الرأيالرئيسيةثقافة وفن

بين الكون التدويني والكون التكويني

 

بقلم: خالص جلبي

 

لشرح معنى الكتاب من سورة «الرعد» وما المقصود به، نقول إن الكتاب التكويني هو الكون وإن الكتاب التدويني هو القرآن، وكلاهما حق. كما يمكن وضع عنوان آخر يذهب إلى أن الكون كله علم متجسد، وبأن نقل هذا النظام إلى العقل هو العلم. أو كما يقول «محمد كامل حسين»، في كتابه «وحدة المعرفة»، إنه في الكون نظام وفي العقل نظام، والمطابقة بينهما هي المعرفة وهي ممكنة، وهما من مصدر واحد. ولكن ما أسهل هذا الكلام؟

 وذهب «محمد عنبر» في كتابه «جدلية الحرف» إلى أن سر الوجود مطبوع في اللغة، وأن أي كلمة تحوي عكسها على نحو آلي، مثل برّ وربّ وفرّ ورفّ. فما علينا للوصول إلى حقائق الأشياء سوى البحث في كنز اللغة.

وعندما ندخل المكتبة العظيمة ونبصر فيها آلاف الكتب فنقول إنها علوم، وما كتب فيها علم، والذين ألفوها علماء، وما دونوه هو جزء يسير مما عرفوه من هذا الوجود. ولكن كيف يكون محتوى هذه الكتب علما؟ والذين دونوه علماء؟ وأن مضامين الكتب ومعارف العلماء هي كون متجسد؟

والذي أريد أن أقوله إننا لا يمكن ولا نستطيع أن نقول إننا نفهم القرآن، والدليل على ذلك كيف ألح الله على معرفة التاريخ البشري في القرآن وأخبار الأمم، وأن نكون شهداء على الناس. ولكن هذا القسم الضخم من القرآن أهمله المسلمون، وكأنه لا قيمة له أبدا ولا يلتفت إليه. وما يجب أن نفهمه من هذا أن دلالة الكتاب يمكن أن تلغى إلغاء تاما، وكأنها غير موجودة، والذي سينبه المسلمين إلى هذا هو الاهتمام بالتاريخ والكون، والمثل على ذلك قوله تعالى: «سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق»؛ فهذه الآية موجودة عند المسلمين منذ يوم نزولها، ولكن هذه الآية لم تفد المسلمين بشيء. وحتى الذين عرفوا كيف بدأ الخلق، لم ينطلقوا في بحثهم من هذه الآية، وإنما من ملاحظة الكون فكان الانطلاق.

والذي دل على نفسه وما فيه هو الكون ذاته وليس الكتاب، والأعمق في الدلالة أن المسلمين يرفضون معنى هذه الآية بعد أن صار محتوى هذه الآية المرجع الأساسي لفهم الأمور. وأن الحدث أو الشيء أدل على ذاته من كل وصف عنه، وعند الاختلاف فالمرجع ليس الكتاب، وإنما العودة إلى الحدث أو الشيء، أي الواقع ذاته.

ومثلا فإن صخرة ما أدل على نفسها من كل كلام يقال عنها، حتى لو كان كلام الله، لأن الله استخدم كلام البشر في الحديث عنها، ولكنه لما خلق الصخرة لم يحتج إلى البشر، فالصخرة أدل على صنع الله من كل كلام يمكن أن يقال عن الصخرة. وعند الاختلاف فإن المرجع الذي يجب الرجوع إليه ليس الكلام، بل هو البحث في الصخرة ذاتها. فيمكن أن ترى من (زوايا تماس) لا نهائية كما هو معروف في علم الرياضيات. فقد يراها جيولوجي كوسيلة لفهم طبقات الأرض، ولكن المؤرخ قد يعتبرها مكانا استراحت فيه فرقة عسكرية، أما الفيزيائي فقد يرى فيها تركيب الفلزات، ويرى البناء أنها قطعة معمارية ممتازة لواجهة البنايات، أما الأركيولوجي فقد يذهب لتحديد عمرها، وقد يراها عالم المعدن ثروة معدنية هامة. مع هذا تبقى الصخرة عصية على الجميع وتبوح بجانب من سرها لكل واحد ولا تنتهي، لأنها كلمة الله في نسختها الأصلية والنهائية والتي لا تتبدل.

يروى عن تلاميذ لأرسطو أنهم تناقشوا يوما حول عدد أسنان الحصان فاختلفوا جدا، ولو فتحوا فم الحصان وعدّوا الأسنان لوصلوا وتوقف النزاع. وعند هذه النقطة تطور المنهج (الاستقرائي) وتجاوز المنطق (الأرسطاطالي الصوري) القديم. ولولا هذا لبقي العقل الإنساني يرزح في قيود الفلسفة اليونانية حتى اليوم، ولما خلق العالم الحديث. ذلك أن العالم هو صورة الفكر على الأرض والواقع.

وإذا جاء علم جديد وفهم جديد أعمق عن الصخرة فلن يزيد على التعامل مع الصخرة، وهذه البديهية البسيطة مخفية عن أعين المسلمين وعن البشر أيضا، لهذا يلح القرآن على الرجوع إلى الكون المادي والاجتماعي لفهم سننه ونظامه، ويدلل بذلك على أن الواقع أدل على ذاته من كلامه أيضا، ولما يقول ستفهمون في المستقبل معنى هذا الكلام، فلأن الواقع هو الذي سيكشفه. وسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.

وسأل أخ كريم فقال: «هل رادع الخوف من الدمار وحده كاف لإنهاء الحروب ليحل السلام في العالم، أم السلام بالإسلام الحقيقي؟».

وجوابي أن رادع الخوف من الله لم يصنع السلام بين المسيحيين، خلال ألفي سنة. كما أن رادع الخوف من الله لم يصنع السلام بين المسلمين، خلال ألف وخمسمائة عام، بدءا من معركة صفين وانتهاء بحرب الخليج. ولكن الرادع النووي صنع السلام بين الذين دخلوا هذا العالم، وهذا ليس عيبا في الإسلام ولا نقصا فيه. والرادع النووي صنع السلام، والرادع الديني لم يصنع سلاما. عفوا ينبغي أن لا نخطئ فلماذا لا نسمي الأشياء بأسمائها؟ ولماذا لا نعتبر أن الرادع النووي رادع إلهي أيضا يجري وفق سننه؟

فهذا ما يقول الله عنه إذا كنتم لا تصنعون السلام لأني أقول لكم ادخلوا في السلم فدخلتم الحرب، فلسوف أرغمكم بآيات الآفاق على الدخول في السلم كافة، فهذا معنى انظروا وانتظروا.

إن لم يحصل لكم إيمان بالموعظة فسيحصل لكم إيمان رغما عنكم بعواقب الأمور. ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال.  

 

نافذة:

يلح القرآن على الرجوع إلى الكون المادي والاجتماعي لفهم سننه ونظامه ويدلل بذلك على أن الواقع أدل على ذاته من كلامه أيضا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى