الرأيالرئيسيةرياضة

حمام الشيكي

بعد صدور استعمال زمني جديد للحمامات التقليدية، يراعي حالة الإجهاد المائي التي تعرفها بلادنا بسبب الجفاف، اهتدى بعض سكان حي سباتة إلى مبادرة تضامنية مع العاملين في حمام تقليدي كان يدفئ أطرافهم، وطلبوا من صاحبه فتح «شباك» التذاكر في الأيام التي صدر فيها حظر الاستحمام، حتى يتمكن أبناء الحي من أداء تذكرة دون ولوج الحمام، من باب التضامن مع الكسالة والطيابة وحارس أمتعة المستحمين وغيرهم من المستخدمين، الذين يقتاتون من عرق الزبناء.

ذكرتني هذه المبادرة بمبادرة مماثلة لجمهور الكرة في زمن كورونا، حين كان المشجعون يشترون تذاكر افتراضية ويدفعون ثمنها دون أن يلجوا المدرجات المحظورة، ويبدو أن الملعب يبعث في الأجساد دفء الفرجة كما يبعث الحمام في الأجساد دفء الاسترخاء. وهما معا جزآن لا يتجزآن من الحياة الاجتماعية التي ميزت علاقتنا بهذه الفضاءات حتى حسبناها امتدادا لبيوتنا، واعتقدنا أن من يتقاسمون معنا صخب المكان هم أقاربنا وأعضاء في أسرتنا.

بسبب البرمجة الجديدة للحمامات التقليدية سقطت كثير من المقولات الجاهزة التي مجدت الحمام والمستحمين، تاه المثل الشعبي «دخول الحمام ماشي بحال خروجو»، و«لالة زينة وزادها نور الحمام»، لم تسقط هذه الأمثلة بالتقادم بل بسبب الإجهاد المالي وقبلها بوباء كورونا.

لكل منا حمام يفتخر به ويعتبره معلمة اجتماعية لا تكتفي بشفط الأوساخ بل بنسج علاقات إنسانية في دفء الفضاء. من منا لم يبدأ مشواره «الاستحمامي» وهو صغير السن بتدرج في حمام النساء مع والدته، قبل أن تنبهها الجارات إلى كبر سن الطفل ومعرفته بأسرار الجسد فيلتمسن منها الإحالة الفورية على حمام الرجال، كلاعب ناشئ انتقل من فئة عمرية إلى أخرى.

لقد حضر الحمام كفضاء مجالي في كتابات سوسيولوجية عديدة وفي أكثر من سيرة ذاتية، وافتخر أبناء المدينة القديمة بحمام الزيتونة، الذي كان من أشهر زبنائه المارشال قيبو وفرقته، بل إن الحمام الأعرق في المدينة القديمة تحول إلى فضاء للتعايش حين تسلل إليه أفراد من عائلات يهودية، كعائلة إلياهو ولوتيسيا، قبل أن تصبح أغلب الحمامات تحت وصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

يفتخر أبناء درب السلطان، وخاصة درب الحبوس ودرب ليهودي، بمتعة الاستحمام في حمام «الشيكي»، الذي يصنف في خانة التراث المعماري، ويوجد له توأم في درب غلف يحمل الاسم نفسه حمام «الشيكي»، ويرمز إلى الأناقة التي يصبغها هذا الفضاء على مرتاديه، على غرار حمام «الزاز» و«الفن» و«الطاووس» بحي سباتة.

ما يميز حمام «الفن» التاريخي، بحي سباتة، عن باقي حمامات المملكة، وجوده أسفل بناية مدرسة خصوصية، في تنزيل ميداني لمشروع «دراسة ونظافة»، بينما يجاور حمام «الراحة» القديم مؤسسة بنكية في انسجام تام بين «وسخ الدنيا» و«وسخ الأجساد».

مرت الأيام وتراجع الإقبال على أعرق مرافق الاستحمام في البيضاء، حيث صمد فيها «الكسالة» و«البرمة» والأقداح النحاسية و«السطل» الخشبي، ضد عاديات الزمن. فقد أصبح الإقبال على الحمام التركي موضة لا تكتمل إلا بنقل وقائعها في الحسابات التواصلية للمستحمين الذين قرروا القطع مع «الكيس» و«الصابون البلدي» و«الغاسول».

اليوم، ونحن نتحدث عن ترشيد استعمال المياه، لابد من الانتباه للمياه المسكوبة في مستودعات الملابس الخاصة بالفرق المغربية، والتساهل في سقي عشب الملاعب بالماء الصالح للشرب وغسل سيارات اللاعبين داخل الملاعب..

لكن يبدو أن غسيل الأموال يساهم بدوره في الإجهاد الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى