طقوس سلا عندما كان يحكمها القراصنة
تقاليد اقتسام الغنائم وامتلاك العبيد الأوروبيين

يونس جنوحي
«لم يكن منزل في سلا يخلو من الأسرى الأوروبيين.. حتى أن نساء مدينة سلا كن يفتخرن بالعبيد الذين يتولون مهمة تدريس أبنائهن أو تعليمهم الحرف المزدهرة في أوروبا.
بعض عائلات سلا، كانت تبيع العبيد المتوفرين لديها إلى مكناس، عاصمة المغرب في القرن السابع عشر، حيث كان قصر المولى إسماعيل. وحتى في عهد ابنه محمد الذي جلس على العرش بعد 1727، كان الأسرى الأوروبيون لا يزالون يستعملون في السخرة والترفيه..
كانت تقام اجتماعات لتوزيع الغنائم على سكان سلا من البحارة، وكان هناك مجلس خاص يتولى العملية. حدث كل هذا وصحف العالم تكتب: إن سلا وسكانها يعيشون خارج القانون!».
مغامرات بحارة سلا بعيون أمريكية
القنصل الأمريكي السيد «إدموند هولت»، الذي اشتغل في المغرب إلى حدود سنة 1909، أحد أبرز الدبلوماسيين الأجانب الذين أعجبوا بمدينة سلا. لم يكتف بزيارتها فحسب، بل كتب عنها بحس صحافي – فقد كان صحافيا لامعا قبل أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي للولايات المتحدة، نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين- وتناول تاريخها برشاقة لغوية قلما توفرت لدى المؤرخين الذين تناولوا تاريخ سلا، وعلاقتها «الجدلية» مع الرباط.
كتب الدبلوماسي «هولت» في مذكراته «أرض الغروب»، متحدثا عن سلا:
«يعج التاريخ بحكايات وحقائق مختلفة، مثيرة للاهتمام، عن المدينتين التوأم، الرباط وسلا.
واحدة من هذه الوقائع، أن سلا كانت موطنا لقراصنة سلا الأسطوريين الذين بثوا الرعب في قلوب أوروبا المتحضرة، قبل قرون خلت. والذين بعد إزعاج بعض منهم لبحارة من بلاد «العم سام» لفترة من الوقت، راكموا غنائم تقرب قيمتها من 10 آلاف جنيه إسترليني، ونجوا بفعلتهم من العقاب. تخيلوا أن الولايات المتحدة الأمريكية تدفع مبلغا يعادل ثمن قطعة أرض تقع في الزاوية، في قلب شيكاغو، حتى تسمح سفينة محملة بقراصنة من ساحل البربر، بمرور شحنة سفينتنا ويتركونها وشأنها!
بطبيعة الحال، فإن أنشطة الشحن في ذلك الوقت كانت بوتيرة أقل مما هي عليه اليوم، لكنها لم تتغير كثيرا!
بالعودة إلى موضوع القراصنة. فقد كانوا قراصنة حقيقيين، وقد كانوا يفرضون جزية على كل من يصادفونه في طريقهم. لقد غرقت سفن إنجليزية وإسبانية وبرتغالية عديدة قبالة السواحل المغربية، بعد أن نُهبت كنوزها، وقُتلت أطقمها وركابها أو وقعوا في الأسر، وهو المصير الذي يبقى أسوأ من الموت.
يؤكد «روبنسون كروزو» أنه وقع في الأسر في سلا. بينما الأسرى المسيحيون كانوا في ذلك الزمن قلقين، بشأن مصيرهم بين قبضة قراصنة سلا.
بعد أن يقضي الواحد منهم عشرين أو ثلاثين عاما، من العمل بجد في مزاولة بعض المهام الخفيفة مثل تكسير الحجارة، لبناء سور سلا، أو حفر الخنادق حول محيط مدينة الرباط، تتم مكافأته بأن يُدكّ حيا، بعناية، في الطبقة العليا من قوس بوابة المدينة، حتى يتمكن المؤمنون الحقيقيون من الوقوف وتأمل مكانه في أعلى السور مرددين: «كان نصرانيا صالحا. لقد أبدعت أنامله نقوشا بارزة رائعة».
كان الدبلوماسي الأمريكي «هولت» قد اطلع على أرشيف القنصلية، الذي كان يتوفر على مراسلات من الشركات الأمريكية، إلى القناصلة الذين سبقوه إلى المغرب. وفي مجملها شكاوى بخصوص الأنشطة البحرية لقراصنة سلا، والتي كانت تعود إلى القرن الثامن عشر. فقد كانت سلا موضوع شكايات أمريكية كثيرة، إلى المولى محمد الرابع. هذا السلطان العلوي، استطاع في الأخير أن يقنع قراصنة سلا بألا يعتدوا على السفن الأمريكية، خصوصا بعد إبرام المغرب اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة. والمثير أن هؤلاء القراصنة التزموا فعلا بالاتفاق، رغم أن المخزن لم يفلح في احتوائهم إلا في مناسبات قليلة. إذ عندما تعلق الأمر بأنشطة القرصنة في مواجهة السفن الفرنسية، لم يلتزم القراصنة في عهد المولى إسماعيل بالاتفاق المبرم بينه وبين لويس الرابع عشر، وأعلنوا استمرار أنشطة القرصنة، رغم أن أغلب رياس البحر في ذلك الوقت كانوا مطيعين للمولى إسماعيل، ومنفذين لسياساته.
لقد كتب هؤلاء البحارة أو القراصنة تاريخ سلا، وجعلوا مراحل أنشطتهم «أسطورية» فعلا.
كيف تكونت أشهر مدينة للقراصنة عبر التاريخ
كل البحارة الأوروبيين كانوا يخافون قراصنة سلا. حتى لو كانت السفن حديثة ومزودة بعدة للدفاع، كان هاجس قبطانها ألا يقع في قبضة القراصنة.
لكن أولا، كيف تكونت «جمهورية القراصنة» الشهيرة.
في سنة 1609، كان الإسبان قد أصدروا قرار الطرد في حق مسلمي مدينة «بلنسية».
زعم الإسبان أن المسلمين المطرودين كانوا ينشطون في تزوير وضرب العملة الإسبانية. وبعض المهاجرين غادروا إسبانيا طواعية، مخافة أن يطالهم العقاب من وراء التهمة الثقيلة التي تتعلق بالتزوير.
استقر الفارون والنازحون في ضاحية الرباط، وكانوا في البداية، في سنة 1609 دائما، يخضغون لحكم القائد التابع لسلطة المخزن. لكن في سنة 1614، تقرر أن يؤسسوا جمهورية أبي رقراق المستقلة تماما عن سلطة الرباط.
في عهد الدولة السعدية، لعب مواطن سلاوي، اسمه العياشي، دورا كبيرا في وضع أسس سلا المستقلة.
وتقول بعض كتب التاريخ إن العياشي في بداياته حارب القراصنة، وإن جل بحارة جمهورية أبي رقراق، التي سُميت لاحقا جمهورية القراصنة، والتي اتخذت من سلا معقلا لها، كانوا يخرجون إلى عرض البحر ويشتغلون لصالح أنفسهم ويحصدون الغنائم مباشرة من السفن، بعد الاستيلاء عليها.
وقد جاء في التاريخ الوسيط وصف دقيق لأنشطة القراصنة: ».. وكانوا يعطون عشر مواردهم وأسراهم إلى السلطان زيدان الذي كان معجبا بنشاطهم، حتى لقد فكر أن يعهد إلى أحدهم، وهو يوسف بسكاينو، بقيادة تافيلالت أو السودان، ثم رغب أن يستفيد من مواهبهم العسكرية، فجند منهم كما تقدم حوالي أربعمائة لمحاربة أبي حسون، ولكنهم رفضوا التجنيد في حملة ثانية، وعمدوا إلى قائد سلا فقتلوه سنة 1624، حتى إذا أصبحوا سادة البلد، طردوا سكانه الأصليين، وكونوا مجلسا سموه بالديوان، وعينوا حاكما ينتخب لمدة سنة. وكانت انجلترا أول من اعترف بالجمهورية الجديدة، مما جعلهم يحررون أزيد من 190 أسيرا إنجليزيا. وكان دور الحرناشيين كما سلف، بارزا في نشاط هذه الجمهورية. وقد رحب العياشي بثورتهم على السلطان زيدان، بينما ساعدوه من جهتهم على مهاجمة الاسبان مدة، ثم ملوا مواصلة الحرب إلى جانبه، واختاروا البقاء مستقلين.
وفي سنة 1630 توصل الحرناشيون والأندلسيون إلى اتفاق يقضي بأن يقطن القائد المنتخب القصبة، وأن ينتخب كل من الطرفين نصف أعضاء الديوان، على أن يجتمعوا كافة بالقصبة».
مشاهدات من سلا تعود إلى أكثر من 3 قرون
إلى حدود سنة 1783، كان كل من الأمين قاسم بن القاضي، والحاج محمد المريني، والحاج محمد زنيبر، وعبد الله العسري، والأمين الحاج عبد العزيز عواد يشكلون لجنة تتولى مهمة تفريق الغنائم المحصل عليها من جهاد البحر.
وهؤلاء الأمناء كانوا فوق أن يُطعن فيهم وفي مصداقيتهم، وكانوا يُعتمدون للفصل في النزاعات بين البحارة.
هؤلاء الرؤساء كانوا لا يتوفرون فحسب على وقار القضاة في المدن الأخرى، بل كانوا خبراء بعالم البحر، ومروا من مختلف الرتب في السفن، قبل أن ينالوا لقب «الرّايس».
كان كل واحد من هؤلاء، عندما يخرج من داره في قلب مدينة سلا، متجها صوب المرسى، يقام له من المجالس، ويخرج الناس لتحيته، وقد يعرض عليه أصحاب المظالم شكاويهم، ويحل نزاعاتهم بشأن القوارب والأدوار في ركوب السفن التي تخرج إلى عرض البحر لأربعة أشهر أو ستة أشهر، قبل أن تعود محملة إلى سلا.
كان هؤلاء الرؤساء يضطلعون أيضا بمهمة غاية في الحساسية، وهي توزيع أجور البحارة.
لقد كان السلاويون يعيشون وفق نظام يميزهم عن بقية سكان المغرب. فقد كان كل من يشتغل في نشاط البحر، يحصل على أجرة منتظمة، يتولى هؤلاء الرؤساء توزيعها، في إطار لجنة. وهذه اللجنة، عُرْف سلاوي خالص يعود إلى بداية تأسيس الدولة المغربية.
البحارة الذين كانوا يخرجون لجهاد البحر، كانوا يحصلون سنويا على كسوة. وهذه الكسوة تتألف من ألبسة تقليدية، بالإضافة إلى ريالين اثنين، وقطع من الثوب، ينالها المواطن السلاوي، وتتباين أعدادها حسب فارق السن بين البحارة.
ولتجنب أي خلافات أو نزاعات أثناء عملية التوزيع، كانت لجنة «الروايس» تتولى عملية التوزيع التي يستحيل أن يعترض عليها أحد من البحارة، تقديرا وتوقيرا لرؤسائهم.
وفي بعض المناسبات، توزع الأسلحة أيضا ضمن المؤونة السنوية للبحار، حسب الحاجة. إذ كان هؤلاء الرؤساء يزودون رجالهم بالسكاكين والسيوف، والبنادق في بعض الأحيان، ليس لتوفير الحماية لهم وحسب، ولكن أيضا لشن الغارات ضد السفن الأخرى.
لقد كان تبادل اعتقال الأسرى عرفا سلاويا، ولم تكن دار في سلا تخلو من الأسرى. لذلك كان بعض البحارة أثناء الغارات على السفن الأجنبية يعتبرون الأمر مسألة شخصية، وينتقمون من الإسبان والبرتغال والفرنسيين، لأن هذه القوى الأوروبية لديها أسرى مغاربة أيضا، من أقربائهم وذويهم.
أرشيف مدينة سلا، ظل متوارثا لبعض العائلات السلاوية، من أحفاد هؤلاء الرؤساء، مثل الرئيس العياشي العسري، الذي وجد ورثته في سلا سجلات كان يدون فيها تفاصيل الغارات التي كان يقودها في عرض البحر، وجردا كاملا بأسماء البحارة الذين اشتغلوا معه، وتسجيلا مدققا لقيمة ما كان يحصل عليه من السفن، وأعداد الأسرى الأجانب الذين وقعوا في قبضته إلى حدود سنة 1804..
وبعد هذه الفترة، بدأ الخفوت يتسلل إلى أنشطة قراصنة سلا، لتصبح طقوس توزيع الغنائم، وتقسيم البحارة، تقاليد اندثرت باندثار الجهاد البحري.
تقاليد بحارة سلا المنقرضة وطقوس اقتسام الغنائم
المؤرخ والأديب المغربي جعفر بن أحمد الناصري، أحد أبناء مدينة سلا الذين انشغلوا بتاريخها. ورغم أنه ينتمي إلى الجيل الذي شهد أفول مجد القراصنة سنة 1893، إلا أنه وجد أجداده لا يزالون يرددون حكاية آبائهم القراصنة، وغزواتهم وجهادهم في عرض البحر ضد السفن الإسبانية والفرنسية والبرتغالية، وحتى الأمريكية.
ترك الأديب جعفر بن أحمد الناصري مخطوطا نادرا، حققه وريثه في البحث العلمي، يصف فيه أجواء سلا وأنشطة القراصنة، عنوانه: «سلا ورباط الفتح.. أسطولهما وقرصنتهما الجهادية»، وهو أكبر من أن يوصف بمرجع عن سلا، بقدر ما يوثق للمدينة وتاريخها في أجزاء وافية، تطرقت إلى تاريخ سلا بالتفصيل.
من بين أقوى مضامين ما جمعه الناصري عن قراصنة سلا:
«كانت الغنائم التي يأتي بها القراصنة السلاويون الرباطيون كثيرة غزيرة مستمرة، ومتجددة بتجدد الخروج إلى البحر والجولان في السواحل الأوروبية وجزر البحر الأبيض المتوسط.
وقد استغنى أهل العدوتين منها، وجمعوا ثورة طائلة من المال العيْن والثياب والأثاث والرياش والطُّرف النفيسة والحلي والأقوات والمواد الحربية والرقيق الذي كانوا يستعبدونه إلى أنْ تضع الحرب أوزارها، فإما منّاً بعد أو فداء.
حدَّث بعض من كتب في القرصنة السلاوية الرباطية من الأوروبيين في مذكرة من مذكراته سنة إحدى وثلاثين وستمائة وألف1631 أنهم أخذوا في ظرف عشر سنين ما يزيد على ألف سفينة تجارية من دول مختلفة.
وقدّر رازلي (Razilly) أن غنائم القرصنة السلاوية الرباطية بلغت سنة ست وتسعين وستمائة وألف 1696 خمسة عشر مليون ليرة (15.000.000)، وستة آلاف
أسير، ثلُثاهُمْ فرنسيون، وذلك في ظرف عشرين سنة.
وكان الرئيس الواحد يخرج مرة أو مرتين في السنة غازيا في البحر، فيسوق أمامه السفينتين أو الثلاث أو الأربع في دفعة واحدة، وكلها تزخر بالسلع والأموال والرجال والمواد الحربية.
وجرت العادة في ذلك العهد أن يُحتفل بكل سفينة رجعت سالمة غائمة من غزوها وجهادها يوم دخولها إلى المرسى، فيخرج الناس للقاء بحارتها ورؤسائها، وتُعرض أسراها في معرض خاص، حسبما تقدم بيانه مفصلا في «فصل استقبال السلاويين والرباطيين للأساطيل إذا رجعت بالمغانم»، ثم تُخمّس وتُقسَم.
وكانت لا توجد دار من دور العدوتين في ذلك العهد، إلا وفيها رقيق أوروبي، فيستخدمون النساء داخل البيوت حظايا وسرايا، فيصرن أمهات أولاد، ينجبن الأولاد والبنات.
ويستعملون الرجال غالبا في القيام بالأعمال الخارجية، كالبناء وما يترتب عليه من الأعمال والخدمة في الأجنة والبساتين وغير ذلك.
وقد عم الرقيق في ذلك العصر الحواضر والبوادي، فكان يُباع ويُشترى في أسواق المدن الكبرى، وحتى في المداشر والقرى.
وكانت الغنائم يُؤتى بها إلى العدوتين السلاوية والرباطية، أو إلى مرسى من المراسي القريبة منها، ويقع القسم فيها، وتُباع للمغاربة، وربما بيعت سلعها حتى للنصارى المقيمين تجارا بالعدوتين.
وأما الأسرى، فكانوا يُباعون في أسواق خاصة بهم، يُقال لها البركة، بسكون الراء، بواسطة السماسرة المختصين بهذه الحرفة، حسبما بينا محل بيعهم بالرباط وسلا، في ما تقدم.
وأما كيفية القسم في عهد القرصنة السلاوية الرباطية الأولى فهي: عشرة في المائة للحكومة أو للديوان، وخمسون في المائة لمجهز السفينة والرئيس ليعوض ما أنفقه، ويُعيد التجهيز مرة أخرى. وخمسة وأرباع في المائة من المجموع للبحارة».
هكذا اكتسبت «عاصمة القراصنة» سمعتها المرعبة لأوروبا
صدر في دورية «المستكشف» The Explorer، في سنة 1952، مقال مطول عن تاريخ مدينة سلا، واعتبرها أقدم مدن العالم احتواء للقراصنة، وآخر معاقل القرصنة البحرية في القرن التاسع عشر.
المقال يحمل إشارات بطريقة «فلاش باك»، من جولة الباحث البريطاني، «د. برنارد. ن»، وهو أحد أعمدة المجلة ومؤسسيها، في أزقة مدينة سلا. والمقال صدر لاحقا في كتابه الذي يعتبر مرجعا مهما في دراسات شمال افريقيا في جامعة «كامبريدج»، عنوانه «Morocco Today».
بدأ مقال «المستكشف» بوصف مدينة سلا في منتصف خمسينيات القرن الماضي، باعتبارها أولا معقلا للحركة الوطنية المغربية المناهضة للحماية الفرنسية. ثم انتقل وهو يتجول بين أزقتها إلى سرد تاريخها، وكيف استطاع قراصنتها فرض أنفسهم فوق الخريطة:
«القرون الأولى من تاريخ المدينة كانت عادية بما فيه الكفاية. تأسست المدينة عندما كان «إيدوارد»، المجاهر بإيمانه بالنصرانية، يبني كنيسة «ويستمينستر». ولطالما كان ميناؤها مزدهرا لزمن طويل.
وعندما جاءت القافلة الطويلة من الجِمال حاملة ثروات إفريقيا إلى ساحل المحيط الأطلسي، ها هي سلا تتورط في الحروب الإسبانية.
والمرور من هذه الحروب إلى ممارسة القرصنة كان خطوة سهلة.
قراصنة سلا كانوا «بلاء» ضرب البحار. وبجرأتهم ووقاحتهم الهائلة، داهموا حتى القناة الإنجليزية. قُصفت المدينة أكثر من مرة. في إحدى المرات، نزل الإسبان من سفنهم واحتلوا المكان. لكن النصارى كانوا يكرهون بعضهم البعض أكثر مما كانوا يخافون القراصنة. ولم يكن هناك أي تنسيق أو تعاون في ما بينهم، خلال عملياتهم الانتقامية.
في الواقع، لم يكن من غير المألوف أن يقبل البحارة الإنجليز الخدمة مع قراصنة سلا بغرض توجيه ضربة إلى إسبانيا.
هناك مزاعم مفادها أن الإنذار الأول للأسطول الإسباني، قد أعطي من طرف سفينة للقراصنة من سلا، وحدث أن كان ربان السفينة إنجليزيا.
في تلك الحقبة، حققت القرصنة أرباحا ضخمة. ومن الواضح أنها كذلك أيضا في الوقت الحالي، على الرغم من أن أشكالها صارت أقل بدائية.
في سنة 1627، كانت سلا في الحقيقة متحدة مع الرباط، وصارت مملكة مستقلة. وكانت أنشطتها تُمارس من طرف آلاف النازحين من إسبانيا، والذين أحرقوها انتقاما.
الغنائم الكبيرة كانت تُحضر إلى المرفأ. وتقام أسواق مزايدات لبيع الأسرى النصارى عبيدا، فوق الأرصفة. أخذ مواطنو سلا مهنتهم على محمل الجد، حتى أنهم أسسوا مدرسة للقرصنة!
على الرغم من ذلك، وكما في أفلام هوليوود التي ينهزم فيها الشر، فإن غنائم الجريمة لا تدوم -على الأقل ليس للأبد-.
بدأ النصارى المنهزمون يحاربون بدورهم، وحلت مناسبات عصيبة لم يعد فيها قراصنة سلا هم الخاطفين، بل غدوا هم الأسرى والسجناء.
في أوقات عصيبة مثل هذه، لم يكن صعبا على الرباط أن تنفصل عن حكم سلا، وأصبحت المدينتان كلاهما في منطقة نفوذ السلطان.
في سنة 1765، انزعج الفرنسيون جدا عندما حدثت مسلسلات جديدة من الاعتداءات، وكان قصفهم الانتقامي لمخبأ القراصنة محبطا. تبعهم الإنجليز، وكان هجومهم حاسما. مع نهاية القرن أصبحت المهنة القديمة منقرضة تقريبا.
إن دفن المرفأ لوحده كان ليقضي على التجارة، والأمر نفسه تسببت فيه المقاولات التجارية التي كان وضعها القانوني سليما».
لم يتمكن الأجانب من إخضاع سلا، وإنهاء أنشطة القرصنة إلا بعد أن تغيرت مجريات كثيرة في السياسة المغربية،
وأصبح واقع الأمر يفرض على المغرب عقد صفقات تجارية وإبرام الهدنة مع إسبانيا والبرتغال، البلدين اللدودين اللذين ذاقا ويلات قراصنة سلا، قبل أن تحل الهدنة، وتفرض مقتضيات السياسة الدولية قانونها في المتوسط، والمحيط الأطلسي.
تجربة أسيرة مع بحارة سلا تعود للعام 1731
يعود الفضل في اكتشاف مذكرات الأسيرة الهولندية «ماريا تير ميلتن» إلى الباحث المغربي ذ. بوشعيب الساوري.
هذه الأسيرة التي سقطت بين أيدي قراصنة سلا، في عرض البحر سنة 1731، وبقيت أسيرة إلى حدود 1743.
المذكرات تحمل عنوان: «اثنتا عشرة سنة من الاستعباد»، وتحكي فيها ماريا الهولندية، عن مدينة سلا، ومشاهداتها ومغامراتها مع السلاويين، سواء تعلق الأمر بالقراصنة الذين اعتقلوها في عرض البحر، أو العائلات السلاوية التي تعرفت عليها عن قرب، أو حتى أجواء القصر في ذلك التاريخ، فقد كانت هي وزوجها يعملان لدى السلطان المولى محمد بن المولى إسماعيل، وحاشيته.
ينقل لنا ذ. بوشعيب الساوري ما كتبته عن تجربتها مع قراصنة سلا، وكيف تم اقتيادها إلى قصر مكناس، لتكشف بذلك واحدا من أكبر الأنشطة التي مارسها قراصنة سلا، وهي تزويد عاصمة المغرب بما يكفي من الأسرى لاستعمالهم كخدم، سواء في القصر الملكي، أو في مرافق المدينة:
«كنا بخير نسبيا، ولم نكن محرومين من أي شيء تقريبا. وظللنا هناك إلى غاية 10 غشت 1731، حين ذهبتُ في صباحه إلى القبطان الذي أعطاني كيسا ضخما من الملابس وفراشا صوفيا وغطاء قطنيا وحاضن ربع من النبيذ الأحمر، وزوجا من الأقراط، وصليبا من حجر مزيف وحليا أخرى رخيصة..»
تصف ماريا نوعا من «حسن المعاملة» الذي تلقته من قراصنة سلا، خصوصا وأنها أمضت فترة قصيرة في منزل لأسرة سلاوية، وأشارت إلى اشتغال بعض أعيان المدينة مسؤوليها، بمن فيهم باشا المدينة، ببيع الأسرى. سيما وأن الجهة الأولى التي كانت تطلب الأسرى من سلا، وتدفع مقابل الحصول عليهم، القصر الملكي في مكناس.
وتحكي عن أجواء انتقالها، وكيف تم التعامل معها:
«كنتُ في ريعان شبابي، ولم أكن قبيحة، وكنتُ أبدو أصغر من سني، وهو ما دفع رئيس معشر الأسرى الهولنديين إلى الاعتقاد بأنني فتاة تبلغ من العمر 14 سنة، بينما كان عمري حينها 27 سنة. لأنه قال لزوجي:
- من هذه الفتاة الصغيرة؟
وحين أجابه زوجي بأنني زوجته، وجد الأمر باعثا على الاستغراب».
من بين أقوى المحطات التاريخية، التي أثرت على أنشطة قراصنة سلا، المجاعة الرهيبة التي عاشها المغرب، وكانت ماريا وقتها أسيرة في مكناس، وعاشت نصيبها من الأزمة:
«خلال حكم هذا الملك اجتزنا فترة غلاء يرثى لها، امتدت من سنة 1737 إلى يونيو 1738. قضى خلالها 48 ألف نفر، بسبب اشتداد الجوع. وكان الأحياء يفترسون الأموات، بل أكلت الأمهات أبناءهن. ولم يتبق لا كلب ولا قط، الكل تم أكله. كما أن الناس يُخرجون عظام الحيوانات من الأرض ويسحقونها بين قطعتي حجر، ويبتلعون دقيقها مع جرع من الماء. كما أكل الناس إسمنت الحيطان والتبن، كما البهائم، بسبب انعدام العشب.
كان يتلقى أسرى الملك كل يوم عوض الخبز، بعض الحفنات من الزيتون مكسوة بقشورها المنكمشة، بعد أن استخلص منها الزيت. البيت الملكي وحده لم يكن به خصاص في الطعام، فلم يمت الناس فيه جوعا. وعلى الرغم من أنه كانت تصل من بلدان النصارى سفن بالمئات محملة بالقمح، لكن ذلك لم يقدم شيئا كثيرا بالنسبة إلى المدينة الملكية، لأن قوافل الملك وقوافل سكان المدينة كانت تتعرض للنهب من قبل البدو المتمردين على الملك. بحيث عظم الغلاء في مدينة مكناس أكثر من أي مكان آخر. وكنا مجبرين في تلك الأثناء على دفع دكوتين لشراء عشرة أرطال من حبوب القمح، وكنا لا نحصل عليها دائما، والمواد الأخرى كانت على غرار ذلك. كما أن الناس لم يكونوا يتوفرون على المال».





