الرئيسيةسياسية

سلمت لممثلتين عن جمعية «فرنسا/الحريات» لائحة الأسرى الذين أعدمهم البوليساريو ومجهولي المصير فأدمعت عيونهما

مانسيناكش عبد الله لماني (معتقل سابق في سجون البوليساريو):

حسن البصري

ماذا حصل بعد انتهاء المهلة التي حددها المحققان؟

في اليوم الموالي كنت أنتظر دعوة من حارس السجن للالتحاق بمكتب التحقيق، هيأت نفسي للقادم، لكن لم يقع شيء، وتوالت الأيام دون أن يحصلوا على أي شيء. بعد حضور مسؤولين جزائريين للتحقيق معي أقنعتهم بأن لا يد لي في طبع الكتاب، وأن صورتي وضعت على الغلاف لكوني من الأسرى المدنيين. الكتاب كان يحمل رقمي المكتوب بخط يدي ولم ينتبهوا إليه، والخرائط المرسومة داخل الكتاب هي بخط يدي. كانت فرحة العمر صدور كتاب لي بالمغرب عن حياتي ومعاناتي، لم أشعر بها عند إطلاق سراحي ولا عند ميلاد ابني وابنتي. في يوليوز 2002 جاءت الرسائل ووزعت على الأسرى، ولم أتوصل بأية رسالة. في الغد نادى علي امبارك وقال لي: جاءتك رسالة، فقلت إنني لم أستلمها، فأمدني بها، فإذا هي من الطبيب الفرنسي الذي أعطيته مسودة الكتاب الوحيد الذي خرج من السجن.

كيف أبعدت عنك تهمة الكتابة؟

سألني علي امبارك، مرة أخرى، عن علاقتي بالكتاب وكيف تمكنت من تسريب سطوره إلى الخارج عبر طبيب تابع لهيئة الصليب الأحمر الدولي. أنكرت طبعا وقلت له متسائلا: «كيف لأسير مثلي قضى أكثر من عشرين سنة في المحن أن يمتلك أسلوب السرد وأن يحفظ القواعد ويستحضرها ويجيد الخط ويذكر الوقائع التي مرت منذ عقدين من الزمن؟ ثم أنا لا أملك مستوى، إضافة إلى المراقبة الدقيقة التي خضعنا لها، ولا أتوفر على وسائل الكتابة. أنكرت التهمة التي التصقت بي، وما شجعني أكثر على السير في طريق الإنكار أن المحققين لم يمارسا علي أي عنف، لأنهما كانا يعرفان أن الكتاب بلغ درجة عالية من الانتشار، لكن التحقيق استمر إلى حدود الساعة الخامسة صباحا، حيث طلب مني علي امبارك العودة إلى السجن، على أن أعود إلى المكتب نفسه في اليوم الموالي لاستئناف التحقيق، واشترط علي كتم ما دار في جلسة الاستنطاق مع تجديد عبارات الوعيد نفسها.

متى انتهى الاستنطاق؟

ظل حارس السجن يأمرني بالالتحاق كل مساء بمكتب التحقيق، وكنت أقضي فيه ساعات من الاستنطاق، لآخر مرة سألني: «في نظرك من سرب هذه المعلومات؟»، قلت له لا أعلم، قد يكون أسير مدني أو عسكري أفرج عنه في السابق، وقد تكون جهات أخرى تريد أن تصنع كتابا مما قاله المفرج عنهم حين عادوا إلى الوطن. المهم في كل جلسة استنطاق كنت أجد مخرجا، وفي آخر مرة سيطلب مني المحقق كتابة التزام وتعهد بخط يدي بكوني بريء مما كتب في السيرة الذاتية وأنني لست كاتبها، فقد ظل يملي علي ما أقر به بخط يدي، بعد أن ناولني قلما وورقا، حتى توقيعي غيرته وكذا خطي. أذكر أنه، حين ناولته التعهد المكتوب، حاول انتشاله مني بقوة فتمزقت الورقة، وطلب مني إعادة كتابتها من جديد. بعد ذلك تقرر وضعي تحت الحراسة النظرية وصدر قرار بمنعي من مغادرة السجن وعدم إخراجي ضمن الأسرى للاشتغال خارج المعتقل.

كيف كان التعامل مع جمعية «فرنسا/ الحريات»؟

في ماي من سنة 2003، حلت فرنسيتان ممثلتان لجمعية «فرنسا/ الحريات» بسجن الرابوني، كان يصطحبهما مسؤول أمني قدم لنا السيدتين، وابتعد المسؤول تاركا الفرنسيتين رفقة مغربي أسير أصبح عميلا للبوليساريو ينقل لهم تقارير يومية. بعد أيام طلبت الفرنسيتان لقائي، فصرحت لهما بأنني واحد من أربعة عشر مدنيا مختطفا، وأن هناك جنودا مغاربة كانوا معتقلين داخل سجن بوغار الجزائري، وأعطيتهما أسماء بعضهم. خيرتنا الفرنسيتان بين تسجيلنا أو كتابة حقائقنا، فاخترت التسجيل، فبدأت إحدى الفرنسيتين تبكي ووعدتني بأن توصل حقيقتنا إلى الرأي العام الدولي.

ستنشر هذه الحقائق في تقرير الجمعية..

أعطيت الفرنسيتين لائحة المعدومين التي تضم رقم الصليب الدولي إن توفر أو الرقم العسكري للعسكريين وهوية القتلى، وهي اللائحة التي تم نشرها ضمن تقرير الجمعية سنة 2003 بها 142 معدوما مدنيين وعسكريين. أعطيتهما، أيضا، رسما خرائطيا لمقبرة جماعية قرب سجن الرابوني بها 45 مغربيا بلوائح وأسماء المعلومين وعشر مقابر مجهولة. تطوعت حينها لبناء «الشواهد» الخاصة بالقبور، بعد أن عزمت الجبهة على وضع مقبرة بمواصفات تقيها الانتقادات الدولية، وبعد أن شاع خبر دفن الجثث في أماكن مختلفة من التراب الجزائري. وأؤكد أنه لو قامت الأمم المتحدة بجرد لباطن التراب الجزائري، حيث معاقل البوليساريو، لعثرت على الآلاف من الجثث، ولو حاول الجزائريون إخفاء الجثث لن يستطيعوا بحكم جهلهم بأماكنها، وبحكم أن عمليات الدفن، التي كان ينفذها المغاربة الأسرى تحت الحراسة الأمنية، كانت فوضوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى