الرأيالرئيسيةثقافة وفن

بحث في دراسة أصول العدوانية

 

 

 

بقلم: خالص جلبي

 

يبدو أن العدوانية مغروسة في البيولوجيا، لسبب حيوي. فالغضب والانفعال آليتان للحفاظ على الحياة: فلولا الغضب ما عاش الإنسان واستمر. ولكن مكمن المشكلة، كما جاء في كتاب «الذكاء العاطفي» لدانيال غولِمان، أن العواطف، بما فيها الغضب، تكون تحت سيطرة الدماغ العلوي، الأحدث والأكثر تطورا والذي يميز الإنسان عن البهيمة – وهو أمر تربوي. وهذا الوعي الخاص «كسبي»، كما يقول محمد إقبال في كتابه «تجديد التفكير الديني». فالإنسان يولد من بطن أمه لا يعلم شيئا، ثم يبدأ العقل السُنَني في التكون؛ وهذا يحتاج إلى تأسيس كل مرة. ومَن ينظر في كيفية افتراس الحيوانات بعضها بعضا يدرك أثر هذا في سلوك البشر، الذين هم ثلثان من تمساح وسَبُع ضارٍ، فوقهما ثلث من كائن عاقل يحاول ترويض الوحشين!

وبحسب كتاب «الذكاء العاطفي»، فإن الدماغ المتوسط – موضع العواطف – مهم جدا للسلوك؛ ومركزه في «لوزات amygdala» الفص الصدغي، ولكنه مرتبط بالدماغ العلوي. وعدم انسجام هذا المركز العاطفي مع قشرة الدماغ العليا، هو الذي يقود إلى الانفجارات العاطفية وكوارث الانفعال ويفسر، بالتالي، الجانب «اللاعقلاني» في الإنسان.

وكما وُجِدَ الصراعُ وعدمُ الانسجام في البيولوجيا، فهو في علم الاجتماع أشد: فالفرد، حينما خرج من الغابة ودخل الدولة، لم يعد في مقدوره حل نزاعاته مع الآخرين عن طريق القوة، على الرغم من كل زخم اندفاع القوة الحيوانية من التمساح والسبع، بسبب أن الدولة تحتكر القوة، فتحكم بين الأفراد في ما كانوا فيه مختلفين.

ولكن، كما يقول عالم الاجتماع العراقي الوردي، إن هذا الحل لم يوجد بين الدول. فالدولة – إنْ وُجِدَتْ – تملك سلطة كبح الأفراد، ولكن لا توجد دولة عليا تملك هذه الصلاحية على الدول على الصعيد العالمي. وهنا، عند هذه النقطة بالذات، تنشب الحروب والصراعات بين الدول. فالدولة، بوظيفتها الأساسية في توفير الأمن للأفراد، تجعل الحياة محتمَلة؛ وعند أي نزاع ينشب بين الأفراد تتدخل الدولة، ولو بالقوة المسلحة العارية، فتفضه. ولكن لا توجد مثل هذه القوة بين الدول، بما أدى إلى استمرار الحرب بينها حتى اليوم. وأية مراقبة للصراع البشري في ظاهرة الحرب تتبين هذه الظاهرة في وضوح.

و«هيئة الأمم المتحدة» وما شابهها محاولات متواضعة لإنشاء مثل هذه القوة العالمية التي تفض النزاعات بين دول المعمورة؛ ولكن لم يتحقق هذا حتى الآن. وأعظم مرض أصيبت به البشريةُ هو ولادة «مجلس الأمن» المشؤوم الذي أعاق ولادة العدل حتى اليوم! وعسى أن تكون «الوحدة الأوروبية» نواة لمثل هذا المشروع التاريخي. لقد كان بإمكان أمريكا أن تقوم بهذا الدور، ولكنها، للأسف، باتت قوة استعمارية تبغي الربح والهيمنة، وليس عندها روح العدالة والرسالة الإنسانية؛ ولهذا فهي مكروهة من معظم أهل الأرض – وهو قَدَر كل قوة استعمارية تستهدف الهيمنة على امتداد التاريخ.

مع سيطرة الدولة على الأفراد لحل النزاعات داخل مربع الدولة الواحدة، نشأ تلقائيا مرضان خطيران: الحرب مع الدول المجاورة، والطغيان الداخلي. ومن أجل معالجة هذين المرضين بُعِثَ الأنبياء: التحرر من الطغيان الداخلي، ونشر السلام بين الأنام. وبهذه الطريقة نفهم معنى مجيء الأنبياء في التاريخ وطريقتهم في التغيير السياسي القائم على فهم عميق للإنسان: إن أفضل ما يؤخذ من الإنسان هو بالإقناع والإيمان، وليس بالكراهية والإكراه.

وإذا كانت هذه رسالة الأنبياء جميعا، فكيف نفهم نصوصا من القرآن تحض على القتل، كما جاء في سورة («الفتح»- الآية: 16) عن الأعراب: «قل للمخلَّفين من الأعراب ستُدعَوْن إلى قوم أُولِي بأس شديد تقاتلونهم أو يُسلِمون»؟ أو الآيات «النارية» في القتال في أمكنة أخرى، مثل سورة «التوبة»: «قاتلوهم يعذِّبْهم الله بأيديكم ويُخْزِهِم وينصرْكم عليهم ويَشْفِ صدورَ قوم مؤمنين» (الآية: 14) أو «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» («البقرة»- الآية: 191)؟

وهذا المعنى أشكل على أحد الكتَّاب ممن وصلتني مقالةٌ له على الإنترنت، فقال إن القرآن كتاب عنف، وإنه مصدر كل هذا الإرهاب في العالم – وهو تهور منه واستعجال، وعدم إدراك للقرآن والتاريخ والسياسة والإنسان والمجتمع. يصف السيد أورهان بَيار اللاعنف في الإسلام في الفترة المكية بأنه: غير مرتبط بالتسامح، كما هو معروف عند رموز اللاعنف (النبي عيسى، ماني، غاندي)، بل هو تسامح غير القادر على الرد بالمثل. فالآيات لا تحرض على القتل والحرب، لكنها تتوعد غير الموالين للدعوة الجديدة بشر العقاب وبنار جهنم. أي أن القتل والقتال أصيل في الإسلام، وقد أخفى وجهه لمصلحة «تكتيكية»! ويمضي الكاتب المذكور، فيقول إنه لاحقا ظهرتْ للنبي محمد أهميةُ كلمتي «الغزو» و»السبي» ومدى تأثيرهما في الحياة القَبَلية، فأبدل بهاتين الكلمتين كلمتين أخريين: «الفتح» و«الغنيمة». ويؤيده القرآن في الوسيلة الجديدة لنشر الدين، ويبدأ الإسلام بولادته الجديدة كحركة عنفية، تقوم أساسا على الفتح وجمع الغنائم – وهذا ما يرجوه كل أعرابي. وبهذا الشكل، ومع أول نصر لمحمد في بدر، تكبر الحركة ككرة الثلج المتدحرجة من أعلى الجبل. ومثل هذه الشبهة تحتاج إلى مقالة منفردة. وهي كما نرى إشكالية تحتاج إلى الإجابة وهو ما كرست له أنا كتابا كاملا تحت عنوان «العنف واللاعنف في الإسلام». ولعل أسرع جواب لما أشكل عند صديقنا هو فتوحات المغول الذين نهبوا وقتلوا وهم أيضا يحملون في أيديهم كتابهم المقدس (الياسا) الذي وضعه جنكيز خان لهم، وامتدت إمبراطوريتهم بقوة السيف من الصين حتى أوروبا الشرقية، فماذا كانت النتيجة؟ تبخروا من صفحة التاريخ ولم يعقبوا، بل اعتنقوا الإسلام الذي قهروا أهله. ودخلوا الهند لينشئوا النهضة التيمكورية باسم الإسلام.

ولكننا نذكر آراء الخصوم حتى يطلع القارئ على الساحة الفكرية والأمواج المتلاطمة فيها، فقد انفتح العالم على بعضه مع النت، فترى القوم فيها مبلسون.

نافذة:

الدولة بوظيفتها الأساسية في توفير الأمن للأفراد تجعل الحياة محتمَلة وعند أي نزاع ينشب بين الأفراد تتدخل الدولة

 ولو بالقوة المسلحة العارية  فتفضه

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى