شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

جنودنا المنسيون المبعوثون إلى الخارج

قصة أقدم بعثة عسكرية إلى جبل طارق سنة 1876

 

 

يونس جنوحي

 

«من الأوراق المنسية في تاريخ العلاقات المغربية البريطانية، ما وقع في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن، قبل وفاته سنة 1873، أنه وافق على مبادرة كان لها بكل تأكيد ما بعدها في تاريخ الجيش المغربي.

فهذا السلطان العلوي، رغم التوتر الكبير في العلاقات بين المغرب ومعظم دول أوروبا في عهده، إلا أنه وافق على أن يذهب مئتا شاب مغربي إلى جبل طارق، لكي يقيموا هناك ثلاث سنوات كاملة، ويتعلموا على يد البريطانيين أصول تنظيم الجيش والعمل والانضباط العسكري.

وليس أمر هذه البعثة كما يبدو، فقد قُسمت إلى ثلاثة أفواج. ولم يمكث الفوج الأول إلا سنة واحدة فقط، ولم يكن يتكون سوى من 25 جنديا يترأسهم مغربي اسمه بن بلة المراكشي، ليبصم على تجربة قرر السلطان نفسه أن يُمدد لها، رغم الانتقادات، وذهب فوجان آخران بعد هذه البعثة، لسنتين، ثم عادوا جميعا إلى المغرب».

+++++++++++++++++++

 

يوميات بعثة «بن بلة» المغربي

 

في سنة 1876، كان 25 جنديا مغربيا يشدون الرحال من فاس، لكي يتجهوا برا في اتجاه الشمال، لكي يقطعوا البحر المتوسط وصولا إلى جبل طارق.

هؤلاء الجنود الشبان، كان يترأسهم جندي مغربي اسمه «علي بن بلة» المراكشي، وكانت مهمتهم تتمثل في التدرب على السلاح والانضباط العسكري.

وحسب ما أورده المؤرخ المغربي عبد الرحمن بن زيدان، في تناوله لتاريخ الجيش المغربي وتنظيمه في مرجعه «العز والصولة»، وهو ما تفصل فيه أكثر د. خالد بن الصغير، بعد اطلاع الأخير على الوثائق البريطانية الرسمية، فإن هذه البعثة كانت واحدة من أولى مبادرات التعاون العسكري بين المغرب وبريطانيا في إطار تحديث الجيش المغربي، وهي المهمة التي بدأها المولى محمد الرابع، الذي لم يُكتب له أن يعيش لكي يرى هذه البعثة وهي تغادر صوب جبل طارق، فقد توفي سنة 1873، ثم جاء من بعده ابنه المولى الحسن الأول الذي دعم مبادرات الإنجليز ورحب بإرسال البعثة المغربية الأولى، لكي يتدرب أفرادها على السلاح.

سوف نتطرق في هذا الملف إلى سياق هذه البعثة، التي جاءت على ثلاث مراحل واستمرت لثلاث سنوات، وكيف أنها تعرضت لانتقادات من طرف مغاربة أنفسهم، لم يروا أي تطور على بنية الجيش المغربي، خصوصا بعد وفاة المولى الحسن الأول، ولم تظهر – حسب رأيهم- أي بصمة للعائدين من هذه البعثات على تنظيم الجيش المغربي.

لكن، دون استباق للأحداث، فقد كان موضوع إرسال هذه البعثة إلى جبل طارق محل نقاش كبير في محيط السلطان، سيما وأن بعض علماء القرويين كانوا يعارضون جملة وتفصيلا عقد أي اتفاق عسكري مع دولة أوروبية، ويعتبرون الأمر من المحظورات. في حين ذهب فريق آخر من هؤلاء العلماء إلى اعتبار أن «الحرب خدعة»، وأنه يتعين على الجيش المغربي الاستعانة بخبرات الأجانب.

جل هؤلاء العلماء توفوا قبل أن يروا كيف أن المغرب استقدم مديرا إيطاليا للإشراف على صناعة البنادق المغربية والذخيرة، في قلب «دار الماكينة» في فاس، بعد ثلاث سنوات تقريبا على وفاة المولى الحسن الأول.

بدا واضحا إذن أن المغاربة المحافظين تقبلوا أمر هذه البعثات المغربية إلى الخارج، وهو ما يفسر استمرارها لثلاث سنوات، قبل أن تتوقف نهائيا، بعد أن استفاد منها حوالي 285 جنديا مغربيا فقط، حسب ما أورده المؤرخ المغربي المانوني، في تناوله لتاريخ الجيش المغربي.

بالعودة إلى بعثة بن بلة المراكشي، فإن السياق الذي توجهت فيه إلى جبل طارق، كان مميزا. فقد كان المغرب وقتها قد عين في عهد المولى الحسن الأول ممثلا له في جبل طارق، وتولى هذا الأخير استقبال الشبان الخمسة والعشرين، ونسق مع الإداريين توفير مسكن لهم، بعد أن جاؤوا بورقة معهم من فاس، تحمل توقيع القنصل البريطاني، وتؤكد على أن هؤلاء الشباب هم ضيوف على جبل طارق، لكي يتلقوا تكوينا عسكريا على يد 4 خبراء عسكريين بريطانيين أوفدوا إلى هناك خصيصا لهذا الغرض.

ورغم أن هؤلاء الطلبة لم يمكثوا في جبل طارق إلا سنة واحدة، إلا أن ظروف إقامتهم هناك لم تكن سهلة، فقد كانت تجربتهم هي الأولى من نوعها في ذلك السياق، ورغم تدخل الممثل المغربي للسلطان في جبل طارق، إلا أن هؤلاء الجنود المغاربة كانوا يقيمون منفصلين عن بقية أفراد الفيلق الذي وضعوا فيه، وعندما عادوا إلى المغرب لاحظ مستشارو السلطان أن التجربة تستدعي أن يكون العدد أكبر، وهكذا تقرر إرسال مجموعة أخرى سنة 1877 تكونت هذه المرة من 85 فردا. وفي السنة التي تلتها، أرسل المغرب وفدا من 130 جنديا من المشاة و45 آخرين من المدفعيين، لكي يتدربوا في جبل طارق، على خطى «بن بلة» ومن معه.

 

هل كان الجنود المغاربة يحتاجون تكوينا من الإنجليز؟

لم يكن المغرب يعاني من «ترهل» عسكري، عندما تقرر إرسال الجنود المغاربة الأوائل إلى جبل طارق، للتدرب على يد الخبراء البريطانيين منذ 1876. وإنما كان الجيش المغربي وقتها يعيش مواجهات ساخنة، أشبه ما تكون ببوادر حرب تلقي بظلالها في البحر المتوسط، بسبب تدخل فرنسا في شؤون تونس والجزائر. حتى أن المغرب دخل في مواجهة مع الأسطول الروسي، وهو ما جعل البريطانيين يُدركون أن حربا وشيكة سوف تقع لا محالة في المنطقة. ومرت قرابة نصف قرن لكي يصبح المغرب في عهد المولى محمد الرابع محط أطماع أخرى في المنطقة، خصوصا بعد تدخل فرنسا عسكريا في الجزائر، وإعلان الحرب ضد العثمانيين فيها.

وهكذا أبرم الإنجليز مع المغرب اتفاقيات لتدريب عناصر من الجيش المغربي. لكن ما وقع، وما اتضح مع مرور السنين، أن الأمر كان يتعلق فقط بمناوشات وأزمات سياسية، وأن أزمة الجيش المغربي لم تبدأ فعليا، إلا بعد وفاة المولى الحسن الأول، حيث عجز المغرب عن مواجهة عدد من التمردات الداخلية والمؤامرات، سيما سنة 1907.

وتناول المؤرخ عبد الهادي التازي سياق هذه التسخينات العسكرية المغربية، فقد كتب يقول:

«يجب أن نرحل إلى الأرشيف الفرنسي، لنجد من جهة أخرى رسالة احتجاج قوية اللهجة تصدر عن المغرب إلى فرنسا، بصدد الاعتداء الذي وقع على تونس من طرف الجيش الفرنسي…
ويتعلق الأمر بالقلق الشديد الذي عم المغرب، وهو يسمع عن قصف المدفعية الفرنسية لسوسة… بعد أن امتنع الباشا علي باي عن إرضاء المطالب الفرنسية الملحة. وهكذا نجد رسالة تحمل تاريخ 6 ذي القعدة 1184 الموافق لـ3 مارس 1770 موجهة من العاهل إلى لويس الخامس عشر… وقعها عنه الوزيران المعروفان: أحمد المهدي الغزال، وعبد الهادي السلاوي…
لقد أعطى السلطان سيدي محمد بن عبد الله مهلة أربعة شهور، لكي تعيد فرنسا النظر في سياستها إزاء تونس، وإلا فإنه مضطر إلى إشهار الحرب عليها… الأمر الذي جعل فرنسا تجيب عن الاحتجاج معتذرة وموضحة الأسباب التي دفعت بها إلى قصف المدينة، وتم الاتصال عندئذ بالقنصل الفرنسي بالمغرب، الذي عبر عن الرغبة في أن تعود المياه إلى مجاريها».

كان يتعين إذن أن تواكب هذه التسخينات السياسية، تسخينات عسكرية أيضا، وهو ما يبرر موافقة المغرب، رغم سيطرة تيار المحافظين فيه، على أن تتدرب أفواج من الجيش على يد البريطانيين، وأن يتبادل المغرب مع المملكة البريطانية اتفاقيات عسكرية.

 

الخبراء الأجانب المنسيون الذين عُهد إليهم بمهمة تجديد الجيش

هناك شبه إجماع، عند المؤرخين، على أن السلطان المغربي محمد الرابع كان أول حاكم حاول الخروج بالجيش المغربي من التنظيم التقليدي القديم، وأسس نظاما عسكريا جديدا على شاكلة أنظمة الجيوش العصرية.

هذا التحديث، الذي جاء به المولى محمد الرابع، استمر مع ابنه المولى الحسن الأول الذي وصل إلى الحكم سنة 1873. حاول المغاربة، لضمان إنجاح عمليات التحديث، تقليد الجيوش الغربية، حتى أن بعض البعثات الأجنبية في المغرب عرضت على السلطان الحسن الأول مساعدة تتمثل في توفير تدريب للجيش المغربي، وبعث خبراء عسكريين إلى فاس لإنجاز هذه المهمة. وفي مرات نادرة جدا، بادر المغرب إلى إرسال بعثات محلية إلى أوروبا للتدريب.

كانت فلسفة المولى الحسن الأول تقوم على ضرورة «مغربة» هذه الإصلاحات، إذ كان معروفا عنه أنه سلطان محافظ، مدرك للخصوصية المغربية، ومحافظ جدا في أفكاره حتى عندما يتعلق الأمر بتحديث الجيش. إذ إن حلقة العلماء الذين كان يُحيط نفسه بهم، كان أغلبهم يرون في التعامل مع قوى أوروبا أمرا مكروها تفرضه الضرورة فحسب، ولهذا السبب بادر السلطان الحسن الأول إلى إنشاء المعامل المغربية لإنتاج السلاح، أو إصلاح القديم منها، وتبقى تجربة «دار الماكينة» في فاس أكبر أثر على فلسفة هذا السلطان. وبعد وفاته بثلاث سنوات فقط، جلب المغرب مديرا إيطاليا لتسيير المعمل وتعليم الأطر المغربية طريقة تسييره، قبل الاستغناء عن خدمات الخبير الإيطالي، وهو ما كان استمرارا لسياسة الحسن الأول، خصوصا في ظل بقاء رجل ثقته وقتها، باحماد، في السلطة، حيث استمر هذا الأخير في نهج سياسة المولى الحسن الأول في الإصلاحات العسكرية، واستمرت حتى بعد وفاته المفاجئة سنة 1894.

في مذكراتها، تحدثت السيدة «مادالينا» زوجة المدير الإيطالي الذي اختير سنة 1897، لإدارة شؤون «دار الماكينة» في فاس وتدبير شؤونها، في مذكراتها التي صدرت بالإيطالية وترجمها إلى اللغة العربية كل من الدكتور مصطفى نشاط، المتخصص في التاريخ، والدكتور رضوان ناصح، المتخصص في الأدب الإيطالي، ننقل منها هنا مقطعا تتحدث فيه هذه السيدة الإيطالية عن تجربة زوجها مع المغاربة، أثناء مزاولته لمهمة إدارة معمل السلاح:

«وإذا ما نطق أحد المتعصبين ببعض الشتائم في حق زوجي، فإن بعض الأشخاص دائما ما كانوا يردون عليه:

اصمت إنه كبير معمل الأسلحة. وبينما كنا هناك، وقع حادث خطير خلال شهر رمضان لأحد الإيطاليين، الذي كانت إقامته عابرة بفاس، وهو الدكتور غارسيا الذي كان منعدم الخبرة. ولربما كانت له بعض المعلومات عن الصيدلة والكيمياء، لكنه لم يكن فعلا قد حصل على شهادة من أي جامعة. كان أنموذجا للمغامر. وحدث أن كان يمشي بلباس أوروبي، دونما أي جندي يرافقه بأزقة فاس المظلمة، التي تمثل دائما مركزا للخرافة والتشدد. وهو يرسل دخانا كثيفا بارزا أمام تلك الدكاكين الكئيبة، كل ذلك لم يكن ليمر دون جلب الأنظار.

أحيط غارسيا بحشد كبير من المجانين، ما جعله يدافع عن نفسه، فهددهم بمسدس كان يحمله معه، وكان محظوظا لما تمكن من اللجوء إلى مركز البريد الفرنسي بملابس ممزقة، بعد أن عانى من رعب حقيقي. وبعد أن أخذنا على عاتقنا حل هذه النازلة كان علينا أن نقر بأن في هذه الحالة، كما في معظم الصراعات ما بين الأوروبيين والسكان المحليين، كان الإيطالي هو المسؤول عما حدث. وهذا الذي جرى للدكتور غارسيا يذكرني بملاحظة خاصة أعرضها في هذه المناسبة، والتي يمكن أن تساعد أكثر على رسم الشخصية المغربية. فعندما كانت تحصل الاضطرابات بالمدينة، لم يكن يريد لا المقري ولا التراجمة بمعمل الأسلحة أن يعود زوجي إلى المنزل برفقة عبد الله وحده، بل أن يكون مرافقا بخمسة عساكر وعلى رأسهم قائد الفرقة بنفسه».

 

قصة «دار البارود» ومُعلمي صناعة القنابل

ليس عبد الرحمن بن زيدان الوحيد الذي تخصص في تاريخ الجيش المغربي، لكنه بكل تأكيد أشهر من تفصل في التعريف بالمراحل التي مر منها تأسيس الجيش، سواء في عهد الدولة العلوية أو قبله. ويبقى هذا المؤرخ، بحكم أنه كان مؤرخا للمملكة المغربية، أحد أوائل من اطلعوا على أرشيف الاتفاقيات والمراسلات الرسمية التي توثق لتعليمات إنشاء المدارس العسكرية ودور صناعة السلاح وصيانته، ولذلك فقد تفصل أكثر من غيره من الباحثين والمؤرخين في ذكر بعض الأمور الدقيقة، التي تجمع بين الغرابة ودقة المعطيات.

وقد ذكر عبد الرحمن بن زيدان، وهو يتحدث عن أبرز المحطات التي طورت الجيش المغربي، في كتابه «العز والصولة»، ما يلي: «كان من جملة ما توجهت إليه عناية ملوكنا العلويين، إنشاء مصانع بمختلف الإيالات المغربية لإنتاج البارود لتموين الجيش، وإمداده بما يحتاج منه للدفاع عن البلاد وتوطيد الأمن بأطرافها، وقد كانت العناية بهذا الإنتاج بالغة إلى أقصى حدها، إلى درجة أن كل مدينة من المدن كانت تتوفر على معامل ومصانع تخرج مقادير كبيرة من البارود، وما زالت أماكنها في هذه المدن قائمة تعرف بدار البارود، ففي فاس ومكناس والرباط وطنجة ورودانة وغيرها، بنايات بقيت إلى الآن تحمل هذا الاسم وتذكر بعظمة منشئها الغطاريف. كما كان بمراكش الحمراء معمل هائل لا تزال أطلاله ماثلة للعيان بساحة أگدال، ويعتبر هذا المعمل من أشهر المعامل قدما وأكثرها إنتاجا وصنعا، ويبلغ الحاذقون بصنع هذه المادة اللازمة لكل أمة تريد الدفاع عن كيانها، أنهم كانوا يتقنون في درجات صنعه واستعماله.

(..) ويظهر أن ملوكنا كانوا يقصدون بإنشاء هذه المصانع المختلفة جعل المملكة في صف الأمم المتحضرة، التي يبدو مظهر رقيها من خلال وفرة مصانعها وعنوان تقدمها باكتفائها عن سواها وبما تصنعه أيدي أبنائها …

ولا يعني هذا أن المغرب كان يصنع البارود وحده، ولكن كان إلى جانب دار البارود مصنع السلاح (دور الماكينة). وحسب الوثائق الموجودة، وحسب أطوار التاريخ المغربي، فإننا نجد أن المغرب كان يستخدم السيوف، والحراب والبنادق والمسدسات والآلات المضادة للمدافع والألغام.
أما المدافع فقد عرفها المغرب لأول مرة على عهد المرينيين، وقد عرفنا آخر مدرسة للصناعات الحديثة الدقيقة أقيمت بالمغرب على أحدث طراز على عهد السلطان سيدي محمد بن عيد الله، الذي بعث بمعلمي «البومب» – أي القنابل- إلى تطاوين، فكان أحدهم يفرغ «البومبة» من قنطار.

كما بعث معلم الرمي إلى رباط الفتح فكان يُعلم بها «الطبجية» من أهل سلا والرباط، وتخرج على يديه نجباء، ومن ثم توارث أهل العدوتين هذه الصناعة مدة، ثم رد أصحاب المدافع والمعاريس إلى فاس فأقاموا بها الى أن توفوا …
وهذا التطور جاء نتيجة لمراحل قطعها المغرب في عصور وأحقاب، ومن هذه الصور يحدثنا التاريخ بأنه كان للسعديين ولوع زائد بتطور الأسلحة، حتى قيل إنهم كانوا يتوفرون على مدفع يسمى (الميمونة) كان يبث الرعب في النفوس».

 

200 شاب مغربي مكثوا في جبل طارق لتعلم القتال

من الأوراق المنسية في تاريخ العلاقات المغربية البريطانية، ما وقع في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن، قبل وفاته سنة 1873، أنه وافق على مبادرة كان لها بكل تأكيد ما بعدها في تاريخ الجيش المغربي.

فهذا السلطان العلوي، رغم التوتر الكبير في العلاقات بين المغرب ومعظم دول أوروبا في عهده، إلا أنه وافق على أن يذهب مئتا شاب مغربي إلى جبل طارق، لكي يقيموا هناك ثلاث سنوات كاملة، ويتعلموا على يد البريطانيين أصول تنظيم الجيش والعمل والانضباط العسكري.

ورغم أنه لا توجد في الأرشيف الرسمي مؤشرات على هذه المهمة العسكرية، بعكس مهام أخرى توفر أرشيف كامل عنها، إلا أنها ذُكرت في مذكرات الوزير والدبلوماسي البريطاني الذي اشتغل في المغرب وتعرف على السلطان المغربي عن قرب. يتعلق الأمر بالدبلوماسي «دراموند هاي»، الذي سكن في مدينة طنجة لسنوات ما بين عهدي محمد الرابع والمولى الحسن الأول، واستمر منذ سنة 1844، في ممارسة مهامه الدبلوماسية في المغرب ومحاولة ربط الاتصال بين القصر في لندن والقصر الملكي في فاس.

هذا الدبلوماسي البريطاني ذكر أن هؤلاء الشبان المغاربة رحلوا إلى جبل طارق على أمل أن يتدربوا وفق النظام العسكري البريطاني على الانضباط العسكري، ويعودوا للإشراف على تلقين ما تعلموه لأطر الجيش السلطاني.

لكن هذه التجربة، رغم أنها استمرت ثلاث سنوات كاملة، إلا أنها لم تسجل أي بصمة في تاريخ الإصلاحات العسكرية، وكان المغرب على موعد آخر مع إصلاحات دخل فيها أجانب، في عهد المولى الحسن الأول، لإكمال ما بدأه والده محمد الرابع.

يقول السيد «دراموند هاي» في مذكراته إنه بذل جهدا كبيرا جدا لإقناع المولى الحسن الأول، لكي يرسل هؤلاء الشبان إلى جبل طارق. وهو ما أكده الباحث المغربي د. خالد بن الصغير، الذي ذكر في كتابه «المغرب وبريطانيا العظمى في القرن 19»، أن بريطانيا أقنعت المولى الحسن الأول، من خلال السيد «هاي» بطبيعة الحال، بجدوى جعل 400 مغربي ما بين مشاة ومدفعيين، يتدربون لفترة ما على يد خبير بريطاني اسمه السيد «كاميرون»، منذ السنة الأولى لوصول المولى الحسن الأول إلى الحكم – أي سنة 1873- لكن د. بن الصغير، يؤكد في بحثه أن المغاربة حُصر عددهم في 280 مستفيدا فقط من هذا التكوين، على ثلاث بعثات وُجهت سنوات 1876، و1877، ثم 1878، للاستفادة من هذه التداريب العسكرية المكثفة.

والتجربة التي نتحدث عنها في هذا الملف، واحدة من هذه التجارب التي لم يتم التدقيق في تفاصيلها، خصوصا وأن بعضها أجري في المغرب وليس خارجه، ولم يكتب لها النجاح، رغم المحاولات الكثيرة لتكرار بعض تلك التجارب.

تحديث الجيش المغربي شغل إذن السلطان الحسن الأول، كما شغل أيضا البريطانيين الذين كانوا يعتبرون هذا الأمر فرصة للتقرب من المغرب وضمه حليفا إلى جانب بريطانيا، وقطع الطريق على فرنسا التي كانت وقتها علاقتها مع المغرب على المحك، بسبب ما كان يقع في كل من تونس والجزائر.

 

لماذا كان الأجانب يرغبون في التعاون عسكريا مع المغرب؟

ليس ممكنا أبدا فصل سياق التدريب الذي استفاد منه المغاربة في الفترة ما بين 1877 و1879، عن سياق المنطقة.

فقد كان المغرب يمر بفترة حرجة سياسيا، خصوصا وأن السلطان المغربي المولى محمد الرابع كان يرى كيف أن كلا من الجزائر وتونس، تعرفان اعتداء على يد الجيش الفرنسي.

وكان العلماء المحيطون بالسلطان يرون أنه يبقى لزاما على المغرب من الناحية الشرعية أن يساعد إخوانه على مواجهة المد العسكري الفرنسي. وهو ما جعل المغرب في عهد هذا السلطان يفكر مليا في إعادة تجهيز خطوط دفاع الجيش المغربي، وكانت بريطانيا موجودة لكي تعرض خدماتها على المغرب في هذا الباب، سيما وأن القنصل البريطاني في طنجة لم يكن على وفاق مع نظيره الفرنسي.

أحد المؤرخين المغاربة الذين انفردوا بالتنقيب في هذا الباب بالذات، هو المؤرخ د. عبد الهادي التازي، الذي كرس سنين من حياته أثناء اشتغاله في المناصب الدبلوماسية، لكي يطلع على الأرشيف الفرنسي الرسمي، والبريطاني، وخرج بخلاصات كثيرة في هذا الباب. وتحدث عن أهمها في محاضرة مسجلة ألقاها سنة 1989.

من بين التقارير التي ذكرها عبد الهادي التازي ووصل إليها في بحثه التاريخي، واحدة من المراسلات التي ينسبها إلى قنصل أجنبي عاش في المغرب فترة من الزمن. يقول فيها: «إنما مهما بذلنا من عروض للمغرب، فسيظل عطفه على الإيالات العثمانية هو نفسه، بالرغم مما يلحقه من مضايقات من الأتراك، إننا عندما نتحدث إلى المغرب بما يبيت له من طرف الأتراك لا يتردد في القول بأنه باستطاعته أن يقف أمام كل تحرك يستهدف النيل منه، ولكنه لا يستطيع أن يمضي حلفا ضد إخوانه في الدين».

ويواصل عبد الهادي التازي تعليقه على هذا النوع من المراسلات: «دعونا نتتبع قليلا سفارة السير أنطوني شيرلي (A.Sherly) إلى الديار المغربية، أوائل القرن السابع عشر… لقد كان الأمر يتعلق – كما نعرف- بتحرك دولي، في البداية من الشاه عباس الكبير، في أعقاب ما كان يبلغه عن المراسلات المغربية التي كانت تهنئ الباب العالي بانتصاراته ضد الصفويين… ذلك التحرك الذي لم يلبث أن تعزز أيضا بتكليف أنطوني شيرلي من طرف رودولف الثاني، إمبراطور ألمانيا، ثم من طرف البابا كليمان الثاني لدى ملك المغرب، وأخيرا من طرف فيليب الثاني، ملك إسبانيا، الذي كانت تراوده فكرة كسر الحلف العثماني الفرنسي المبرم عام 1536 بين سليمان القانوني وبين فرانسوا الأول».

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى