الرئيسيةثقافة وفن

المقهى ملتقى الأدباء والفلاسفة.. فيها خاضوا معاركهم الأدبية والفنية وكتبوا بياناتهم ونصوصهم

حوار مع الروائي والمترجم التونسي حسونة المصباحي

ضيف الملحق الثقافي، في موضوع المقاهي الثقافية، هو الروائي حسونة المصباحي، وهو من مواليد قرية الذهيبات في ريف القيروان عام 1950م. درس الآداب الفرنسية في جامعة تونس. بعد أن أمضى أكثر من عشرين سنة في مدينة ميونيخ الألمانية، عاد إلى بلده تونس، حيث يقيم ويعمل الآن في مدينة الحمامات.

مقالات ذات صلة

صدرت له عدة مجموعات قصصية نذكر منها: «حكاية جنون ابنة عمي هنية» تونس 1986، (جائزة القصة- وزارة الثقافة التونسية)، «ليلة الغرباء» تونس 1997، «السلحفاة» دار جلجامش باريس 1997، طبعة ثانية عن الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 2000.

 ومن رواياته نذكر: هلوسات ترشيش، الآخرون، وداعاً روزالي، نوارة الدفلى، حكاية تونسية، لا نسبح في النهر مرتين، كما صدر له في 2022 كتاب الرحلة المغربة.

حاوره: محمود عبد الغني

 

– هل من تعريف أدبي للمقهى؟

+ أعتقد أنا المقهى عوّض ما كان يُسمى في عهد الإغريق والرومان بـ: «الفوروم- Forum»، وهو فضاء كان يلتقي فيه الأدباء والشعراء والفلاسفة للتحاور في القضايا التي تخصّهم. وهذا ما يعكسه كتاب «المائدة» لأفلاطون، وأيضا محاوراته الشهيرة التي اقتبسها من تلك اللقاءات. وكانت الأسواق بالنسبة للعرب شبيهة بـ «الفوروم» عند الإغريق والرومان، فيها يلتقي الشعراء لإلقاء قصائدهم والتباهي بقبائلهم وبمفاخرهم. وعلينا أن ننتظر عصر النهضة وقرن الأنوار (القرن الثامن عشر) لكي يصبح المقهى فضاء وفلسفيا وفنيا. فقد كان البريطاني صامؤيل جونسون، الذي كان صديقا لشكسبير، من عشاق المقاهي في لندن التي أصبحت آنذاك فضاء اجتماعيا وثقافيا ضروريا لأهالي المدن الكبيرة. وفي الفترة نفسها، أي القرن السادس عشر، فتح أول مقهى في القسطنطينية (اسطنبول) من قبل ثري يدعى حكيم شمس. وفي ذلك المقهى كان رجال الدين يُطلقون مواعظهم وفتاويهم، وفيه يلتقي أيضا الرواة الشعبيون لرواية قصصهم العجيبة الشبيهة بحكايات «ألف ليلة وليلة». كما كان الشعراء يلقون فيه قصائدهم. وأول مقاه بالمعنى الحديث للكلمة ظهرت في فرنسا في القرن السابع عشر، خصوصا في مرسيليا وباريس، وكان أصحابها من التجار الأرمن. لكن المقهى الأدبي والفني الحقيقي كان «البروكوب- Procope» الذي افتتحه في باريس الإيطالي Procopio Dei Coltelli وفيه كان يلتقي الأدباء ورجال المسرح والفنانون والروائيون. وفي القرن الثامن عشر، تكاثر عدد المقاهي في باريس لتلعب أدورا مهمة في الحركات الأدبية والفكرية والفلسفية. وهذا ما يعكسه كتاب دينيس ديدرو: «حفيد رامو»، الذي هو عبارة عن حوار مطول في مقهى للعب الشطرنج بين الفيلسوف ورجل غريب الأطوار ينحدر من عائلة أرستقراطية، إلاّ أنه فضّل أن يعيش حياة التهتك والبوهيمية، ساخرا من القيم ومن الأخلاق ومن الأفكار الرائجة في عصره. وازدادت المقاهي كثرة في القرن التاسع عشر ليصبح عدد كبير منها مرتبطا بأدباء وشعراء ومفكرين كانوا من روادها، مثل فرلين وبودلير وفيكتور هوغو وغيرهم. ولا تزال مقاهي فيينا، التي احتضنت رموزا كبيرة في الفلسفة والفكر الاجتماعي والتاريخي، وفي الموسيقى والأدب والشعر، حاضرة في الذاكرة الإنسانية. وهذا ما يعكسه كتاب ستيفان زفايغ: «عالم الأمس»، وأيضا ثلاثية إلياس كانيتي عن سيرته الذاتية. وارتبطت بعض مقاهي باريس بمشاهير الأدباء والشعراء والمفكرين. ففي مقهى

Deux Magots كتب جان بول سارتر الكثير من مؤلفاته، وكانت مقاهي «السان جارمان دو بريهّ، ومونبارناس»، ملتقى للسورياليين، فيها خاضوا معاركهم الأدبية والفنية، وكتبوا بياناتهم ونصوصهم.

وفي العالم العربي أصبحت المقاهي، انطلاقا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع انتشار أفكار وأطروحات حركة النهضة، فضاء مهما بالنسبة للحركات الثقافية والفكرية والفنية. وهذا ما تؤكده مقاه في القاهرة مثل «غروبي» و«مقهى ريش»، وفي بيروت ودمشق، وبغداد وتونس التي اشتهر فيها مقهى «تحت السور» الذي احتضن تجارب رواد الحداثة الأدبية والفنية، من أمثال علي الدوعاجي، صاحب «جولة في حانات البحر الأبيض المتوسط»، ومحمد العريبي ومصطفى خريف وغيرهم.

 

– هل يجلس حسونة المصباحي في المقهى، وفي أيّ وقت؟

+ أنا ريفي… لم أكتشف المقهى إلاّ عندما ذهبت إلى العاصمة وأنا في الخامسة عشرة من عمري. وما كان يروق لي كثيرا في تلك الفترة هو التجول في الأحياء التي كانت فيها مقاه يرتادها شعراء وفنانون وكتاب كنت أسمع عنهم وأقرأ لهم. ففي «باب البحر»، أو «شارع بورقيبة»، كان مقهى «باريس» يستقبل الشاعر مصطفى خريف. وعند المرور أمامه، سواء في الضحى أو في آخر المساء، كنت أراه في جبته البيضاء، ماسكا بأصابعه النحيلة غليونه، ومتحدثا إلى المحيطين به، وجميعهم يستمعُون إليه بانتباه شديد حتى لكأنهم يشربون كلّ كلمة ينطق بها. وفي “مقهى المغرب” كان يجلس أخوه الروائي الكبير البشير خريف، وأيضا الناقد أبو زيان السعدي، والكاتب والمؤرخ العروسي المطوي والشاعر الحبيب الزناد والكاتب محمد صالح الجابري وآخرون.

وفي مقهى «باريس» كان يجلس، أيضا، رسّامون مشهورون، مثل زبير التركي، وعمار فرحات، وحاتم المكي وغيرهم.

وكان يتردد على مقاهي حي «لافايات»، حيث مبنى الإذاعة الوطنية، فنانون موسيقيون كبار، بينهم علي الرياحي وعلية، ونعمة والهادي الجويني… وفي هذا الحي نفسه كانت توجد حانة «الكانيغو» التي كانت الفضاء المحبب للشعراء والفنانين المهمشين والحداثيين الرافضين للثقافة الرسمية. ومن أجواء تلك الحانة، استوحيْتُ قصتي: «حانة الكانيغو…الأحد صباحا».

