شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

السكري الذي سيقتل إفريقيا

القاهرة: د. خالد فتحي

الجلسة العلمية التي حضرتها بالقاهرة، ضمن فعاليات المؤتمر الإفريقي الثالث للصحة حول سكري الحمل بإفريقيا، مفيدة جدا، بل هي جلسة استراتيجية لنا نحن الأفارقة. الأرقام المقدمة مرعبة، والأشد رعبا منها المنحى التفاقمي الذي تتخذه، والمستقبل المظلم الذي تنذر به، والذي سيجعل السكري قادرا لوحده على أن يطوح بكل آمال التنمية الإفريقية.

في مجال الصحة، وإسوة بالمجالات الأخرى، تحتل إفريقيا دائما المقدمة في ما يخص ترتيب الأمراض وانتشار المشاكل الصحية، و«تحرص» في الآن نفسه على المؤخرة في ما يخص نجاعة البرامج وكفاءة المنظومات الصحية لمواجهتها، حتى أنه أحيانا تتحول الجلسات العلمية التي نعقدها إلى جلسات تعذيب وجلد قاس للذات الإفريقية، وتكهن بالأسوأ الذي سيلي السيئ. هكذا هي المصائب دائما بإفريقيا، لا تأتي أبدا فرادى.

صحيح أن إفريقيا، بتعددها الإثني، وتنوع جغرافيتها، وتفاوت منسوب التنمية بين بلدانها، تتمايز صحيا في الكثير، وواضح أن عددا كبيرا من دولها حققت إنجازات خارقة في مجال الصحة، لكن الصحيح أيضا أنها تتحد في كونها مهزومة من أدناها إلى أقصاها من طرف مرض يعيث فيها إعاقات ووفيات اسمه السكري.

يوجد بقارتنا أكثر من 25 مليون مصاب، وسيصيرون قريبا جدا أكثر من 55 مليون مواطن إفريقي. دول جنوب الصحراء لوحدها سترفع حصتها على سبيل المثال بنسبة 98 في المائة في سنة 2030 فقط.

الدول الإفريقية تبدو عاجزة أو كالمستسلمة أمام مد السكري، إما بسبب الإملاق المالي الشديد، أو بسبب غياب رؤية صحية حكيمة بعيدة النظر. الوضع أخذ ينذر بكارثة في بعض المناطق. ترى هل هناك وضع أفدح من أن تتجاوز النفقات المفترضة المطلوبة لمكافحة السكري الميزانيات العامة لبعض الدول؟

رزئت إفريقيا بالسكري، لأنها لم تدر كيف تدبر تحولاتها، سواء تعلق الأمر بالتحول العمراني أو الاجتماعي أو الغذائي أو الأسري. لم تتمكن إفريقيا وهي تتحول، من أن تستفيد من النموذج الغربي، وتحافظ في الآن نفسه على ميزات مجتمعاتها التقليدية التراحمية التي كانت تحمي من عدد من أمراض العصر. ولذلك حين شرعت تتخلص من الأمراض المعدية رويدا رويدا، بدأت تسقط في بئر الأمراض غير السارية السحيق، حيث يعربد كل من السكري وارتفاع ضغط الدم. خطورة هذه الأمراض ستفتك بإفريقيا أكثر مما تفعله بالعالم المتقدم، لأن هذا الأخير يتميز عن قارتنا بامتلاكه الوعي والوسائل والمقدرات العلمية والمادية.

أثبت لنا المؤتمر من خلال الأرقام والمداخلات، أن المريضة والحامل الإفريقية تعاني أكثر من صنوتها الأوروبية في حالة السكري. لا وجه للمقارنة بينهما: البنيات الصحية غير مؤهلة وبعيدة، الخدمات متردية أو منعدمة، والعاملون الصحيون غير مدربين على التكفل بالحوادث الحادة للسكري، بعض الدول لا توفر الأدوية الضرورية، فيها يكلف علاج مريض واحد 50 في المائة من ميزانية الأسرة. هكذا صارت مجتمعات بأكملها بسبب ضيق ذات اليد، وعجز الدولة أو إنكارها للمعضلة الصحية، موبوءة بالسكري، كتنزانيا، الكاميرون، الكونغو الديمقراطية، غينيا وجنوب إفريقيا… إلخ. أغلب المرضى والحوامل في إفريقيا يجهلون إصابتهم، وهذا الجهل يصل أحيانا نسبة 100 في المائة! دول المغرب العربي القريبة من أوروبا ليست بدورها أحسن حالا من شقيقاتها الإفريقيات، هي أيضا تتخبط وتغوص في وحل السكري.

مصيبة السكري بإفريقيا أنه يصيب ضحاياه في سن مبكرة، صار يفضل أكثر الشباب والنساء، عماد إفريقيا وذخرها. زد على ذلك أن استشراءه في أوساط الحوامل، عاد يهدد صحة الأجيال التي تولد بقارتنا. فأطفال السكريات هم سكريون مستقبلا في أغلب الأحوال.

كان ضروريا أمام صدمة هذه الأرقام والسيناريوهات، أن نتساءل جميعا خلال المؤتمر لماذا وصلت إفريقيا إلى هذا الحد المخيف؟ الجواب جاء بسيطا، كونها تركت السمنة تغزو مواطنيها على غفلة منهم، أهملتهم، وتركتهم دون تربية صحية ولا غذائية، كانتا ضروريتين لمواكبة تحولات القارة بعد موجة الاستقلالات. فالسمنة والسكري هما فرسا رهان، بل إن السمنة هي الداء، والسكري هو العارض.

إن وباء السكري لوحده ليثبت لنا أننا قارة لا تخطط ولا تعبأ بالمستقبل، ولا رؤية شمولية ومندمجة لها، تعيش الحياة كما تتفق لها. السكري في إفريقيا ليس مرضا كبقية الأمراض، هو الشجرة التي تخفي الغابة، بل هو يفضح أشياء كثيرة، ومنها هذه المدن الإسمنتية التي نبتت كالفطر وغالبت الطبيعة بإفريقيا فغلبتها، يعري العشوائية العمرانية التي جعلت من المدن الإفريقية مدنا معادية للصحة صديقة للسكري وللأمراض التي على شاكلته…، لا متنزهات، ولا ملاعب للقرب، ولا مراقبة لما يأكل الناس، وبالتالي يحيلنا هذا الانتشار المأساوي للسكري في ما يحيلنا عليه على الفساد الذي ينخر إفريقيا، وآثاره الخطيرة التي صارت تهدد صحة الناس.

في السياق الإفريقي، تكون الوقاية من السكري الحل الوحيد المتبقي والممكن لنا، وهذا ما شرحته في مداخلتي. إذ ينبغي في الحشد للحرب ضده أن يتوفر لنا أولا الإعلام المواطن والمدرسة المواطنة، لزرع السلوكيات القويمة للصحة عند المواطنين الأفارقة.. كما يجب أن نجود أكثر في بعض المجتمعات الإفريقية وضع المرأة، ونخرجها من محبسيها، البيت والحي، لكي ترى الشمس، وتمارس المشي يوميا، حتى تبقى سليمة معافاة، فتساهم في التنمية وتنجب لها ولنا أطفالا أقوياء أسوياء لم ينخرهم السكري في بطون أمهاتهم. حين تصاب حامل بالسكري، فهي وابنها مهددان بالسكري الدائم في مستقبل حياتهما. لذا علينا أن نبدأ بالتربية الغذائية للبنت منذ الطفولة، وعند الزواج وقبل الحمل الأول، وأن نمرر الخطاب حول السكري حين نناقش مع المرأة المتزوجة وسائل منع الحمل، أو حين نمنحها شهادة طبية للزواج. علينا أن نسرع أيضا بتخريج أطباء العائلة في كل إفريقيا، ونلزم بذلك كل المنظومات الصحية. وهذا هو الأمل الذي قرر المغرب أن يتمسك به ويشرع فيه قريبا جدا. تلك كانت مداخلتي أو مرافعتي.

في إفريقيا تشرئب أعناق الدول الفقيرة نحو الدول الإفريقية المتوسطة كي تساعدها، لكن هذه الأخيرة ليست بأحسن حال منها، ولا تستطيع لها الشيء الكثير. ولذلك أخوف ما أخافه هو أننا سنظل نتفرج على السكري، وهو يجهض أحلامنا جميعا، ويقتل أمام أعيننا إفريقيا أمنا التي نحب، وخصوصا إذا تعطلنا أكثر في إرساء برامج مكافحة السكري وسكري الحمل، التي ينبغي نشرها في جميع الدول الإفريقية. وهذا يتطلب قرارات جريئة من لدن صناع القرار الصحي الأفارقة، بل هو ما يستدعي توفر إرادة سياسية قارية تجعل من مكافحة السكري أولوية سياسية واستراتيجية ملزمة، قبل محاربة السيدا والملاريا… إلخ.

لطالما تعجبت كيف أن قادة الاتحاد الإفريقي لا يناقشون مثل هذه التهديدات، السكري يقتل أكثر مما يقتل الإرهاب ومما تقتل النزاعات بين الدول الإفريقية، ومع ذلك تصر الحكومات على تجاهله، وعلى أن تنهج سياسة النعامة كي لا تراه. نحن الأطباء من جهتنا لا نيأس، وننادي رفعا للحرج ربما بأن مكافحة السكري لا بد لها أن تدمج ضمن رؤية إفريقيا مزدهرة لسنة 2063.

السكري هو الفخ الذي وقعت فيه إفريقيا، وليس هناك متسع كبير من الوقت أمامها للمناورة وتأجيل المعركة معه. لذا يجب البدء من هذه اللحظة الراهنة بوضع استراتيجية شاملة لمكافحته، من جانبي قدمت رأيا اعتبره المشاركون في الجلسة وجيها، بأن نصدر كفاعلين صحيين أفارقة توصية أو إعلان القاهرة حول داء السكري، الذي يوصي القادة الأفارقة بإلزام حكوماتهم في أقرب وقت، وليس انتظار 2063 البعيدة جدا، لجعل محاربة السكري أولوية وطنية من خلال برامج مندمجة تراعي البعد الصحي والتربوي والإعلامي والثقافي والاجتماعي والمجتمعي للمعضلة. هذا هو التعاون الحقيقي الذي تنتظره الشعوب الإفريقية من نخبها السياسية والصحية، وهذا هو الإنجاز المرغوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى