح شناوي أن قراره كان صعبا، حيث تألم عند إعلانه عن فك ارتباطه بهذا الحزب الذي ضحى منذ أكثر من 20 سنة بالمساهمة في بنائه، ليهاجم منيب بالقول «لكنكِ قمتِ بتخريبه وتخليتِ عن مبادئ الحزب واليسار، وعملتِ على التهميش المُمَنهَج والشامل لكل المؤسسات بدون استثناء والتي أضحت صورية بدون صلاحية أو قرار بحيث لم يعد يسري إلا قراركِ كزعيمة مستبِدّة تُكَيِّفين كل القرارات حسب رغباتك الشخصية البعيدة كل البعد عن أدبيات الحزب ومقرراته وقوانينه ومبادئ اليسار».

وختم عضو المجلس الوطني للحزب، والبرلماني عنه، كلامه بالقول «أحيطكِ علما بأنني أستقيل من الحزب بِمَعِيَّة خيرة المناضلين لكي نستمر في ما تنَكّرتِ له من انخراط في المسار الوحدوي، لأنه استمرار للعمل الاندماجي الجاد الذي بدأناه منذ تسعينات القرن الماضي، ولأنه الضامن الوحيد لتوحيد جهود التنظيمات اليسارية وتجميع شتات المناضلين التقدميين والديمقراطيين تحت سقف حزب يساري وحدوي ومتعدد كبير وقوي قادر على تجسيد القِيَم الرفيعة لليسار على أرض الواقع والمتمثلة أساسا في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون».

وسبق لـ«حركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية» أن أعلنت فك ارتباطها بالحزب الاشتراكي الموحد، معلنة تشبثها بفدرالية اليسار بوصفها «نواة في مشروع توحيد اليسار المغربي»، في المقابل اعتبرت الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد أن قرار شبيبة الحزب كان بتوجيه من قيادات تيارات معينة في الحزب.

وأكدت الشبيبة، في بيان أصدرته لهذه الغاية، «انخراطها القوي في تمتين العمل الوحدوي من داخل شبيبات فيدرالية اليسار الديمقراطي، من أجل إعادة بناء اليسار على أسس نقدية»، في رد على قرار منيب الانسحاب من فدرالية اليسار، حيث أعلنت شبيبة الحزب «فك ارتباطها بالاشتراكي الموحد».

ويأتي قرار حركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية (الذراع الشبابي للحزب الاشتراكي الموحد)، فك ارتباطها بالحزب ليعمق «أزمة» فقدان الأمينة العامة للحزب، نبيلة منيب، للثقة في وسط قيادات حزبها، حيث قاطع عدد من القياديين البارزين اجتماعات المكتب السياسي، بعدما أعلنوا رفضهم المطلق لقرار الانسحاب من فدرالية اليسار وفك الارتباط بحزبي المؤتمر الوطني الاتحادي والطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

ثلاثة أسئلة

 

محمد زين الدين*

 

*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية

 

«اليسار يعيش أزمة داخلية وأحزابه مطالبة بتغيير قياداتها لتحسين تموقعها»

 

ما سبب تراجع أحزاب اليسار في المشهد الحزبي المغربي، خلال السنوات الأخيرة؟

تجب الإشارة إلى أن أحزاب اليسار بشكل عام، وحتى على المستوى العالمي، تعيش أزمة، ومن هذا المنطلق فاليسار في المغرب كذلك يعيش هذه الأزمة لأسباب منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي. وبالرجوع إلى الأسباب الموضوعية، يمكن القول بأن المرجعية العالمية حاليا التي بدأت تسود في غالبية البلدان، هي المرجعية الليبرالية، وحتى في البلدان التي توصف بكونها من قلاع ومعاقل الاشتراكية، تعيش فيها الأحزاب الاشتراكية نوعا من  الأزمة، وهي في تقديري أزمة بنيوية. أما في ما يخص العوامل الذاتية، فهي ما تعانيه الأحزاب المغربية بشكل عام، وما تعانيه أحزاب اليسار المغربية بشكل خاص، والتي تعاني من مشكل أساسي يرتبط بانحسار دوران النخب، حيث إنه ليست هناك إمكانية لدوران النخب بطريقة سلسلة، وهي النخب التي من شأنها أن تخلق دينامية جديدة داخل تلك الأحزاب، تتأقلم والمرحلة السياسية الجديدة التي تعيشها البلاد، وهنا يجب العودة إلى عدة عوامل، منها أن تلك الأحزاب اليسارية المغربية تعرف ظاهرة «التيارات»، ووجود تلك التيارات، يعقد بشكل كبير دوران النخب، كما أن نزعة المصالح الشخصية والتموقع إلى جانب الزعيم، ساهما في هذا الانحسار في استخلاف قيادات جديدة، دون إغفال عنصر ثالث، هو الذي يتمثل في تهميش وغياب وتخلي عدد من القيادات التاريخية التي لديها القدرة على منح الزخم السياسي والحزبي لتلك الأحزاب، وهذا الغياب الذي كان لاعتبارات متعددة، منها ما هو متعلق بصراع سياسي مع قيادة الحزب، أو انسحاب إرادي من الساحة السياسية.

 

هل كرست نتائج الأحزاب اليسارية (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاشتراكي الموحد)، في الانتخابات الأخيرة، أزمة اليسار المغربي؟

إن الظرفية الحالية كانت مواتية بشكل كبير لأحزاب اليسار من أجل العودة بقوة إلى المشهد السياسي والحزبي الوطني، خصوصا إذا تحدثنا عن تموقع أحزاب اليسار في المعارضة، وإمكانية تقوية هذا التموقع الجديد لخيار التقارب والتوحد بين تلك الأحزاب والمكونات السياسية، وهذا الأمر لم يتم، وقد أثر هو أيضا في وضعية تلك الأحزاب، التي كان من الممكن أن تنال موقعها القوي في المعارضة، في ظل إفلاس حزب العدالة والتنمية، بعد النكسة الانتخابية، وأيضا في ظل غياب البديل القوي الذي يمكن أن يخلق التوازن بين الأغلبية (القوية) والمعارضة، ولكن الصراعات الشخصية بين تيارات اليسار ضيعت الفرصة على أحزاب اليسار من أجل التموقع والتقارب داخل المعارضة، وأن تشكل قطبا قويا داخل المعارضة. وبالتالي فقد أفشلت أحزاب اليسار نفسها في المرحلة الحالية، بعد تهميش قياداتها الحالية لعدد من البروفايلات التي أبانت عن كفاءتها، والتي يمكن أن تقود اليسار في المرحلة الحالية وتقدم إجابات ناجعة، سيما الحديث اليوم عن الجانب الاجتماعي والنموذج التنموي، وتنزيل عدد من المشاريع المجتمعية والاجتماعية، والتي يجب أن تقدم فيها هذه الأحزاب من موقعها في المعارضة تصوراتها، إذ إن تلك الأحزاب لا تملك أي تصور من أجل معارضة منسجمة وموحدة قادرة على لم شتات اليسار، في حين أن كل العوامل كما ذكرت تصب في منحى تقوية اليسار وتوحده، لحمل مشروع وقوة اقتراحية بديلة.

 

ما مسؤولية القيادات الحزبية عن الوضع الحالي، الذي تعيشه تلك الأحزاب؟

من المؤكد أن الوضع الحالي الذي تعيشه أحزاب اليسار، خصوصا (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد)، والمتمثل في حراك داخلي يصب في اتجاه تغيير القيادات الحالية، وهذا التغيير كان منتظرا لعدة أسباب، أولها أن الحصيلة السياسية لتلك الأحزاب في ظل القيادات الحالية كانت محتشمة، ومن هذه الحصيلة بطبيعة الحال النتائج الهزيلة للأحزاب الثلاثة في الانتخابات التشريعية والجماعية الأخيرة، وأيضا طبيعة المرحلة السياسية الراهنة التي تقتضي وجود قيادات أخرى، تنسجم مع طبيعة المرحلة. وبالتالي من غير الممكن استمرار الأحزاب المذكورة آنفا بالقيادات الحالية والتوجه نفسه، ولا محالة ستبحث تلك الأحزاب عن القيادات الجديدة التي من شأنها تجديد منهجية الاشتغال وتقوية الموقف السياسي، داخل المعارضة التي لا تتوفر فيها بدائل غير اليسار، والذي يجب أن يحمل تصورا جديدا ورؤية موحدة، إذ مطلب وحدة اليسار بات يفرض نفسه بشكل كبير في المرحلة الحالية، والقيادات الحالية لهذه الأحزاب إنما تساهم في إضعاف اليسار، ودخوله بشكل مشتت إلى المعترك السياسي والحزبي، وقد كانت هناك تجربة الحزب الاشتراكي الموحد الذي قامت أمينته العامة بالانسحاب من تحالف الفيدرالية، وقررت خوض حزبها الانتخابات بشكل منفرد، وهو ما أضعف النتيجة التي حصل عليها الحزب خلال هذه الانتخابات، بل أدخله أيضا في دوامة من الصراع الداخلي بسبب هذا القرار.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى