الرأيالرئيسيةوطنية

السلطة وعالم القوة

 

 

 

بقلم: خالص جلبي

 

يقول «روبرت غرين» في كتابه «شطرنج القوة، ص: 96»: إن «عالم السلطة يتحرك بآلية الغابة، ففيه الذين يعيشون بالصيد والقتل، وهناك أيضا أعداد هائلة من المخلوقات كالضباع ونسور الجيف التي تعتاش من صيد الآخرين». وعندما يموت ابن الأسد تبكي كل الغابة، وتزدحم الوفود على باب الأسد للتعزية، وإذا مات الجرذ فلا يسمع أحد. وفي أحداث شتنبر بكى كل العالم عربا وعجما، وعندما قتل ألف مثقف في سجن تدمر السوري في ليلة واحدة، لم يسمع أحد، ومثلهم في ليبيا القذافي المقذوف إلى قبر مجهول. وعندما مات ألف في قصف صاروخي في ملجأ العامرية، بكى العراقيون لوحدهم. وما يصدر عن أمريكا حاليا هو الذي يسود، حتى المصطلحات فالأمريكيون هم الذين عمموا كلمة (العولمة Globalization) و(الأصولية Fundamentalism) و(الشفافية Transparency) والإرهاب؛ فهم الذين يفصلون ونحن الذين نلبس، صم بكم عمي فهم لا يعقلون.

وكما يقول «ابن خلدون» في المقدمة إن المغلوب يقلد الغالب للاعتقاد بكماله، فهو يقلده في شعاره وزيه ونحلته وسائر عوائده. ومع أن أمريكا تمارس الإرهاب ضد كل العالم منذ أن نشأت بدم الهنود، فإن مصطلح (الإرهاب) يتبادله الجميع وفق لوغاريتم أمريكي. كما جاء في قصة الإسكندر والقرصان، فحين وبخه لأنه يفسد في البحر، كان جوابه: أنا أسرق في زورق فألقب قرصانا؛ أما الإسكندر الأكبر فهو ينهب كل العالم ويسمى إمبراطورا. 

وعندما كانت روما تصلب سبارتاكوس، كان في نظرها إرهابيا، والرجل أراد الخلاص من عبودية روما التي تدفعهم في ساحات المجالدين كي يذبح بعضهم بعضا أمام جمهور منتش برائحة الدم، فيصرخ: جوجولار جوجولار، أي اقضي على الواقع أرضا. والتاريخ يكتبه الأقوياء. و«هتلر» اليوم مجرم، ولكن لو سبق فامتلك السلاح النووي وفاز في الحرب، لأخفى جرائم (أوشفيتس) وقرأنا نسخة مختلفة للتاريخ.

وعندما وقع «ترومان» بقرار واحد على مسح مدينتين يابانيتين، وكانت واحدة أكثر من كافية، اعتبر بطلا قوميا؛ مع أنه قتل ربع مليون إنسان في ساعتين. ومن أعجب ما حدث في شتنبر أن كل شيء نوقش، ولكن لم يجرؤ أحد أن يناقش (لماذا) قتل الأبرياء في نيويورك 2001م، أو الأطفال في أوستيتيا 2004م؟ وكل ما يناقش في الفضائيات يدور حول (من) الفاعل؟ و(كيف) حصل ما حصل؟ ولكن لا أحد مسموح له بمناقشة (لماذا) حصل ما حصل؟ ومن هو الفعلي خلف الأحداث؟ وهي ليست الحادثة الوحيدة في التاريخ، فنحن لا نعلم حتى اليوم من كان خلف اغتيال كينيدي؟  

وأهمية مناقشة (لماذا) هي في المعالجة (السببية) وليس (العرضية)، لأنه قابل للتكرار طالما كانت بذوره موجودة. وحينما يصاب المريض بارتفاع حرارة بسبب الملاريا، قد تنفعه حبة الأسبرين، ولكن الحرارة سوف تعود، ما لم يأخذ المريض دواء (الكينين).

والعالم اليوم لم يعد كما كان قبل 11 شتنبر، بعد أن خرق بيت الأسد، ومعه خرق قانون الغابة فلم يعد الأسد ذلك الوحش المخيف، فكما أدخلت أمريكا الرعب على كل الناس، فقد أصيبت بالداء نفسه، فلم تعد أمريكا التي نعرف.

والعالم اليوم يدخل على بعض ويتحول إلى غرفة إلكترونية. ويبقى العدل أرخص من كلفة ديناصورات الأمن، والتاريخ يكتبه الأقوياء. وفي معركة (بالاكلافا) في (القرم) عام 1854م كان الأتراك هم الذين يقاومون الروس بأدوات بدائية، ومن انهزم كانت الخيالة البريطانية، ولكن ما نشر في تلك الأيام قبل ما يزيد على 150 سنة أن التركي حمار والبريطاني أسد مغوار، وبعد قرن ونصف يعاد الاعتبار للأتراك. ولكن من يسمع أو يستفيد في غابة يحكمها الأقوياء ويسودها الجنون.

جاء في كتاب «أفضل الخرافات» لـ«جان لا فونتين 1621 ـ 1695م» عن اعترافات الأسد والحمار، عندما ضرب الطاعون الغابة، أن الجميع وقف يتضرع إلى الله أن يرفع عنهم البلاء. فقال الأسد يجب أن نقوم بالاعتراف بذنوبنا فنقدم الأضاحي، وسأكون أول المعترفين: أعترف لكم بأنني لم أقاوم شهيتي، فأكلت الكثير من الخرفان، مع أنها لم تؤذني قط، بل لقد عرف عني أنني كنت أتذوق لحوم الرعاة وكأنها فطيرة محشوة؛ فإذا دعت الحاجة فأنا مستعد للموت، ولكنني أظن أن على الآخرين أيضا أن يعترفوا بذنوبهم. هَمْهَمَ الجميع: نعم.. نعم. قفز الثعلب وقال: كيف تقول ذلك يا ملك الغابة؟ إنك يا سيدي ملك جيد، وإن وساوسك هذه لمرهفة الإحساس أكثر مما ينبغي. ولعمري إن الخراف قطعان نجسة فظة تستحق أن تفترسهم ومعهم الرعيان. هكذا تكلم الثعلب، فضجت الغابة بالهتافات بحياة ملك الغابة. ولم يجرؤ أحد على مراجعة ذنوب النمر والدب والنسر والثعلب والضباع، فقد اتفق الجميع أن كلا منها قديس لا يلمس. وهنا وقف الحمار فقال: يا قوم أريد أن أعترف، لقد مررت بجانب دير فأعجبني اخضرار العشب، فقضمت منه قضمة بعرض لساني وملء فمي، وكذلك سولت لي نفسي.. بصراحة.. وهنا ارتفعت أصوات الاستهجان تندد بالحمار المجرم، وشهد (ذئب) و(ثعلب) عندهما علم من الكتاب فصاحا: أيها الحمار اللعين لا  تتابع فقد عرفنا مصدر البلاء. وشهدت بقية حيوانات الغابة أن الحمار فعلا منكر الصوت، قبيح الرائحة، متقرح الجلد، فظ الأخلاق، بليد الفهم، لا يحسن التصرف. فحكموا عليه أنه لا يصلح لشيء سوى أن يكون طعاما للمشنقة.  فكم هو وضيع بغيض الاستيلاء على عشب الآخرين؟ ولن يكفر عن هذا الجرم الشنيع سوى موته، فاقتيد الحمار للموت وهو ينهق بأعلى صوته بدون فائدة تذكر. ثم إن حيوانات الغابة وقفت إجلالا للأسد دقيقة صمت، فقد حلت المشكلة. وقصة أمريكا وبنو صهيون ومحكمة العدل الدولية ومجلس الأمن اليوم مسرحية مسلية من هذا النوع. 

 

نافذة:

عندما وقع «ترومان» بقرار واحد على مسح مدينتين يابانيتين وكانت واحدة أكثر من كافية اعتبر بطلا قوميا مع أنه قتل ربع مليون إنسان في ساعتين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى