شوف تشوف

الرئيسيةثقافة وفن

الشعر المغربي الحديث.. جيل التأسيس وأسئلة المسار

حوار مع الناقد نجيب العوفي:

 

 

 

حاوره / محمود عبد الغني

 

 أجرى الملحق الثقافي لجريدة «الأخبار» هذا الحوار الشيق والثري مع واحد من أبرز النقاد في المغرب والعالم العربي هو الأستاذ نجيب العوفي. وما هذا الاختيار إلا لأهلية هذا العلم معرفة وتحليلاً وتأريخاً للأدب المغربي الحديث في ثلاثة أجناس أدبية على الخصوص: القصة القصيرة، والشعر والرواية.

  • يمتلك الشعر المغربي الحديث تاريخا ظاهرا وزاخرا. اليوم، ونحن نستعيد المؤسسين، ماذا يمكن أن يقول الأستاذ العوفي عن تاريخ هذا الشعر؟ وماذا عن التأسيس؟

+ من المعلوم أن المغرب، في عهوده التاريخية الأولى وإلى مشارف القرن العشرين، لم يكن معروفا شعريا، أو بالأحرى لم يكن ذا تقاليد إبداعية وثقافة شعرية متجذّرة وموصولة، وبالتالي لم يكن شعره جيدا مُستوفيا «للشعرية» إلا فيما ندر، بحيث يُسامت ويُداني المنجز الشعري المشرقي عبر أقطاره وحواضره العريقة. ورغم كل ما بذله العلامة الأديب عبد الله كنون، مشكوراً مذخوراً، من جهود لإثبات النبوغ المغربي في الشعر، إلا أن هذا النبوغ يبقى محصورا في رمُوز وعناوين محدودة. ذلك أن المغرب الثقافي في عمومه مغرب فقهي أكثر منه مغربا شعريا وإبداعيا.

وكان لا بد من انتظار صدمة الحداثة مع الغرب والشرق معا، ليفتح المغرب الثقافي أحداقه وأسماعه على سؤال الشعر بصيغة جديدة وجذرية.

ومعلوم تاريخيا أن القصيدة المغربية الحديثة دشّنت مشروعها وبدأت انطلاقتها مع أوائل الستينيات من القرن الفارط، من خلال مجلتين ثقافيتين طليعيتين وحداثيتين وهما (أقلام) و(آفاق). الأولى بإشراف أحمد السطاتي ومحمد ابراهيم بوعلو وعبد الرحمان بن عمرو، والثانية بإشراف اتحاد كتاب المغرب في مقتبل عمره. وهذا يعني أن هذه القصيدة كانت حديثة وطريّة على مستويين، على مستوى الزمن التاريخي – الكرونولوجي من جهة، وعلى مستوى الزمن الشعري – الجمالي من جهة ثانية.

كما يعني أن عمر هذه القصيدة الآن يربو على سبعة عقود، وهي عقود منذرة بالشيخوخة، كما هي مبشّرة بالتجدد، إذا بقيت دماء القصيدة حارة وفتية.

وللتذكرة، فإن من أوائل المؤسسين للشعر الحديث في المغرب في طلائع الستينيات الشعراء أحمد المجاطي، عبد الكريم الطبال، محمد السرغيني، محمد الخمار الكنوني، محمد الميموني..

هؤلاء يشكلون الكتيبة الأمامية للجيل المؤسّس للحداثة الشعرية المغربية. وضمنهم كان يلتمع اسما محمد الحبيب الفرقاني ومحمد الوديع الأسفي، وفي تصوّري المتواضع، ومع إجلالي لهذين الرمزين المناضلين، لا يُحتسبان فنيا من شعراء الحداثة الشعرية.

ويُتاخم ويُحاذي الكتيبة الحداثية الأمامية الآنفة شعراء مجاورون، نذكر منهم إبراهيم السولامي، أحمد الجوماري، عبد الرفيع الجوهري، محمد علي الهواري، بنسالم الدمناتي، عبد السلام الزيتوني.. ولا أحصي اللائحة.

 

  • ما خصائص هذا الشعر التأسيسي الجمالية والموضوعاتية؟

+ تجدر الإشارة إلى أن معظم الشعراء المؤسسين للحداثة الشعرية المغربية كانوا أساتذة جامعيين. كانوا بالتحديد أساتذة متخصصين في الأدب والنقد واللغة. معنى هذا أنهم كانوا على دراية وافية بالأدب شعره ونثره ونظرياته وأجناسه وصنعته وآلاته. ومن ثم تميزوا بميزتين أساسيتين وبارزتين، وهما المتانة اللغوية ونباهة السبك من جهة، وثراء المرجعية الثقافية من جهة ثانية.

وغنيّ عن البيان أن النّصوع اللغوي وثراء المرجعية الثقافية رافدان ومقومان استراتيجيان للنص الشعري، وشاحنان حراريان له. وقد توفّرا بجلاء في النص الشعري الستيني والسبعيني.

ونظرا لمتانة وجزالة ونُصوع اللغة الشعرية عند شعراء المرحلة، صِرنا تجاه أساليب وأنساق شعرية متميزة حاملة لبصمات أصحابها. صار المشهد الحداثي سجلاّ ثريّا ومتنوعا من اللغات والأساليب الشعرية. وأن يكون لك أسلوبك الشعري الخاص الذي يشفّ عنك، فأنت شاعر حقا.

وهكذا نستطيع تمييز وروْز أشعار المؤسّسين والسبعينيين من نصوصهم. فللمجاطي لغة خاصة به ودالّة عليه، وللسرغيني لغته.. وللطبال لغته.. وللخمار لغته.. ولراجع لغته، وهكذا. كانت هذه الاحتفالية اللغوية بارزة في الستينيات والسبعينيات، وكانت من أهم المظاهر والأمائر الجمالية للمُنجز الحداثي في هذه المرحلة.

والمرجعية الثقافية الوارفة لجيل التأسيس، كانت مجالا حيويا ومرتعا خصبا لظاهرة التناص الشعري التي هيمنت بشكل لافت ورائع في هذه المرحلة، من خلال امتصاص وتمثل سجلات ورموز ثقافية وتاريخية وأسطورية مختلفة.

وثمّة سمة شعرية بالغة الأهمية في هذا الصدد، وهي أن شعراء المرحلة قاموا بـ«مغْربة» المخيال الشعري من خلال استحضار المغرب أمكنة وأزمنة وأحداثا ورموزا في الكيمياء الاستعارية للنص الشعري.

– كيف يرى الأستاذ العوفي علاقة الشعري بالتاريخي في سياق هذا الشعر؟

+ عند الحديث عن علاقة الشعري بالتاريخي، لا مناص من استحضار التاريخ وسياقاته وإكراهاته. فالإبداع بعامة ليس مُتعاليا على التاريخ ولا يتحرك في سديم أو ملكوت لدُني. إنه معجون بعذابات وأشواق الإنسان فوق الأرض وغمار الواقع.

وقد كان (الالتزام) هو شعار وبوْصلة شعر الحداثة، وكان التجديد في الشعر رديفا أو تجلّيا للتجديد في الحياة والثقافة والسياسة والمجتمع.

ولا بدع في الأمر، فقد كان هذا الشعر الريادي – الحداثي يتحرك فوق صفيح ساخن، وطنيا وعربيا وعالميا.

وعلى امتداد الستينيات من القرن الفارط، اندلعت وانتفضت أحداث ورجّات وطنية وعربية ودولية نذكر في مقدمتها انتفاضة 23 مارس 1965 في الدار البيضاء، وهزيمة 1967 العربية، وانتفاضة 1968 في باريس.

هذا إلى هيمنة اليسار عالميا بمختلف أطيافه وواجهاته، وبخاصة المدّ الأممي الماركسي الذي لقي استجابة واسعة على الصعيد العالمي. وكان الوطن العربي فضاء متفاعلا ومُتصاديا مع هذا المدّ وحاضنا له إلى جانب المدّ القومي الذي كان مهيمنا.

كل هذه الأحداث والرجّات شكلت خزانا تيماتيكيا ساخنا للقصيدة المغربية – الحداثية الستينية ورديفتها السبعينية. وقد تركت هذه الأحداث والرجّات نُدوبا عميقة على جسد القصيدة الستينية والسبعينية.

وحسبنا الرجوع تمثيلا وتدليلا إلى ديوان (الفروسية) للشاعر أحمد المجاطي، لتبيان التلقّي الشعري الحار والمشحون لهموم وشجون المرحلة.

وحين تتأمل الآن المشهد الشعري العربي والمغربي بخاصة، منذ طلائع الألفية الثالثة ومدى تفاعله مع هدير التاريخ وانخراطه الإبداعي في معْمعانه، يرتدّ إليك البصر خاسئا وهو حسير.

ولا يعزُب عن الذكر هنا، ونحن نعيش بجوارحنا في هذه الأيام العصيبة لحظة فلسطينية تراجيدية، الحضور القويّ والبهيّ للهاجس الفلسطيني في الشعر المغربي الحديث. وحسبي في هذا الصدد أن أسجل ملاحظة تتعلق بتفاعل وتداخل الهاجسين المغربي والفلسطيني عبر فسحة الشعر المغربي الحديث، بحيث يغدو من الصعب فكّ الارتباط بينهما، خصوصا على مستوى البنية العميقة للنص الشعري. إن تشابكا جدليا يتمّ هنا بين الهاجس الفلسطيني كإشكال قومي، والهاجس المغربي كإشكال وطني لينتج لنا، في المحصّلة، هاجسا مركّبا وإشكالا أقنوميا.

 

  • نريد منكم ذكر اللحظات الأساسية في هذا الشعر..

+ إذا فهمت (اللحظات الأساسية) في سؤالك تاريخيا، فإن الأمر يتعلق بمحطّات عبور هذا الشعر أي بأجياله ومفاصله التاريخية.

ولا شك في أن الشعر المغربي قطع أشواطا بعيدة وحافلة منذ بزوغه في ستينيات القرن الآفل إلى عشرينيات الألفية الثالثة، وهو يدنو الآن من العقد الثمانيني.

فقد اتسعت خارطة هذا الشعر كمّا وأسماء وإنتاجا واجتهادا وتجديدا وتجريبا، حتى وصل هذا التجريب إلى قصيدة الهايكو التي أقيمت لها زفّة كبيرة، مرورا بقصيدة النثر التي هيمنت على المشهد الشعري.

لكن حين نبحث عن «شعرية» الشعر في هذا الحراك الهائل، لا نعثر عليها إلا في نماذج محدودة ومعدودة، خاصة بعد أن دخلت وسائط الاتصال على الخط.

وأكاد أقول إن نهايات القرن 20 كانت الحشْرجة الأخيرة لزمن شعري متميّز، وأن طلائع الألفية الثالثة كانت فاتحة لزمن شعري مفتوح على المجهول.

والمفارقة الجميلة هنا التي تنعش المشهد الشعري المغربي، أن أصواتا من الأجيال الماضية ومن جيل المؤسسين حتى، ما تزال حاضرة ناضرة تقاسم الأجيال الجديدة المشاغبة بهجة الشعر وفتنته. وهذا لعمري شيء جميل، في زمن وقح خال من الشعر.

 

  • ندعوكم أخيرا إلى الوقوف عند دواوين شعرية بعينها للشعراء المؤسّسين: أحمد المجاطي – محمد السرغيني – عبد الكريم الطبال – محمد الخمار الكنوني..

+ تُطالبني هنا يا صديقي باعتصار تاريخ في سطور.

ومع ذلك سأحاول أن أقترب من هؤلاء الكبار على التوالي، في خطوط أو فلاشات عريضة بما يقتضي المقام من إيجاز المقال.

1 – أحمد المجاطي:

لا شك في أن أحمد المجاطي يُعدّ «فارس» الحداثة الشعرية المغربية بكل جدارة واستحقاق. ذلك ما أجمع عليه معظم الباحثين والمهتمين بالشأن الشعري. وتُحيلنا صفة الفارس هذه إلى ديوانه (الفروسية)، وهو ديوانه الفرْد – الفريد.

فقد كان المجاطي من المُقلّين، من الشعراء «الحوليين» الذين يتعّهدون قصائدهم على نار هادئة.

لكن قليل المجاطي يُغني عن الكثير.

وفي طلعة البدر ما يُغنيك عن زُحل. كما قال المتنبي.

الفروسية هي السمة المميزة لشعر المجاطي. وهي قريبة مما عناه أسلافنا بمصطلح «الفُحولة» الشعرية. وتتجلّى في هذا العنفوان الدلالي والمجازي للقصيدة، وهذه الحرارة الشعرية والشعورية السارية في كيانها سريان الدم وسريان النار.

هذه الفروسية الشعرية، أو هذه الفحولة الشعرية، هي أهم ما يميّز شعر المجاطي، شكلا ومضمونا قلبا وقالبا.

وهذه الفروسية الشعرية بالضبط هي المُفتقدة الآن افتقادا هائلا في المشهد الشعري المغربي والعربي في آن.

2 – محمد السرغيني:

عرفنا محمد السرغيني، نحن جيل تلامذته، منذ بواكير الستينيات من القرن الماضي، أستاذا حداثيا من عيار خاص، ومؤسّسا للقصيدة المغربية الحديثة، رفقة عشيريه أحمد المجاطي وعبد الكريم الطبال.

لكن الفتوحات الإبداعية للسرغيني، مُغرقة في الزمان وذاهبة في الذاكرة.

فقد نشر أولى إبداعاته وأبْكرها في مجلة (الأنيس) التطوانية بدءا من سنة 1949 باسم مستعار دال ولطيف، هو (محمد نسيم).

والسرغيني الحداثي، هو مُشترع شعرية الغموض في القصيدة المغربية. إنه الشاعر الوحيد ضمن شعرائنا الرواد، الذي اتخذ الغموض شِرعة له ومنهاجا، صادرا في ذلك عن رؤيا شعرية باطنية تنوب مَناب الرؤية البصرية للأشياء. صادرا في ذلك عن اختيار فكري استراتيجي بلا شك. وهو ما جعل شعره فكريا أكثر منه وجدانيا.

ويصعب تعيين عنوان بذاته من النتاج الشعري للسرغيني للدلالة على منهجه الشعري، فأعماله برمّتها قصيد مفتوح.

3 – عبد الكريم الطبال:

يستحقّ عبد الكريم الطبال صفة (ناسك الشعر المغربي) التي أطلقتُها عليه في مناسبة فارطة.

فهو منذور للشعر وحده لا شريك ولا نديد له. ناسك راهب في محراب الشعر متجرّد لخلواته وصلواته، لا يشغله عنه شاغل.

وللحقيقة والتاريخ أقول، إن الطبال تاريخيا، هو أول من مهّد لحركة التجديد الشعري في المغرب من خلال النصوص المبكّرة التي كان ينشرها أوائل الخمسينيات في بعض الصحف والمجلات الصادرة بمدينة تطوان، وفي مقدمتها مجلة (الأنيس)، بمعيّة الرائد والماهد الثاني، محمد السرغيني.

وعلى الرغم من السنوات الطوال والثقال التي سلخها عبد الكريم الطبال في ميدان الحياة وفي ميدان الشعر، ظل دوما مبدعا متجدّد الشباب والشبوب، وجذوة شعرية متقدة لا يخبو لها ضرام.

وأسجّل، هنا، أن العمل الشعري الجديد لعبد الكريم الطبال (في حضرة مولانا) الصادر في 2018 عن منشورات دار الحكمة بتطوان، يُعدّ من أجمل الدواوين الشعرية الصادرة حديثا. بما يؤكد أن الشعر لا يرتهن بالزمن الفيزيقي المحدود. أليس الشعر قتالا جميلا ضد الزمن؟

4 – محمد الخمار الكنوني:

شاعر أصيل ومتوحّد يتعامل مع القصيدة بقنُوت وخشوع ولا يُطلق سراحها إلا بعد مخاض. ولذلك كان مقلاّ مقتصدا كصنوه المجاطي. والاثنان متقاربان أيضا في حساسية الطبع ورهافته وجزالة العبارة الشعرية وكثافتها المجازية.

ويحيل اسم محمد الخمار الكنوني على الفور، إلى (رماد هسبيريس) عنوان ديوانه الفرد.

ويوضّح الشاعر في مستهل الديوان أن أغلب نصوصه كتب بين 1965 و1972، بما يجعل الشاعر ضمن الطليعة الأولى للحداثة الشعرية المغربية. وهو الديوان الذي ضم خلاصة التجربة الشعرية للشاعر خلال رحلة حياته القصيرة التي انطفأ مصباحها قبل الأوان، قبل أن تكتمل القصيدة ويستوي العزف.

وهسبيريس هي ذاكرة الخمار الشعرية واستعارته الوجدانية – الثقافية. هي أيقونته الشعرية الأثيرة.

وحدائق هسبيريس للعلم، ووفق المتخيل الأسطوري – التاريخي، كانت تقع في شمال المغرب على شاطئ المحيط الأطلسي في حوض اللوكوس، غمرتها مياه البحر في تسونامي قديم فأمست في خبر كان. ومن عظمة الخمار الشعرية، استحضاره حدائق هسبيريس التاريخية – الأسطورية مُتّكأ وخلفية استعارية لتجربته الشعرية.

معنى هذا أن الخمار، وهو ابن القصر الكبير المدينة المتاخمة لحدائق هسبيريس، كان «يُمغرب» تجربته الشعرية ذاكرة واستعارة، ويمتحها من محيطه، وهو غائص في هموم وشجون محيطه.

إن هسبيريس عند الخمار هي معادل تاريخي أسطوري للوطن الذي شكل بؤرة دلالية وتيماتيكية ساخنة لتجربته الشعرية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى