شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف الأسبوع

الوجه الآخر للنقابة نساء في محيط زعماء نقابيين

حسن البصري :

قيل «وراء كل عظيم امرأة»، وترددت هذه المقولة في قصص نجاح الرجال، لكن نادرا ما يسند نجاح المرأة للرجل، بل إن البعض يرفض كلمة «وراء» ويصر على استبدالها بكلمة «إلى جانب» كي لا ينحصر دورها على دعم «العظيم».

لا أحد ينكر دور المرأة، التي قد تكون أما أو زوجة أو أختا أو زميلة، في الدعم والسند وتدليل الصعوبات في مشوار الألف ميل، ويكفي أن القرآن الكريم قد قدس المرأة بسورة تحمل اسمها.

لا أحد ينكر الدور الريادي للمرأة في حياة صناع القرارات، لكن لا أحد ينكر أيضا ضعف حضور المرأة في العمل النقابي خاصة في هياكل الهيئات النقابية، بل والظهور المحتشم لها في الوسط العمالي كقيادية، والذي قد يرجع جزء منه لغياب وعي المرأة بأهمية المشاركة في الحركة النقابية.

اليوم تغيرت الأمور وأصبحت المرأة حاضرة بقوة في الهيئات النقابية ليس من أجل تطعيم النقابة بالعناصر النسوية، بل لتصل إلى كرسي القيادة خاصة حين يتعلق الأمر بتنظيمات نقابية مهنية فرعية، لكن حضور المرأة في غرفة قيادة النقابات العمالية خاصة داخل المركزيات، لا يتأتى لعيون النقابيات بل لقدرتهن على مواجهة تحديات الترشيح والاستقطاب والفوز ومواجهة الهيمنة الذكورية، مع وجود رجل متفهم لهذا التحول، في ظل ما يتطلبه العمل النقابي من تجنيد وتفرغ يكون في غالب الأحيان على حساب العائلة والمجتمع الذي ما زالت نظرته للمرأة «النقابية» فيها نوع من القلق والحذر من سيدة «مسترجلة» تضع التزاماتها العائلية في الدرجة الثانية بعد الالتزامات النقابية، ما جعل عدم الاعتراف بدور المرأة في العمل النقابي حائلا دون الحماس للعمل في المواقع القيادية.

في هذا الملف، تسلط «الأخبار» الضوء على زوجات القياديين النقابيين اللواتي ساهمن في صناعة القرار النقابي، وعلى نساء اقترنت أسماؤهن بعبارة «المرأة الحديدية».

 

فاطمة.. مدرسة العلوم الطبيعية التي خرج الأموي من مختبرها

ولد نوبير الأموي في 21 نونبر سنة 1936 بقبيلة أولاد مراح في عمق قبائل الشاوية، وكان والده حمان فلاحا بسيطا في المنطقة.

ولأن نوبير عاش في كنف والديه عيشة محافظة فقد كان من الصعب على الوالد لشهب بن حمان الزيراوي تقبل انتقال ابنه من البادية إلى المدينة التي ارتبطت في ذهن الأب بالتربية المتطرفة، لكنه لم يكن يعلم أن انتقاله إلى الرباط، حيث دخل مدرسة المعلمين، سيغير مجرى حياته رأسا على عقب.

تخرج نوبير معلما مع بداية عهد الاستقلال، وكان من الرعيل الأول لهيئة التدريس المغاربة، لذا لم يكن تعيينه يتجاوز محيط العاصمة الإدارية للمملكة، وخلال اشتغاله في العاصمة الرباط تعرف على شريكة حياته فاطمة بنعلي الشاوي التي لم تقاسمه مهنة التعليم فقط بل حتى الأصول القبيلة لامتدادات في عمق الشاوية، ولم يمض على تعارفهما سوى بضعة أشهر حتى قررا الدخول طوعا القفص الذهبي في عطلة صيف سنة 1961، لتصبح في ما بعد مدرسة علوم طبيعية، وبعد سنوات قليلة دخل الأموي مدرسة المفتشين في الرباط.

ساهمت فاطمة في بناء شخصية نوبير الأموي، وتقاسمت معه الحلو والمر، خاصة خلال سنوات النضال الأولى، حين كان مطاردا من طرف البوليس السياسي، مما اضطرها إلى التعرف على طقوس «زيارة السجين» ورحلة الشتاء والصيف وهي تحمل القفة إلى مخافر الشرطة، كما خاضت معه معارك «مسطرية» كبرى ضد ضباط الحالة المدنية، حين أصر نوبير على استبدال اسمه العائلي «مية» بالأموي، كما خاضت فاطمة معارك مماثلة مع وزارة الداخلية كلما رزقت بمولود بعد إصرار نوبير على إطلاق اسم غيفارا على أحد أبنائه، إلا أنها حرصت على الاهتمام بتربية أبنائها معاوية والمهدي ومحمد ثم سناء، وجعلهم في مأمن من عاديات الزمن.

تقاسم نوبير مع فاطمة الداء والدواء، فقد ترددا سويا على المصحات بعدما نال منهما المرض، إذ ظل الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل يعاني من أزمات صحية حتمت عليه في كثير من الأحيان الانتقال إلى أحد المستشفيات بباريس لتلقي العلاج، كلما ازدادت مضاعفات مرض الربو الممزوج بالضغط الدموي.

قدر فاطمة أن تلقى ربها في إحدى غرف العناية المركزة بمصحة خاصة في الدار البيضاء، وشيع جثمانها في محفل جنائزي رهيب بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، استعصت الكلمات على نوبير وهو يحاول تأبينها إلى جانب فعاليات سياسية ونقابية، واكتفى أثناء عملية الدفن، بالقول «إن المغرب فقد أحد الوجوه السياسية المناضلة التي تسعى إلى تكريس الديمقراطية بالمغرب». وهو ما يكشف حقيقة امرأة اختارت النضال خلف الستائر النقابية، وراكمت تجربة كبيرة في حياتها وهي تحاول التوفيق بين النضال السياسي والنضال التربوي في الفصل الدراسي وفي البيت.

 

محجوبة.. المرأة التي رافقت أفيلال من منصات الخطابة إلى الكرسي المتحرك

جمعت محجوبة الزوبيري، زوجة النقابي عبد الرزاق أفيلال، المجد من أطرافه، قبل أن تتحول في نهاية المطاف إلى ممرضة تعالج الجروح النفسية لزوج نزل مكرها من كرسي النقابة ليعتلي كرسيا متحركا، بعد أن ساقته الأمراض وثقل السنوات مرغما إلى التقاعد السياسي والنقابي.

خلافا لزوجات النقابيين، لم تكن محجوبة مجرد زوجة لرئيس مركزية نقابية وحرم رئيس مجلس جماعة عين السبع لفترة طويلة، ورئيس للاتحاد البيضاوي، بل كانت تعيش المسؤولية السياسية والنقابية بكل تفاصيلها، بعد أن دخلت غمار التجربة الانتخابية رفقة زوجها وأبنائها لتصبح السياسة والنقابة والكرة جزءا لا يتحزأ من انشغالات «الحاجة».

اختفى عبد الرزاق أفيلال، من المشهد النقابي، وعاد إلى بيته مكسور الوجدان، بعد سحب البساط من تحت قدميه من طرف حميد شباط الذي سيعلن المصالحة مع غريمه أفيلال، بعد أن شاخ هذا الأخير وأوهنته المشاكل الصحية والمحاكمات.

في كثير من المرات شوهد حميد شباط، وهو ينوب عن محجوبة في دفع الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه أفيلال في ردهات محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، كإشارة تضامنية مع عبد الرزاق.

دخلت محجوبة بكل ثقلها الانتخابات الجماعية لسنة 1992، واكتسحت المنطقة، حينها ردد أتباع محجوبة موشحا يقول «أفيلال هو عين السبع ومحجوبة مرات السبع». بينما استنجدت «الحاجة» بالجغرافيا لتبرير دخولها مجال الانتخابات، والتاريخ لمنح الشرعية لوجودها السياسي، وقالت لخصومها إنها «مناضلة في صفوف الاتحاد العام للشغالين منذ سنة 1967، وتملك عضوية المجلس الوطني لحزب الاستقلال منذ سنة 1974». وحين أصبحت برلمانية رفقة زوجها ظلت ترفض اللجوء للحصانة في معاركها القضائية.

ظلت محجوبة تشكل الدرع المعارض داخل أسرة أفيلال، وكانت تحذره من مؤامرات خصومه النقابيين، ومن غارات السلطة، خاصة بعدما عاشت معه تفاصيل حادثة السير التي تعرض لها، بعد مغادرته مقر النقابة بطريق مديونة، قبل أيام قليلة عن خوض الإضراب العام لسنة 1994. وهي الحادثة التي تزامنت مع الاستعدادات لإحياء فاتح ماي، وإعلان الاتحاد العام للشغالين بالمغرب عن خوض إضراب عام، إلى جانب الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

رفضت محجوبة نقل زوجها إلى المستشفى على متن سيارة إسعاف، وأصرت على وجود مؤامرة، لكن رغم الكسور، دعت زوجها إلى ترؤس المهرجان الخطابي المقام بمناسبة فاتح ماي 1994 بساحة وادي المخازن بالدار البيضاء، إلى جانب محمد بوستة ومحمد اليازغي ومحمد بن سعيد آيت إيدر وعبد الرحمان بن عمرو ونوبير الأموي.

تزوجت محجوبة بعبد الرزاق قبل أن يصعد منصات الخطابة، وعاشت معه محن التنقيلات التعسفية حين كان رجل تعليم ومديرا لأكثر من مؤسسة تعليمية، قبل أن يستفيد من التفرغ النقابي.

 

دانيال الكنفاوي.. صحافية ظلت وفية للنقابي الدبلوماسي

لم يكن أحد من زملاء عبد الصمد الكنفاوي يعتقد أن الرجل، الذي شغل مناصب دبلوماسية هامة، سيعتزل المناصب العليا وينخرط في الفن المسرحي والنقابي. وحدها زوجته جيني دانيال هي التي تفهمت الوضع ورافقته في أصعب المعرجات التي مر بها، سيما في صراعه مع الدولة التي اعتبرته عنصرا يفكر بصوت مرتفع.

ولد عبد الصمد في مدينة العرائش سنة 1928، وهي المدينة التي حجز لها مكانا في قلبه، حتى حين انتقل إلى الرباط لاستكمال تعليمه بثانوية مولاي يوسف، ظل يعيش بين الرباط والعرائش إلى أن حاز على شهادة الإجازة في القانون سنة 1951.

لكن بعد حصول المغرب على الاستقلال، شرعت أول حكومة في رصد الكفاءات المغربية، فكان نصيب عبد الصمد منصبا دبلوماسيا رفيعا، إذ عين قنصلا في قنصلية المغرب ببوردو، وهناك التقى بشابة سويسرية الجنسية تدعى جيني دانيال، سترافقه على امتداد مساره المهني وستظل وفية لروحه بعد وفاته بعقود. التحقت به في بوردو وبعد سنتين عين ملحقا ثقافيا في سفارة المغرب بالعاصمة الفرنسية، فكانت رفيقته في حله وترحاله بين بوردو وباريس وستراسبورغ ثم موسكو، إضافة إلى مرور عابر ببوينيس أيريس.

في سنة 1961، شارك عبد الصمد في إضراب تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، احتجاجا على طرد مجموعة من الدبلوماسيين، ولأن الإضراب حسب «الدولة» ليس من «شيم القناصلة»، لذا غضبت الخارجية من الكنفاوي وغضب هو أيضا منها ليتم تسريحه، ويعود سعيدا إلى الخشبة.

عاد الكنفاوي إلى المناصب الحكومية بعد أن هدأت غضبة «المخزن»، وتقلد منصبا قياديا في مكتب التسويق والتصدير، وكاتبا عاما في فترة ثانية بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دون أن يدير ظهره للمسرح والنقابة، حيث ظل يقضي لياليه في كتابة أعمال خالدة، منها ما تعرض للمصادرة مما زاد من غضبه خاصة مسرحية «بوكتف».

كان الرجل بوهيميا يسهر الليالي وهو يحاور ملكة إلهامه، وهو ما دفع الملك الحسن الثاني إلى أن يقول لأرسلان الجديدي، حين كان هذا الأخير وزيرا للشغل، «لو لم يكن عبد الصمد بوهيميا لعينته بدلا عنك».

في سنة 1975 انتقل عبد الصمد إلى دار البقاء وهو في قمة العطاء، ومنذ رحيله، ظلت زوجته دانيال وفية لذكراه، بل ساهمت في تأسيس جمعية تحمل اسم الكنفاوي.

 

فاطمة.. بنت الاتحادي التي تزوجت الاستقلالي شباط

لم يكن مقر حزب الاستقلال بفاس هو الفضاء الوحيد الذي تعرف فيه حميد على فاطمة، بل إن ما يجمعهما أكثر هو آصرة العمومة، لذا كانت التجمعات الحزبية والنقابية مجرد استكمال لتعارف نشأ في أحضان العائلة قبل أن تصبح له امتدادات سياسية.

كان حميد يبلغ من العمر 25 سنة، فيما كانت فاطمة تصغره بحوالي سبع سنوات، حين عبر النقابي الواعد عن رغبته في الارتباط بفتاة تشق طريقها في النضال، ونقل هذه الرغبة إلى العائلة التي فرقتها التيارات السياسية، فنال الموافقة المبدئية مما مكنه من تحويل المهرجانات السياسية إلى اختبار تجريبي.

لم يكن حميد يملك جاها أو شهرة أو علما، لكن ما جذب فاطمة نحوه هو فائض الطموح الذي يسكنه، فالتقني في الخراطة الذي يملك حسا نقابيا متطورا، لا يتردد لحظة في الإعراب عن حلمه الكبير، بأن يصبح زعيم حزب ونقابة وأشياء أخرى، بعد أن وضع «ليش فاليسا»، الرئيس البولندي الأسبق، عنوانا لهذا الطموح الجارف.

تزوج حميد فتاة قاصر وفي أول سنة زواج رزقا بابنهما الأكبر نوفل شباط، بعد أن اتفقا سويا على تعجيل الإنجاب وتأخير النضال. لم تتردد في حضور كثير من المحطات الحزبية والنقابية بمدينة فاس والرباط والدار البيضاء.

أصر حميد على أن تظل فاطمة حاضرة في المشهد السياسي والنقابي والجمعوي، وألا تتوارى عن الأنظار للضرورة الأسرية، لذا ظلت تشغل مديرة حملاته الانتخابية منذ انتخاب زوجها أمينا عاما لحزب «الميزان».

شكلت فاطمة الذراع الانتخابي الضارب لشباط، حين انتبهت لأهمية وخطورة التحصن بالقواعد الجمعوية والنقابية ودورها في تحقيق مكاسب سياسية، وهو ما حصل حين أسس شباط «جمعية أوربة لمحاربة الفقر والهشاشة».

ظلت فاطمة تلعب دور زعيمة الذراع النسائي لشباط، وحولت حي بنسودة الشعبي إلى قلعة لشباط، كما مددت اختصاصاتها خارج هذه المنطقة حين كانت نائبة لرئيس مقاطعة زواغة.

من المفارقات الغريبة في حياة الزوجين أن والد حميد ووالد فاطمة، يرتبطان بعلاقة عمومة، كان اسم شباط هو الاسم العائلي المشترك للعائلة، لكن في سنة 1959، حصل انفصال في حزب الاستقلال، فانتقل والد فاطمة إلى صف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بينما ظل والد شباط وفيا للميزان، وهو المنعرج الذي أرخى بظلاله على العلاقة العائلية بين الطرفين، وحين اشتد الانفصال وأصبح أمرا مكتوبا اضطر والد زوجة شباط إلى استبدال اللقب العائلي إلى طارق، نزولا عند رغبة أبناء الحزب في فاس.

 

لطيفة.. رفيقة درب النقابي عمر بن جلون تدفن بجانبه

شاءت الأقدار أن تلتحق لطيفة التازي، أرملة النقابي عمر بن جلون، في الشهر نفسه الذي تمت فيه تصفية المناضل الاتحادي. وشاءت الصدف أن يدفن جثمانها في قبر إلى جانب زوجها الراحل، وهو القبر الذي كانت تمني النفس بالإقامة فيه كلما زارت مقبرة «الشهداء» بالدار البيضاء.

عاشت لطيفة أشكال المحن، في سنوات الرصاص، لكنها قبلت تسديد ضريبة الارتباط بزوج معارض للنظام، ملاحق يوميا من طرف المخبرين السريين والعلنيين، ما كبدها أمراضا مزمنة بضغط الدم وانتهاء بداء السكري.

نجت لطيفة مرات من الاغتيال السياسي، خاصة في ليلة عيد الأضحى من شهر يناير 1973، في قضية الطرد البريدي موجها في اسم عمر بن جلون الذي كان جالسا داخل البيت.

شاركت لطيفة في صناعة العديد من القرارات، فقد كانت أول مستشارة للراحل خاصة على مستوى نقابة البريد التي كان يقودها في إطار الاتحاد المغربي للشغل، بل إنها ناقشت بفكرها النقدي فقرات بيان 30 يوليوز 1972 الذي حدد معالم الإصلاح السياسي والدستوري، ودعا إلى عقد مؤتمر استثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

عانت زوجة عمر من محنة الاعتقالات، وظلت تتردد على مخافر الشرطة لنيل أقوالها وتحرير محاضر متابعة، كما كانت تقطع المسافة الرابطة بين الدار البيضاء والقنيطرة بشكل مستمر.

زاد الاحتقان بين عمر والبصري واليازغي، وهو ما ظهر جليا أثناء انعقاد المؤتمر الاستثنائي حين عمل هذا الأخير جاهدا على أن لا تقدم للمؤتمر الوثيقة الإيديولوجية التي كان قد هيأها الشهيد عمر بن جلون وساهمت فيها زوجته لطيفة بنصيب وافر، وهي الوثيقة التي كانت تشكل محور اللقاءات التكوينية التي كان يديرها بن جلون بداية 1972. واستفاض المفكر المغربي محمد عابد الجابري في ما نشره بعد ذلك في إطار توضيح ما كان يدبر من «مؤامرات ضد عمر بن جلون وضد الحركة الاتحادية قصد تدجينها وتطويعها لما يخدم مصلحة نظام الحسن الثاني».

ظلت لطيفة منذ اغتيال زوجها في دجنبر سنة 1975، تطارد خيوط التصفية الجسدية، وتطالب بالكشف عن مدبري لا منفذي جريمة القتل التي تعرض لها على مقربة من مقر سكناه على يد أشخاص ملتحين.

 

خديجة وعبد الرزاق.. قصة حب بين نقابي وحقوقية

ولدت خديجة الرياضي سنة 1960 في عمق تارودانت وتحديدا بمنطقة إغرم، وسط أسرة عاشت فصول المقاومة ضد المستعمر الفرنسي، إذ مع مطلع فجر الاستقلال رحل الأب إلى فرنسا حيث التحق بجيوش بناة فرنسا وعمال مناجمها، وحين أنهكته الغربة قرر نقل أفراد أسرته الصغيرة إلى الرباط، حيث استقروا في حي يعقوب المنصور الشعبي، وكانت خديجة حينها حديثة الولادة لتبدأ حياة أسرة رودانية مكونة من الأب والأم وشقيقين وثلاث أخوات..

فتحت الفتاة الرودانية عينيها على «القامرة»، وأبانت عن تفوق دراسي ملحوظ، سواء في دراستها الابتدائية بمدرسة «الفتح» أو الثانوية في ثانوية «عمر الخيام» حيث حصلت على شهادة الباكلوريا (شعبة العلوم التجريبية) سنة 1978، لتجتاز مباراة ولوج المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، الذي قضت فيه أربع سنوات وتخرجت منه مهندسة إعلاميات واشتغلت في مديرية الضرائب بوزارة المالية سنة 1983.

في أحد حواراته الصحفية، أوضح النقابي عبد الرزاق الإدريسي، زوج الحقوقية خديجة الرياضي، أن النضال هو القاسم المشترك بينه وخديجة، وفضاء الغليان الطلابي في نهاية السبعينات والثمانينات هو الذي ضخ في علاقتهما دم الحب، إذ تعرف عليها وهي تقف في الجبهة الأولى في صف المتظاهرين داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، في إطار تنسيقيات الطلبة القاعديين، ما أهلها لرئاسة جمعية طلبة المعهد الوطني للإحصاء.

كان عبد الرزاق يدرس في المعهد نفسه، رغم أن خديجة كانت تنتمي للفوج الأعلى، إلا أنه تعرض للطرد بسبب غيابه عن المؤسسة لتواجده في مؤتمر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.. حينها اختار التوجه إلى كلية الحقوق وحين تخرج اشتغل في وزارة التعليم العالي، قبل أن يقرر في صيف سنة 1985 الانتقال من العلاقة النضالية إلى العلاقة الزوجية، بعيدا عن الشعارات التي لطالما حفظها الزوجان عن ظهر قلب. ورغم مرجعيتهما النضالية فقد أصرا على إقامة حفل الزفاف في قصر القباج بالرباط. وحضر الحقوقي عبد الحميد أمين الزفاف، وشاهد الرياضي وعريسها عبد الرزاق لأول مرة وهما يجلسان فوق «العمارية»، وسط الهتافات والزغاريد، دون أن تطولهما هراوات البوليس.. إنها أول تظاهرة سلمية عاشتها خديجة وعبد الرزاق على امتداد حياتهما.. لكن أجندة الزوجين لم تسمح لهما ببرمجة فترة للاستجمام والبحث عن ملاذ سياحي على غرار باقي العرسان، فالاحتقان السياسي دفعهما إلى قطع «شهر العسل» والانضمام إلى الحركات الاحتجاجية التي كان المغرب يشهدها في منتصف الثمانينات.

لم تعتزل خديجة الرياضي النضال حين أصبحت زوجة، بل أسست داخل مديرية الضرائب فرعا للاتحاد المغربي للشغل، وأصبحت قيادية مهتمة بالمرأة العاملة، وفي بيتها تفهم زوجها وأبناؤها الوضع الاعتباري للأم وقرروا التعامل مع غيابها المتكرر عن البيت بليونة، بل إنها كانت تفضل التوجه مباشرة بعد انتهاء عملها من مقر المديرية، إلى مقر إحدى الجمعيات لتدرس النساء دروس محو الأمية.

في بداية الثمانينات انضمت خديجة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وفي سنة 2007 انتخبت رئيسة لهذه الجمعية التي تعرف أدق تفاصيلها، وذلك بمباركة من زوجها عبد الرزاق. وساهمت في تأسيس حزب النهج الديمقراطي سنة 1995.

كان زوجها يحاول حمايتها في كل تظاهرة احتجاجية صاخبة يتم تفريقها بالقوة، بل إنه غالبا ما يتحول إلى ممرض بمجرد عودتهما إلى البيت، حيث يشرع في تضميد الجروح ومسح آثار العدوان، لأنه كان مقتنعا بمبادئ النضال التي شرباها في فترة التكوين بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي.. بل إن ابنهما لم يسلم بدوره من عنف المظاهرات، ونال حصة من الكدمات على رأسه ضريبة على الانتماء لأسرة مناضلة.

 

أم الخير.. زوجة النقابي التي حظيت باستقبال ملكي

حرص الملك محمد السادس، خلال زيارته لتونس سنة 2014، على تخصيص جزء من مساحة أجندته لاستقبال أم الخير حشاد، أرملة المرحوم فرحات حشاد، ونجلها نور الدين حشاد، رئيس مؤسسة فرحات حشاد، التي تعنى بالدراسات والأبحاث التاريخية بمقر إقامة جلالته بتونس، وذلك في مقر إقامة العاهل المغربي.

وذكر بلاغ للديوان الملكي أسباب النزول، وقال إن المناسبة كانت فرصة لاستحضار الأواصر الأخوية التي كانت تربط المرحوم حشاد بالمغرب، وبرجالات الحركة الوطنية المغربية، وفي مقدمتهم المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، مشيرا إلى أن اغتيال هذا المقاوم المغاربي الكبير سنة 1952 خلف موجة من الاحتجاجات والأحداث الدامية بمدينة الدار البيضاء.

من جهته، قال نور الدين حشاد، رئيس مؤسسة فرحات حشاد، في تصريح للصحافة التونسية، عقب الاستقبال الذي حظي به ووالدته أم الخير حشاد أرملة فرحات حشاد، إن «الاستقبال شكل مناسبة لتجديد التشبث بالعلاقات التاريخية بين الشعبين المغربي والتونسي». وأوضح بأن الملك تناول في كلمته دور الفقيد في خلق «الالتحام بين الشعبين، تجلى في أبهى حلله يومي 7 و8 دجنبر 1952 عندما خرج سكان مدينة الدار البيضاء في مظاهرة حاشدة ضد المحتل الفرنسي عقب اغتيال فرحات حشاد، أحد الوجوه البارزة في المقاومة في بلدان المغرب العربي».

روت أرملة الفقيد حكاية اغتيال زوجها النقابي في صباح يوم 5 دجنبر عام 1952، حين تبعته سيارة في الطريق من الضاحية التي كان يقطنها خارج العاصمة تونس وأطلق عليه النار ثم فرت السيارة هاربة ولكن حشاد أصيب فقط في ذراعه وكتفه وتمكن من الخروج من السيارة بعدها ظهرت سيارة أخرى وأجهزت عليه بإطلاق النار على رأسه ثم إلقائه على جانب الطريق بعد التأكد من موته وعندما أعلن نبأ اغتياله علي المذياع في الظهيرة اجتاحت المظاهرات مدن العالم.

عبرت أرملة حشاد عن امتنانها للمغاربة وتحدثت عن انتفاضة سكان الدار البيضاء التي راح ضحيتها عشرات الشهداء، وقالت إنها سعيدة جدا لأن كثيرا من مواليد دجنبر 1952 يحملون اسم فرحات. وأن شوارع في المغرب تخلد اسم الفقيد فضلا عن مؤسسات تعليمية منوهة بالأيادي البيضاء للملك الراحل محمد الخامس.

علم الملك محمد السادس بأن حشاد قد ترك أرملة في الثانية والعشرين من عمرها لها ثلاث أبناء هم نور الدين وناصر ثم جميلة، وقدمت للعاهل المغربي من طرف نور الدين بيانات حول مؤسسة فرحات حشاد للدراسات والأبحاث التاريخية، والتي خصصت لانتفاضة المغاربة جزء من أدبياتها، سيما في رصد تفاصيل تمرد الحي المحمدي والإضراب العام الذي شهدته الدار البيضاء بعد اغتيال حشاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى