حزن السباحة ضد التيار

حزن السباحة ضد التيار

من مكتبه في وزارة العدل، رغب الدكتور عبد الرحمن أمالو في أن يوحي لمن يحاوره بأن يده اليمنى على الجمر والأخرى على طوبة ثلج. فقد كان يريد أن ينأى بنفسه قليلا إلى الوراء، حيال انتقادات بدأت تطفو على السطح همسا وعلنا.. جراء تداعيات موجة «التطهير» التي كانت تقودها وزارة الداخلية، في تجاهل كامل لكثير من المقتضيات القانونية.
سمعته في مكتبه، في حضور مدير ديوانه النائب السابق محمد الجعايدي، يقول إن مسؤوليته كوزير للعدل حماية المال العام من النزيف الحاد الذي يتسبب فيه التهريب والتهرب الضريبي، وليس الزج بأصحاب رؤوس الأموال النظيفة في السجون. وبدا واثقا من أرقام خيالية أقحمت في تقارير، تفيد أن ما ستجنيه البلاد من حملات التطهير والتصدي لأباطرة المخدرات، يمكن أن يغير وجهها نحو الأفضل.
كانت تلك التقارير التي تم تداول بعضها على نطاق محدود، اجتهدت في تصوير «غنائم الحرب» على التهريب والمخدرات، بأنها كنوز مخبأة لا تُرى بالعين المجردة. وأن استخراجها بتمائم «التطهير» يساعد في تقويم العجز التجاري. وذهب آخرون إلى أن «الدولة» إن كشرت عن أنيابها، ووازنت بين سياسة العصا والجزرة ستضرب أكثر العصافير تحليقا بأقل الأحجار التي تدمي ولا تقتل. غير أن الهواجس الانتخابية لم تكن بعيدة عن تكييف مسار تلك الحملات التي خلفت ندوبا لم تلتئم بسهولة.
حين تسربت معطيات عن تجاوزات في التدبير المحلي لشؤون البلديات، فهمت الرسالة على أن ظاهرها التطهير وباطنها التأثير، واضطرت رؤساء بلديات إلى الاشتغال ليلا نهارا في البحث عن مسوغات صرف موازنات عامة وفرعية، حتى أن أحدهم في الدار البيضاء برر اختفاء مبالغ مالية بأنها صرفت لاقتناء مواد النظافة. وضرب مفتشون أخماسا في أسداس ليجدوا أن أنهارا من «جافيل» وبحارا من الصباغة وغابات من الورود والنباتات لا تصل كلفتها إلى أرقام المصاريف.
تحول جانب من الرأي العام إلى خبراء في تتبع شبكات التهريب والاتجار في المخدرات، وتعرف الناس على وجوه وأسماء قيل إنها تشكل أخطر عصابات أباطرة المخدرات. وساد رعب أوساط رجال الأعمال من أن تلتف الحبال المعلقة على أعناقهم، لمجرد أنه كانت لبعضهم خلافات مع هذا الطرف أو ذاك. وروى الدكتور عبد الرحمن أمالو أنه تلقى تطمينات بأن عمليات التطهير تلك يجب أن تتم في إطار احترام القانون، ولم يكن دوره يزيد على إضفاء شرعية قانونية على تلك الحملات.
هل انساق مكرها، أم أنه لم يرفع صوته لأن الأمر كان أكبر من السلطة التنفيذية؟ في وقائع غير مغيبة أن الدكتور عبد اللطيف الفيلالي إلى جانب بعض أعضاء حكومته، لم يكونوا راضين أو مقتنعين بالسياق الذي اتخذته العملية. لكنهم اكتفوا بقاعدة: «اتركه يخطأ» لتبرئة الذمم إزاء ممارسات اتسمت بالمبالغة في الشطط واستعمال السلطة. وبالقدر الذي كانت فيه المبررات، من حيث غزو السلع والبضائع المهربة مقنعة، كانت الوسيلة خاطئة والأسلوب انتقائيا. ولم يفهم كثيرون كيف أن البضائع والسلع المهربة تتدفق عبر معابر المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، لكن حواجز الرقابة والجمارك تعترضها على بعد مسافات قليلة من تلك المعابر.
قيل في حصر بعض أسباب وخلفيات الحملات إن البلاد تعرضت لضغوط من طرف الاتحاد الأوروبي، خصوصا في نطاق تجفيف منابع المخدرات. لكن الوعود التي انهمرت لناحية دعم الاقتصاد المغربي بقيت على شاكلتها، مجرد وعود بلا متابعات ملموسة. وكانت النتيجة أن الاقتصاد الوطني ضرب في مقتل، لأن المال يوحد المواقف. ومع تزايد فرضية أن الرأسمال المحلي دأب على التردد وعدم المغامرة في أوقات الشدة، على رغم استفادته كثيرا في زمن الرخاء، فإن الأسلوب لم يكن مقبولا.
كان في وسع الدكتور عبد الرحمن أمالو أن يسهم من موقعه وكفاءته في تدبير ملفات اعتبرت من صميم اختصاصاته الأكاديمية، فقد حاضر كثيرا عن التنظيم الجهوي الذي يعتبر من خيرة العقول التي اشتغلت على رهاناته السياسية والاقتصادية والقانونية. لكن اختياره وزيرا للعدل، بعد فشل مشاورات التناوب التي كانت آلت إلى الانتكاس، ارتبط بإلغاء ما كان يتردد عن اعتبار قطاع العدل من رموز وزارات السيادة إلى جانب الداخلية والخارجية والشؤون الإسلامية. وبصفته الحزبية تلك أزيلت إحدى العقبات التي اكتنفت أطوار مفاوضات التناوب، قبل أن يتولى القطاع وزراء منتسبون.
التقيته آخر مرة في حفل سفارة دولة عربية، كان أقرب إلى الانزواء منه إلى الأكاديمي الذي كان مفتونا بالنقاش والجدل، ثم اختفى على طريقته وسط الازدحام رقما عاديا بلا قبعة حزبية أو أثر سياسي. هل كان ضحية بصيغة أخرى من بين الذين صنفوا أنهم من ضحايا حملات التطهير؟
عرفته عن قرب شغوفا بالمعرفة، تتملكه ثقة كبيرة في المستقبل. وعلى رغم حظه السيئ في كافة المنافسات الانتخابية التي خاض غمارها، فقد كانت له قدرة على التأقلم مع المتغيرات، لكنه بعد مروره من الوزارة أصبح إنسانا آخر، يرقب الأحداث عن بعد. وبعد مرور حوالي عقدين على ما عرف بحملات التطهير، فليس هناك غيره ممن يمكن أن يزيل النقاب عن ملابسات المرحلة. ذلك أن شهادته من خارج السباحة في البحر ستكون ذات قيمة فكرية، وإن أقر بأنه اضطر للسباحة ضد التيار.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة