شوف تشوف

الرأيالرئيسيةمجتمع

الكلب الذي أصبح أسدا

يونس جنوحي

 

هل يُعقل فعلا أن يظهر أسد في منطقة خنيفرة؟ الأمر شبيه بظهور سمكة وسط رمال الگرگرات مثلا، خصوصا وأن آخر المعطيات التاريخية تفيد بأن الأسد المغربي اعتُبر مُنقرضا منذ عشرينيات القرن الماضي، وفُرص ظهوره شبه منعدمة، خصوصا وأن آخر مرة وُثق فيها ظهور الأسد المغربي كانت في نواحي منطقة الأطلس، وصوره طيار فرنسي كان يحلق في جولة استطلاعية بالقرب من منطقة ما بين ورزازات ومراكش.

الأخبار التي راجت أخيرا، بشأن الاعتداء الذي تعرضت له فتاة مغربية نواحي منطقة خنيفرة، وما إن كانت العضّة التي أرسلت الفتاة إلى المستعجلات، سببها أسد أم حيوان مفترس آخر، فتحت باب الروايات على مصراعيه. وهذه الأخبار من شأنها أن تبث الرعب فقط، أكثر مما قد تفتح باب البحث العلمي من جديد.

الأسد بالنسبة للمغاربة كان دائما مرتبطا بالأساطير وحكايات العقاب. وآخر ظهور له كان في مدينة فاس بداية القرن ما بين سنوات 1900 و1905، وأشارت له الصحف الأوروبية التي كانت وقتها تنقل أخبار المغرب كما لو أنها تنقل أفلام الخيال العلمي. ويُزعم أن الأسد وصل بحرا إلى الجديدة مُحملا على متن سفينة، ونُقل برا إلى فاس، هدية من دولة أجنبية إلى القصر الملكي هنا، ونُظم استقبال كبير وسط المدينة واحتشد الناس لرؤية الأسد.

ومن أطرف ما رُوي بهذا الخصوص أن سيدة مغربية شجاعة أبهرت المتفرجين، وكان من بينهم أجانب فرنسيون وبريطانيون، وقفزت من وسط صف الحشود، وتوجهت نحو قفص الأسد ونزعت خصلة من شعره لكي تستعملها في السحر حتى يبقى زوجها تحت تصرفها.

هذه الحكاية نقلها الصحافي البريطاني «لاورنس هاريس»، في مشاهداته عن المغرب، وهناك حكايات أخرى غيرها ترتبط بالأسود وكيف أن أقفاصها تستقبل المُجرمين عقابا لهم، حيث لا أحد ينجو بحياته عندما يُرمى في قفص الأسود.

أما من الناحية العلمية، فالأسد المغربي كان يُعتبر دائما من أفضل سلالات الليوث في العالم، وكان إلى حدود بداية القرن، منتشرا في منطقة الأطلس وصولا إلى الجزائر وتونس، وهناك باحثون فرنسيون أشاروا إلى وجود الأسد الإفريقي في المناطق المجاورة للجبال الممتدة، وصولا إلى صحراء ليبيا.

وهناك رحّالة طافوا العالم، وكتبوا مذكراتهم، ما بين 1880 و1900، تحدثوا عن مغامرات البحث عن الأسد الإفريقي في شمال إفريقيا، ولاحقوه لأشهر لكي يظفروا برؤيته، وحيدا في الغالب، متجولا بين الغابات الكثيفة. من يتحمل إذن مسؤولية اختفائه؟ هذا هو السؤال العلمي الذي يجب طرحه، ومراجعة الأرشيف الفرنسي المخصص للبحث العلمي، والذي سبق بسنوات العمليات العسكرية التي أدت إلى فرض الحماية على المغرب سنة 1912. فقد سبقت الحماية سنوات طويلة من البحث العلمي والجولات الاستكشافية التي بنى عليها الفرنسيون سياستهم الاستعمارية.

لا يُستبعد أن يكون الفرنسيون قد رحلوا الأسود المغربية، التي كانت تتجول في الأطلس، خصوصا وأن أوروبا كانت تعرف إقبالا كبيرا على السيرك. وإذا كان الأوروبيون قد هرّبوا صناع الفرجة المغاربة وأخذوهم قسرا إلى أوروبا وأمريكا، لأداء العروض الفنية في «السيرك» رغما عنهم، فلا يُستبعد أن يكون أصحاب هذه الصناعة الترفيهية قد رحّلوا أيضا الأسد المغربي لنفس الغرض.

ولا تزال بريطانيا إلى الآن تتعرض لانتقادات من بعض المستعمرات الإفريقية السابقة، بسبب إقدام البريطانيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على ترحيل قرى إفريقية بكاملها واستغلال أفرادها في عروض الفُرجة التي كان البريطانيون يدفعون بسخاء لحضورها. وهكذا فإن الأسد المغربي لقي المصير نفسه.

أما الشابة المسكينة التي تعرضت لاعتداء، وهي ترعى الغنم نواحي «خنيفرة»، فقد يكون حيوان آخر قد هاجمها. لكن الروايات كفيلة بأن تجعل كلبا مصابا بالسعار أسدا ضاريا انبعث من الرماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى