الرأيالرئيسية

بورصة الغضب والنخاس

 

مقالات ذات صلة

 

عبدالرزاق الحجوي

لم يقارع أبطال الماضي قوى نووية بالسيف، فنتيجة مواجهة أي قوة عربية لقوى نووية محسومة، أما وقت امتلاك القوة الاقتصادية والردع العسكري فالغرب قد قطع دربا طويلا قبل بلوغهما، وهي سنن الكون التي لا تفرق بين هذا وذاك. إن أرباب الفضائيات والقوى السياسية والإسلامية الممسكة بأذن الرأي العام وبفؤاده لا تجهل ذلك في قرارة نفسها، وتعلم أن قياسها للموقف العربي بموقف وبتصرفات إيران وتركيا في موضوع القضية الفلسطينية هو قياس عليل، لأن عقاب الفصائل ومسؤولياتها ليست هي مسؤولية الدول وعواقب ضربها، ولأن الغرب وإسرائيل يسمحان لأنقرة وطهران عمدا وللأذرع الشيعية بهامش من المناورة والمناوشة، وسينتقمان من كل عربي تحرك فيه مثلما وقع لصدام ومعمر، تلميذي الناصرية الكبيرين. لكن الذي يهم ممتلكي أذن وقلب الرأي العام ومن خلفهم هو تنفير الشعوب من الأنظمة ونزع الثقة بينهما لإضعاف المسار وخلخلته، ليتحول النظام في رأي الأغلبية إلى شيطان لا ثقة فيه ولا أمل، لتفوض آليا هذه الثقة والأمل لمراكز نفوذ غير عربية.

لتضيع الثقة في النفس التي هي أساس النجاح، فعند إضعافها فإن السلم الاجتماعي ستتضاعف كلفته، وسيضيع وقت لا يعوض، وستشيطن كل القرارات الحيوية لمعالجة الأمراض الاقتصادية، وستتضخم كلفة الأمن الداخلي ومكانة نخب الجيش لتضغط على ميزانيات الصحة والتعليم والخدمات، كما ستبيع النخب شبه السياسية غاليا نيابتها عن النخب الطبيعية ذات العمق الاجتماعي، الأقل كلفة في التدبير، لأن هذه النخب تشتري شعبيتها بسقف غير واقعي وترتبط بأجندات لا تفكر إلا في نفسها، ومنها من شرع في الفتك وتمزيق الشعوب التي تغلغلت في نسيجها من نفس الباب، ورغم كل ذلك يعيش العقل الجماعي في حالة تخدير مهلكة عاجلا أم آجلا، لأن تصحيح الاتجاه مستحيل عند محتكري صناعة وتوجيه الرأي العام، ولأن المنبر والخطاب الرسمي عاجزان عن المواجهة وعن مسك بوصلة الرأي العام الشعبي لإيقاظه.

إن بين العرب وامتلاك القوة الاقتصادية والسلاح النووي، مسارا الأكيد أنه طويل، بسبب مقاومة العوامل الخارجية والداخلية العنيدة؛ فعند نهضة الغرب لم يكن المشهد تحت سيطرة قوى كبرى مناوئة تفعل فيه ما تريد؛ فالسوق والعلوم والاقتصاد والحرب والمال، ناصية كل منها، هي بيد الغرب اليوم الذي يحكم الحرب والسلم، ويقبض ثمن كل منهما، الذي ينخفض كلما انسجم الرأي العام مع المصلحة الوطنية، ويرتفع كلما غاب هذا الانسجام.

إن نفوذ الغرب ودرة تاجه إسرائيل هو ابن القوتين العسكرية والاقتصادية، وليس ابن تلميع جامعة الجزيرة الفضائية وبعض اليسار والإخوان الذين يلمعون هذا ويبخسون ذاك، إلى أن آمن الناس بأن النفوذ هو مجرد قرار آني لا يتطلب شروطا ومقومات، فمن الذي دفع ثمن تفكك عدة أوطان عصفت بها النقمة العميقة للشارع، والقابلة للانفجار عند أي صدفة أو حدث؟ عطوان أم فيصل أم خنفر، أم العلماء العالميون، أم نجوم المعارضة السياسية والخطباء المفوهون، أم الشعوب المشردة اليوم؟

إن إسرائيل لا تؤمن إلا بالقوة فلو آمنت بالسلام لأعطت للشعب الفلسطيني كامل حقوقه، لأنه الخيار المربح للجميع، لكنها لا تؤمن بموقف الأنظمة حتى لو طبعت معها، وتحسب لموقف الشعوب الحقيقي، لذلك تهدف إلى إعادة سحقها في أفق رسم خريطة جديدة بالمنطقة، وهو المراد الذي يبتعد عنها مع خيار السلم الذي تلتزمه الأنظمة العربية وتفرضه على الشعوب. والغرب نفسه لا يبتز الأنظمة التي تواجهها مشاكل وجودية بسبب الجزائر أو إيران، يبتزها باتفاقيات السلام قبل نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه، إلا لدق الإسفين في شعبيتها ولإفقارها بمكوس الاستقرار ما يعيق آليا مسارها ونموها، فالغرب يعلم يقينا بأن الباب الحقيقي للسلام هو دولة فلسطينية كاملة السيادة والموارد، لكن أهدافه ليست هي السلام وثماره، بل دعم صناعة سم الغضب وانتظار ثماره.

فمع بقاء المنبر والخطاب الرسمي بسبب واقعيتهما بعيدين عن مسك لجام الرأي العام، الذي يجذبه عذب الخطاب وبريقه الفوق واقعي، الذي يقنعه بأن بينه وبين جنة أمنياته الاجتماعية والقومية حجرا واحدا لا غير، ولإيمانه المتجدد بصحة هذا الالتفاف على الطريق الآمن لنيل الأمنيات، سيبقى لجامه بيد اليسار والإخوان والعلماء العالميين والفضائيات والأجندات الفتاكة، وستواصل النخب الفاسدة جلها، تعويض النخب الشعبية، لأن هذه الأخيرة غير صالحة للتغلغل في دواليب الحكم، بسبب ارتباطها المهلك مع الأجندات الماكرة. في ظل هذا الضعف في التأثير في صناعة الرأي العام الشعبي، فإن الرأي الممول والنخب المصنعة لن يعالجا لا الصدمات القوية ولا المشاكل المستعصية، لذلك وجب على صناع القرار الاحتكاك المباشر والإجابة عن الأسئلة الحرجة وجها لوجه، لتصحيح الرواية ولشرح أصعب القرارات بدل ترك ذلك في يد صانع الغل والغضب والنخاس.

الوطن العربي الذي يعاني من صعوبة انسجام مكوناته، والذي لم يعالج نفسه بالتواصل الدؤوب والمنفتح، هو مهدد بالتفتيت، ولا أفضل للمتربصين من أن يتحلل ذاتيا، بفضل الصناعة الجبارة والمتطورة للغضب مع تصدير الثقة والأمل التي تؤتي أكلها كل موسم. والمفكر العربي رفقة صانع القرار من مسؤوليتهما النزول إلى الميدان والحضور في الجامعات وفي الأسواق وفي الفضائيات، ودفع ضريبة هذا الانفتاح، أما النصف الآخر  للطريق نحو نسف الأرضية الصلبة لهذه الأجندة التفكيكية، فهو سد ثغرة الفساد الإداري والقضائي استعادةً للثقة وللأمل.

 

نافذة:

الغرب يعلم يقينا بأن الباب الحقيقي للسلام هو دولة فلسطينية كاملة السيادة والموارد لكن أهدافه ليست هي السلام وثماره بل دعم صناعة سم الغضب وانتظار ثماره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى