
يقدم الكاتب والصحفي المصري أيمن عبد العزير في كتابه “المغرب في عيون مصرية” تسجيلا لرحلته المغربية: “ما إن هبطت الطائرة وبدأت تسير باستقرار على الممر الطويل بالمطار حتى بدت من النافذة ملامح الأماكن مختلفة عما ألفته وودعته لحظة الإقلاع من مطار القاهرة من زحام ومباني إسمنتية كالحة بلا ملامح تبدو من الطائرة كمكعبات إسمنتية قبيحة تتجاور في نفور وعشوائية مستفزة، وأول ما تلاحظه العين على الأرض حتى من داخل الطائرة هو الاتساع الشديد والإحساس بالامتداد المكاني حيث إن المطار في مكان فسيح جدا وبعيد تماما عن المناطق السكنية. وصلنا إلى مكتب الاستعلامات وطلبنا بعض المعلومات عن فنادق ذات أسعار معقولة وقريبة من وسط البلد، وأنسب المواصلات إلى هناك وإلى بعض المدن المغربية الأخرى وكان أنسب الاختيارات بالنسبة لي أنا وصديقي هو القطار، توجهنا لشباك التذاكر وفي ثوان حصلنا عليها وكان لافتا أن الحجز يتم آليا من خلال الكمبيوتر فقط دون الكتابة بأية أقلام كما يحدث عندنا، حيث أن موظفي حجز التذاكر في مصر يقومون بكتابة بعض البيانات على التذاكر المطبوعة آليا وغالبا ما يكون ذلك بخط غير مقروء، وبعد ذلك رحنا نجذب حقائبنا بهدوء بينما ننظر بشغف للمسافرين من حولنا وخاصة النساء بملامحهن وأزيائهن المغربية المميزة خلال جلوسنا في انتظارنا القطار الذى كان موعد وصوله بعد حوالي نصف ساعة.
رحلة في القطار.. صور وملامح
استغرقنا النظر لما حولنا من مشاهد مختلفة وخاصة النساء، وما كنت قد قرأته سريعا عن اختلاف وتميز المرأة المغربية عن غيرها من النساء العرب، كما رحت أتفحص محطة القطار وأنظر للرصيف ولاحظت أنه منخفض عما اعتدناه في بلدنا، وعرفت من شبكة الكهرباء بأعلى المحطة أنه من النوع الكهربائي ولا يسير بالديزل. وقطع انهماكنا الصامت في التفرس في الوجوه والأشياء من حولنا صوت وصول القطار، وبدأ الجميع يتأهب للركوب، وما إن استقر القطار على الرصيف وكنا بقرب مقدمة القطار عندما دخل إلى المحطة، وما إن اقتربنا من كابينة القيادة حتى لمحت بداخلها شعرا أصفر طويلا ومعقودا على شكل ذيل الحصان اعتقدت أنه ربما يكون رجلا قد ترك شعره يسترسل على كتفيه أو ربما سيدة بجوار سائق القطار لأي سبب كان، إلا أن صاحبة الشعر الأصفر الداكن لم تكن إلا قائدة ذلك القطار وهو ما كان مفاجئا تماما بالنسبة لي وتأكدت حينها أن المرأة المغربية لا بد وأن لها في هذا البلد مكانة مميزة مكنتها من غرفة القيادة بالقطار كأول امرأة عربية في ذلك المجال منذ عام 1999، تلك المهمة التي تتطلب من الرجال في مصر أعواما طويلة من الخبرة والتدريب في العمل كمساعد لقائد القطار… ركبنا القطار وتحرك بنا إلى محطة الدار البيضاء مر خلالها على العديد من المناطق السكنية التي تشبه مناطق في بلدنا، ومر كذلك أيضا على مناطق عشوائية قرأت عنها، تسمى في المغرب مناطق الصفيح، وهي مناطق يسكنها بعض الفقراء والمهمشين، وكان ملحوظا جدا اتساع الأماكن وعدم اكتظاظها بالناس كما عندنا، وكذلك كان ملحوظا انتشار الأعلام فوق العديد من الأبنية وهو مشهد كان جديرا بالملاحظة نظرا لعدم انتشار الأعلام فوق المباني عندنا بنفس الكثافة. وفي تلك الأثناء مر موظف التذاكر، وطلب التذاكر وأعطيناها له وكانت في يده آلة صغيرة أحدث بها ثقبا في التذاكر كدليل على فحصها، وكان ذلك أيضا يحدث عندنا في مصر في قديم الزمان قبل أن يتغير ذلك.
الوصول إلى مدينة الدار البيضاء
وصل بنا القطار إلى محطة الدار البيضاء المسافرين، وعلمنا باقترابنا من الوصول إليها من خلال الإذاعة الداخلية بالقطار حيث يتم التنبيه على الركاب قبيل دقائق من وصول القطار إلى المحطة التالية بصوت نسائي قوي وواضح ونقي باللغة العربية أولا ثم بالفرنسية وتذكرت خفوت وعدم وضوح صوت الإذاعة الداخلية عندنا ليس في محطة القطارات المركزية في ميدان رمسيس بالقاهرة وإنما حتى بمطار القاهرة نفسه أحيانا. يوجد بالدار البيضاء محطتان للقطار قريبتان من وسط المدينة ولا تبعدان عن بعضهما كثيرا أولاهما تسمى الدار البيضاء المسافرين والأخرى الدار البيضاء الميناء، وكان علينا أن ننزل في الأولى. نزلت من القطار أنا وصديقي وجلسنا قليلا على المحطة نتأمل الأشياء وندخن سيجارتين ونتأهب للخطوة القادمة وخلال ذلك كنا نستمع إلى الإذاعة الداخلية وهي تعطي المعلومات للمسافرين في كل الاتجاهات ونشاهد الطراز المعماري المميز والأنيق للمحطة نفسها بأرصفتها التي لا تعلو عن الأرض إلا بنحو 20-30 سنتيمترا فقط وعندما يتوقف القطار في الرصيف وبمجرد أن تجذب مقبض الباب لتفتحه ينزل من القطار في نفس اللحظة سلم حديدي ويستقر أعلى الرصيف بسنتيمترات قليلة ليتمكن الركاب من الصعود أو النزول من القطار، كما توجد على أرصفة القطار في مختلف الاتجاهات لافتات إليكترونية تبين مواعيد القطارات القادمة على كل رصيف، وجميع محطات القطارات في المغرب لها تقريبا نفس النموذج المعماري الموحد والمميز، وبينما يجلس المسافرون على المقاعد الحديثة في انتظار القطار تهب عليهم نسمات منعشة محملة بروائح أشجار البرتقال التي تحيط بالمحطات وتزين أرصفتها في الشتاء والخريف.