وكان عليّ أن أنتظر دخولي إلى الجامعة، في أواخر الستينات من القرن الماضي، لكي تصبح مقاهي «باب البحر» مثل مقهى باريس، ومقهى «الكون» ومقهى «الزنوج» من الفضاءات المحببة لنفسي، فيها كان يلتقي يساريون وفنانون وشعراء ورسامون وكتاب رافضون للثقافة الرسمية، وفيها تناقش قضايا مهمة أدبية وفنية، وفكرية وسياسية، وغيرها. وأجمل الأوقات التي كنت أرتاد فيها مثل هذه المقاهي تكون في المساء…

 

– هل يقرأ الأديب حسونة المصباحي في المقهى؟

+ لا أقرأ في المقهى سوى الصحف، أما الكتب فلا أقرأها إلاّ في البيت. ويمكنني أن أتصفح في المقهى كتابا اشتريته قبل حين، لكني سرعان ما أتركه لأراقب الحركة في المقهى أو في الشارع، مُتمعّنا في الوجوه، وفي كل ما يحيط بي. وفي كثير من الأحيان، ولدت في ذهني فكرة لقصة، أو لرواية أو لمقالة في مقهى في ميونيخ حيث أقمت أزيد من عشرين عاما أو في تونس، أو في باريس أو في طنجة التي كنت أتردد عليها باستمرار في فصل الصيف لأكون رفيقا دائما لصديقي الراحل محمد شكري الذي كان المقهى بالنسبة له فضاء محببا سواء في النهار أم في الليل. ولم ألاحظ أبدا أن محمد شكري كان يكتب أو يقرأ في المقاهي، بل كان يختزنُ في ذهنه ما كان يسمع، وما كان يرى ليحضر ذلك في ما بعد في قصة أو في رواية.

 

– والكتابة في المقهى؟

+ قد أكتب في المقهى خواطر أو ملاحظات مختصرة للغاية، لكني لا أكتب إلاّ في البيت… وفي السفر أيضا أقرأ لكني لا أكتب أبدا. والوقت المحبب للكتابة بالنسبة لي هو من الصباح الباكر إلى منتصف النهار… أما الظهيرة فلنوْمة القيلولة التي نسميها «التّعسيلة» في تونس، وبعدها أخصص وقتي للقراءة أو لمراجعة ما كتبت في الصباح.

– ما عملك الأدبي الذي أنجزته كاملا في المقهى؟

+ لم أنجز أي عمل أدبي في المقهى… وقد يساعدني المقهى على تخزين بعض الأفكار لكني، وكما سبق أن ذكرت، لا أكتب فيه أشياء مهمة أبدا…

 

– ما طبيعة المقاهي التي يفضلها الكاتب؟

– في تونس، وفي ميونيخ وفي جلّ المدن التي زرتها أو فيها أقمت، أحب أن أرتاد المقاهي التي لها تاريخ، والتي يرتادها أحباء الفن والموسيقى، والأدب والشعر وغير ذلك. وأحب، أيضا، أن أرتاد المقاهي التي ترتادها النساء، أما المقاهي التي تستقبل الرجال فقط فأهرب منها حينا… كما أنفر من المقاهي التي يكثر فيها الصخب والضجيج مثل جل المقاهي التونسية والعربية.

 

– ما الذي يجب أن يكون متوفرا في المقهى لكي يكون صالحا للكتابة؟

+ لقد سبق لي أن أجبت عن هذا السؤال، لكني أضيف أن المقهى المثالي بالنسبة لي هو ذاك الذي يوقظ فيّ مشاعر وأحاسيس ويُولّد فيّ أفكارا جديدة وغير مسبوقة وأنا أشرب كأسي أمام وجه أنثوي جميل، أو أنا أتأمل الشارع حيث حركة الحياة في أوج نشاطها وحيويتها، أو أنا أحلم بشيء جميل لم يتحقق لي حتى تلك اللحظة…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى