شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

عندما تخوفت أمريكا من اجتياح الشيوعية للجامعات المغربية

في تقرير سري أمريكي عمره 67 سنة يُنشر لأول مرة

«عندما اكتشفنا أن الطالب المغربي الذي تتحدث عنه الوثيقة التي ننفرد في «الأخبار» بنشر مضامينها لأول مرة، لا يزال على قيد الحياة، ارتأينا ألا نضع ملحا على الجروح القديمة، وألا ننشر اسمه كاملا.

إذ إن الوثيقة تكشف أن الطلبة اليساريين كانوا يتجسسون على بعضهم البعض. واحد من هؤلاء، كان متحمسا وهو يتحدث في أبريل سنة 1957، مباشرة بعد عودته من رحلة إلى الولايات المتحدة، حيث شارك في منتدى للشباب، عن رحلة تنظمها روسيا صيف تلك السنة لصالح 150 طالبا مغربيا يدرسون في باريس.

الأمريكيون اعتبروا هذه المعلومة التي باح لهم بها هذا الشاب، والذي لم يكن يدري أنه يجلس مع عملاء سريين مهمتهم نقل التقارير عن أنشطة الروس في المغرب، غاية في الأهمية، بل صنفوها أنها أقوى تنبيه توصلوا به في ذلك الوقت».

++++++++++++++++++++++

 

طالب مغربي في قلب زوبعة التجسس بين الأمريكيين والروس

التاسع عشر من أبريل سنة 1957، عاد طالب مغربي من نيويورك التي حضر فيها مجريات منتدى «هارليم تريبيون» للشباب، والتي دامت ثلاثة أشهر ونصف الشهر.

حاول موظفون من السفارة الأمريكية أن يتقربوا من هذا الطالب عند عودته إلى الدار البيضاء، لاستخلاص معلومات منه بخصوص الطلبة المغاربة، الذين يستعدون للذهاب إلى روسيا في رحلة مشابهة.

توجد بين أيدينا وثيقة رُفعت عنها السرية، من أرشيف وثائق أمن الدولة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، والتي حصلت عليها عن طريق مصالح الخارجية الأمريكية عن طريق موظفيها في الدار البيضاء.

الوثيقة تحمل الترقيم التالي: 771.001/4-1957، وتحمل معلومات عن الشاب المغربي الذي كان اسمه «محمد. س»، والذي عاد لتوه من الولايات المتحدة الأمريكية، وتقول إن الأمريكيين التقوه في جلسة أخبرهم فيها أنه منبهر جدا بالأشهر التي قضاها في نيويورك، وأعجب بإيقاع الحياة الأمريكية، وأنه ينوي العودة إلى أمريكا لدراسة الاقتصاد أو الأعمال في جامعة كولومبيا.

لكن الأمريكيين الذين كانوا معه في تلك الجلسة – لم يُذكر عددهم تحديدا في الوثيقة- لم يكونوا مهتمين بقصته وإعجابه ببلادهم، بقدر ما كانوا يريدون أن يصلوا معه إلى نقطة سفر أصدقائه الطلبة في بعثة دراسية إلى روسيا.

جاء في الوثيقة ما يلي – وننقل هنا ترجمة حصرية إلى العربية لأهم فقرة من فقرات الوثيقة: «في طريق عودته من أمريكا توقف لأسبوع في باريس، والتقى الطلبة المغاربة في دار المغرب في المدينة الجامعية، ووجد أن عددا منهم يستعدون للذهاب في رحلة روسيا، تُنظمها لصالحهم السفارة الروسية في باريس، ويُخطط تنظيمها في يوليوز من هذه السنة، ومُدتها شهران، لفائدة 150 طالبا مغربيا».

هذه المعلومة ما كان ليحصل عليها الأمريكيون، لولا هذا الطالب المغربي حينها.

بعد نقل المعلومات التي باح بها هذا الطالب الذي كان «متحمسا» للغاية، أثناء تعامله مع الأمريكيين، علق الموظف الذي نقل التقرير بالقول إن توقعات هذا الطالب قد تكون خاطئة، فقد توقع ألا يتم استقطاب هؤلاء الطلبة من طرف السوفيات، وأن الأمر يتعلق بمجرد رحلة ثقافية سوف يعودون منها ولن يهتموا كثيرا بمسألة التعامل مع الروس.

الآن، هل كان فعلا هؤلاء الطلبة المغاربة في باريس مستقطبين من طرف الاتحاد السوفياتي؟ هناك شهادات كثيرة في عدد من المذكرات والدراسات عن مسار الطلبة المغاربة في «دار المغرب»، خصوصا الطلبة الذين صاروا لاحقا مسؤولين ووزراء عند عودتهم إلى المغرب. هناك جيل كامل من الطلبة اليساريين المغاربة، الذين مارسوا العمل السياسي في المغرب حتى قبل سنة 1957، وجلهم كانوا معارضين شرسين، ومنهم من قضوا فترة في السجون على خلفية آرائهم وأنشطتهم السياسية. لكن المُلاحظ أن هؤلاء كانوا أصدقاء لليسار الفرنسي وليس للشيوعية، وكان لديهم أصدقاء فرنسيون وليس من روسيا.

وهكذا فإن الأمريكيين عندما تجسسوا سنة 1957 – وقبلها بطبيعة الحال- على الطلبة المغاربة، عن طريق الإفادة التي تقدم بها هذا الشاب، فقد كانوا في الحقيقة متخوفين من وجود مستقبل سياسي بين هؤلاء الطلبة والشيوعية بعد عودتهم من روسيا، في حين أن العلاقة الوطيدة التي كانت تجمعهم باليسار الفرنسي -المناهض للولايات المتحدة وسياستها في العالم- كانت أمام أعينهم طوال الوقت.

الموظف الذي وقع التقرير الذي نتحدث عنه، يقول إن المعلومات التي قدمها الطالب يمكن اعتبارها «أقوى» تنبيه توصل به الأمريكيون حتى الآن.

 

عيون موسكو في ميناء الدار البيضاء

يقول هذا الطالب الذي ذُكر اسمه كاملا في التقرير، بشكل واضح وصريح دون أي تمويه أو محاولة من الأمريكيين حماية مصدرهم على الأقل، إن الروس لديهم مصادر تتجسس على ميناء الدار البيضاء، لرصد التحركات في المغرب المستقل.

ما يهم الروس، حسب هذه الإفادة، تحركات عمال الميناء وانتماؤهم السياسي، وما إن كانوا ينتمون إلى اليسار أو إلى الوطنيين المغاربة، ومدى اهتمامهم بالنموذج الاشتراكي من عدمه.

قلل الأمريكيون من خطر وجود شيوعيين في صفوف عمال ميناء الدار البيضاء. وهذا يمكن فهمه، إذ إنهم اهتموا بالتجسس على الشيوعيين المغاربة منذ الأربعينيات، وربما فهموا بعد مضي أكثر من سنة على استقلال المغرب، أن الشيوعيين المغاربة لا يمثلون أي خطر على المصالح الأمريكية في البلاد.

جاء في الوثيقة التي ننفرد بنشرها في «الأخبار»، أن مصدرا آخر، فرنسي هذه المرة، التقاه الأمريكيون في الدار البيضاء، وقال لهم متحدثا عن انتشار الشيوعية في صفوف العمال الفرنسيين، إن صحيفة فرنسية إذا وضعت إعلانا يطلب عمالا في مجال الفوسفاط، وتقدم مائة مرشح بطلبات العمل، فإن تسعة منهم على الأقل أو عشرة من هؤلاء العمال سوف يكونون شيوعيين.

الأمريكيون أسقطوا دائما شيوعية فرنسا على المغرب، واعتبروا في تقارير أخرى سوف نتطرق إليها في هذا الملف، أن الشيوعيين الفرنسيين لديهم تأثير كبير في المغرب، لجعل العمال والشباب المغاربة شيوعيين أيضا. وهذا الأمر كان يقض مضجع الأمريكيين في طنجة الدولية، ولاحقا في القاعدة الأمريكية في القنيطرة إلى حدود العام 1957.

إذ إن الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية بين روسيا والولايات المتحدة، جعلت الأمريكيين يركزون أكثر على أنشطة الروس، وعدم السماح لهم بنشر أفكارهم بحرية في منطقة شمال إفريقيا.

في قراءة لمجريات الأحداث التي عرفتها المنطقة خلال القرن الماضي، سوف يتضح جليا أن الأمريكيين لم يكونوا يريدون وجود أصدقاء للروس في شمال إفريقيا. وحدهم الجزائريون والليبيون سقطوا في أحضان الاتحاد السوفياتي، بينما شكل المغرب استثناء، خصوصا بعدما تخلى المغرب سنة 1960 عن التقارب مع الاتحاد السوفياتي، سيما في المجال العسكري، وأبرم اتفاقيات أمنية مهمة جدا مع حكومة الولايات المتحدة، حتى أن الزيارة الرسمية التي زار فيها الملك الراحل محمد الخامس الولايات المتحدة بعد استقلال المغرب، جُيش لها الإعلام الأمريكي احتفاء باختيار ملك المغرب زيارة أمريكا بدل روسيا. والأمر نفسه وقع مع زيارة الملك الراحل الحسن الثاني إلى أمريكا، ليجد الرئيس كينيدي في استقباله وتحظى زيارته بإنزال إعلامي أمريكي مكثف.

كان هذا ما ظهر على الواجهة، أما باطن الأمور فقد تكلفت الوثائق بحفظه في خانة «سري للغاية»، إلى أن رفعت عنه السرية أخيرا، لكي نكتشف أن الأمريكيين رغم التقارب بينهم وبين المغرب، فإنهم ظلوا يراقبون الروس فوق التراب المغربي ويحاولون الوصول إلى أي معلومات من شأنها أن تُنبه واشنطن إلى وجود خطر ما على مصالحها، وتحرص على ألا يحرز الروس أي تقدم وألا يقوموا بأي خطوة في المغرب، دون أن يكون لدى واشنطن علم بتفاصيلها الدقيقة.

 

+++++++++++++++++++

كاتب بريطاني فضح سر «تُهمة» لاحقت الوطنيين قبل 80 عاما

تهمة «الشيوعية» التي وجهها الأمريكيون إلى الوطنيين والمقاومين المغاربة الذين شكلوا نواة اليسار المغربي بعد سنة 1959، لم تكن لتظهر من فراغ، بل تكمن وراءها اتهامات مبيتة انطلقت منذ ظهور الأنشطة النقابية في المغرب، خصوصا خلال بداية أربعينيات القرن الماضي، عندما حل اليساريون الفرنسيون في المجتمع المغربي ودخلوا مجال النضال النقابي والعمالي في مصانع الفرنسيين في المغرب.

في كتابه «المغرب اليوم»، كشف الكاتب البريطاني برنارد نيومان أثناء جولته في المغرب، والذي نُشر سنة 1952، الخيوط التي حركت اتهام الوطنيين والنشطاء المغاربة بالانتماء إلى الشيوعية.

سبق في «الأخبار» أن تناولنا ترجمة حصرية لهذا الكتاب على حلقات، ولا يوجد مصدر تاريخي يرسم ملامح المشهد السياسي في المغرب في تلك الفترة، أفضل منه. يقول:

«معظم معارضي حزب الاستقلال، يستغلون هذا الاتهام بحُرية، ويقولون إن الحزب منظمة شيوعية. وهذه كذبة كبيرة. لكن العالم مقسم بين أناس يتجاهلون التهديد الروسي، وآخرين يرونه في كل مكان.

من بين عشرات الزعماء الاستقلاليين، والأعضاء، الذين التقيتهم، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُطلق على أحدهم اسم شيوعي. أغلبهم كانوا مُسلمين يمينيين. وبالنسبة إليهم، فإن الإيمان بمسألة مادية واتخاذها عقيدة، يبقى أمرا مستحيلا.

لقد نفوا، بصدق، أن تكون لهم أية صلة أو اهتمام بالأفكار الشيوعية التي تبقى في نهاية المطاف، عكس أفكارهم تماما. وباعتبارهم ينتمون إلى حزب أغلب أعضائه برجوازيون، فقد تعرضوا في الماضي لأشد الانتقادات التي كان مصدرها شيوعيون. إلى حدود سنة 1946، كان أعضاء حزب الاستقلال يُقدمون باستمرار على أساس أنهم الصف الثاني من الشر، في المشهد المغربي، وأنهم يسعون إلى مجرد تأمين انتقال السلطة التي تحوز عليها فرنسا لأنفسهم، من أجل استغلال أفضل للعمال الكادحين.

يجب أن ينقلب هذا الاتهام، في الاتجاه الآخر. ليس صحيحا أن للاستقلال علاقات شيوعية، بل الصحيح أن الشيوعيين «تبنوا» حزب الاستقلال، رغم أنه ضد ميولاتهم.

إن الحزب الشيوعي في المغرب، ليس سوى فرع للحزب الشيوعي الفرنسي. لقد تواصلت مع العديد من مكاتب الحزب في المدن الرئيسية. لقد كان جزءا كبيرا من برنامجها رسميا بما فيه الكفاية، لكنه كان «صاخبا» عندما تعلق الأمر بدعمها لمطالب حزب الاستقلال، وخاصة في ما يتعلق بإدانة الحزب للإمبريالية الفرنسية و«وحشية الفاشية»».

الأكثر من هذا أن الكتاب يتفصل في علاقة الشيوعية المغربية بالشيوعية الفرنسية، وحصرها في النقابات. ويشرح هذا الأمر قائلا: «قد يكون هذا الارتباط غير الطوعي، أمرا مؤسفا لحزب الاستقلال، خاصة وأن أقلية فقط من قادة الحزب، يُدركون مخاطر هذا الارتباط، وأحيانا يُصدرون بعض التحذيرات المناهضة للشيوعية.

ومن خلال تعبير هؤلاء الأعضاء عن قلقهم، فإن الحزب يُعرض نفسه لتهمة التعاون مع الشيوعيين. وهؤلاء، كما هي عادتهم، نشطون للغاية في صفوف النقابات العمالية.

حتى الآن، انضم 30.000 مغربي فقط إلى الفروع المحلية للنقابات الفرنسية، وعدد من هذه النقابات يتحكم فيها الشيوعيون. على سبيل المثال، إذا كان المهندس الشيوعي مصدر مشكلة في أحد المصانع، بسبب قضية اقتصادية عادية، فإن قادة حزب الاستقلال لن يكون بمقدورهم تحمل إغراء تصوير الحادث، باعتباره موقفا وطنيا ضد الهيمنة الاقتصادية الفرنسية».

لماذا استمرت إذن هذه التهمة في ملاحقة اليساريين المغاربة، وهم الذين كان أغلبهم من نواة حزب الاستقلال، حتى بعد حصول البلاد على الاستقلال؟

 

الأمريكيون راقبوا أنشطة الشيوعية من طنجة

الوثيقة التي نتناولها في هذا الملف تعود إلى يوم 15 مارس 1956، أي أياما قليلة بعد حصول المغرب رسميا على الاستقلال.

تكشف الوثيقة حجم متابعة الأمريكيين لكل الأخبار الصادرة عن الأنشطة الشيوعية في المغرب، وتتابع حصرا اسم «علي يعتة» وأنشطته بين فرنسا والمغرب وعلاقته مع يساريين في إيطاليا وروسيا، واتصالاته معهم.

تشير الوثيقة إلى أن موظفي الاستخبارات المركزية في ذلك الشهر، أجروا عددا من الاتصالات مع مختلف الشخصيات المغربية، من مختلف المراكز، وحاولوا أن يطرحوا عليهم بعض الأسئلة غير المباشرة عن تصور المغاربة للنظام الشيوعي، ومدى وجود موافقة شعبية على هذا النظام، وخلصوا إلى أن المغاربة لا يفضلون الشيوعية ولا يفضلون في الغالب تبني أفكار سياسية جديدة.

تقول الوثيقة إن أغلب الذين استُقيت آراؤهم عبروا عن عدم اهتمام بالسياسة الخارجية، وأنهم يفضلون صداقة الأمريكيين على صداقة الروس.

إذ إن الأسئلة التي طرحها الأمريكيون، ربطوا فيها بين الشيوعية وبين روسيا، وهو ما جعل الذين وُجهت إليهم هذه الأسئلة، بحسب الوثيقة دائما، يُبدون نوعا من التخوف من «روسيا» كبلد.

جاء في الوثيقة أيضا أن مكتب طنجة الذي كانت تُجرى منه اتصالات مكثفة لإعداد تقارير عن الأنشطة الشيوعية في شمال إفريقيا، وليس في المغرب فقط، ينسق مع مكتب مدريد في إسبانيا، ومكتب روما، لرصد أنشطة الشيوعية في المنطقة.

وهو ما جعل الأمريكيين يشتبهون في كون زعماء سياسيين مغاربة، علي يعتة على الخصوص، لديهم اتصالات قوية مع رموز اليسار والشيوعية في أوروبا، وسجلوا تخوفهم من أن تُبرمج أنشطة لنشر الشيوعية في المغرب بصورة تجعل البلد يصبح معاديا للولايات المتحدة الأمريكية.

التقرير استهل بصفحات جمعت أبرز محطات الأنشطة الشيوعية التي رصدها الأمريكيون في المغرب منذ سنة 1946، وتحدثوا عن معارضين فرنسيين بينهم محامون، حظوا بشعبية كبيرة في المغرب، وأقنعوا أعدادا من الشباب المثقف، فرنسيين ومغاربة، بالانخراط في الأنشطة السياسية التي تقوم على أسس شيوعية، لمواجهة سياسة فرنسا في المغرب.

الأمريكيون اشتبهوا في أن تكون هذه الأفكار ما زالت سارية المفعول في أوساط الشباب المغربي، ولذلك توقعوا أن يكون المناضلون المغاربة الشباب بعد الاستقلال، لا يزالون يحملون تلك الأفكار، أو «ما تبقى منها» على الأقل.

 

 

الكولونيل كليسكا.. لاحق الشيوعيين المغاربة بلا رحمة

في واحدة من التجارب النادرة للتعايش بين الفرنسيين والمغاربة، وُثقت سيرة الراهب الفرنسي «الأب مارتان»، في أكثر من مصدر تاريخي، ليبصم على تجربة نادرة تعود إلى بداية خمسينيات القرن الماضي، حيث انتقل هذا الراهب الفرنسي رفقة رهبان آخرين تتلمذوا على يديه، واختاروا الإقامة النهائية في منطقة أزرو، بالضبط في منطقة «تومليلين»، وبنوا ديرا وكنيسة واختلطوا مع سكان المنطقة. وصارت تجربتهم مشهورة في المغرب ككل، إلى درجة أن الملك الراحل محمد الخامس أشاد بها، وزارها ولي العهد ليرى بنفسه التعايش الذي كان بين هؤلاء الرهبان وسكان المنطقة، وشخصيات مغربية معروفة في الساحة أمثال المحجوبي أحرضان والمهدي بن بركة، الذي زار الرهبان أكثر من مرة، بالإضافة إلى وزير الداخلية إدريس المحمدي، والوزير الأول الأسبق امبارك البكاي.

كل هؤلاء شهدوا على هذه التجربة، خصوصا وأن الرهبان لعبوا دورا كبيرا في حماية الوطنيين المغاربة قبل حصول المغرب على الاستقلال.

كان هناك عسكري فرنسي اسمه الكولونيل كليسكا، وكان معروفا بانتقامه من الوطنيين المغاربة في نواحي مدينة فاس، ما بين سنتي 1950 و1955، وسجلت ضده تدخلات دامية لملاحقة اليساريين المغاربة، الطلبة منهم على وجه الخصوص، ودعوته الصريحة إلى إعدام كل من يشتبه في تعاطيه لأي نشاط سياسي وطني في المغرب.

هذا الكولونيل، بلغته معلومات مفادها أن شبابا مغاربة ينتمون إلى الحزب الشيوعي المحظور، وأنهم احتموا بدير الرهبان عندما كان البحث عنهم من طرف الشرطة الفرنسية على قدم وساق.

لم يتمالك هذا الكولونيل نفسه، وجاء بثقله إلى مقر إقامة الرهبان في قلب القرية الهادئة، ليفتح تحقيقا في الموضوع.

الأب مارتان حكى الواقعة لضيوفه، ونقلها أمريكيان في كتاب عن دير تومليلين نُشر في بداية الستينيات، وذُكرت كما يلي: «قال كليسكا: أيها الأب، لقد استقبلتَ بعض الشبان في ديرك. وأنا أحذرك أن هؤلاء الرجال شيوعيون. أنت لا تعرف البلد ولا تعرف الناس. وأنا إذن تحت تصرفك. كل ما أردت استقبال أحد ما، يجب عليك فقط أن تتصل بي، وسوف أخبرك من يكونون».

كان «دوفلوريس» يبتسم وهو يسأل: -«وماذا قُلتَ أنت؟».

-«كنت لبقا نوعا ما. وقلتُ له إنني سأستقبل أي أحد يأتي إلى هنا دون أن أسألهم من يكونون. وقلتُ له أيضا إنني لن أطلب معلومة من أحد، خصوصا من الجيش».

-«وكيف كان رد فعله؟».

-«أصر على أنه كان يحاول فقط المساعدة. لكني أحس أن أفراد الجيش مسكونون بالسياسة، رغم أنهم ربما يريدون تقديم المساعدة لنا، ولا شك لدي بهذا الخصوص، لكنهم بدون وعي منهم يريدون أن يقودوننا ويستغلوننا».

-«هذا أمر طبيعي. البلاد تتجه نحو ثورة».

-«إذا حدثت ثورة فعلا، هل تظن أننا سوف ننجو؟».

-«لا أعلم، ربما. سيكون الأمر صعبا، ولكن هذا أحد الأسباب التي من أجلها اخترتُك رئيسا للدير».

خاب ظن الكولونيل كليسكا، لأن الرهبان لم يتعاونوا معه ليصل إلى الشيوعيين المغاربة الذين احتموا بالدير. وحلت مناسبات أخرى وفر فيها الرهبان الحماية لمجموعة من الوطنيين المغاربة، وهو ما حكاه أكثر من مصدر من قدماء المقاومة في مذكراتهم، إذ أشادوا بهؤلاء الرهبان، وعددوا مناقبهم في التضامن والتآزر مع المقاومة المغربية، خلال فترة الحماية.

تجربة هذا الدير كشفت إلى أي حد كانت الإدارة الفرنسية نفسها لا تسمح بأي أنشطة شيوعية في المغرب، حتى لو كان مصدرها الفرنسيون أنفسهم، وهو ما اتضح في الدار البيضاء والرباط، عندما مُنعت أنشطة كان وراءها نقابيون فرنسيون من الحزب الشيوعي الفرنسي، لم يُسمح لهم بمزاولة أنشطتهم في المغرب خلال فترة الحماية.

 

واشنطن لم تستسلم.. راقبت السوفيات إلى حدود السبعينيات

لم يستسلم الأمريكيون رغم أنهم قضوا قرابة أربعة عقود كاملة، بدأت قبل استقلال المغرب بسنوات واستمرت بعده، في مراقبة أنشطة الشيوعية في المغرب.

بل وحتى عندما حسمت واشنطن معركة الانتصار على الروس في شمال إفريقيا، بقيت أعين مكتب الاستخبارات تلاحق اليساريين المغاربة وتراقب علاقتهم بالاتحاد السوفياتي، رغم تخلي المغرب عن عدد من الاتفاقيات مع الروس منذ منتصف الستينيات.

ننشر هنا وثيقة من أرشيف «CIA»، تكشف أن الأمريكيين راقبوا القادة اليساريين المغاربة، بل وحرصوا على التواصل معهم لرصد أي نشاط قد يفضي أو يكشف عن وجود أنشطة شيوعية في المغرب. والوثائق التي رفعت عنها السرية كشفت وجود اتصال بين سفارة الولايات المتحدة في المغرب والزعيم عبد الرحيم بوعبيد، في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

الوثيقة تعود إلى شهر يوليوز1974 وترقيمها R181655Z، هذه الوثيقة تقول:

«سري من سفارة الرباط. 3370

الموضوع: انخراط المعارضة في الدعاية لقضية الصحراء.

قادة حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي يُنتظر أن ينضما إلى قافلة الحملة التي يقودها الملك إلى الأمم المتحدة، بخصوص موقف المغرب في قضية الصحراء. المشاركة يبدو أنها سوف تجري يوم 17 يوليوز. وهو اللقاء الذي نرى أنه يوجد على الأوراق فقط ولم يعقد بعدُ.

عبد الرحيم بوعبيد، زعيم حزب المعارضة، أخبر السفير الأمريكي في الرباط أنه ينتظر أن يسافر بصفته عضوا في الحملة، في بداية الأسبوع المقبل، في جولة ببعض الدول من بينها إيران، باكستان، الهند، والصين الشيوعية. بوعبيد أشار إلى أن امحمد بوستة، زعيم حزب الاستقلال، سوف يكون في جولة مماثلة. وكذلك سوف يفعل رئيس الحكومة وبقية الوزراء معه».

هناك وثيقة أخرى، لا تقل أهمية، جاء فيها، وجاءت بعنوان: «مضمون مكالمة هاتفية مع بوعبيد»:

الوثيقة مرقمة كالآتي: USUN3553، وتعود إلى شهر أكتوبر 1974، ننقل هنا مضمونها كاملا:

«عبد الرحيم بوعبيد أعرب عن رغبته في الحديث مع السفير شوفل الذي كان صديقا لبوعبيد وعدد من القياديين الاتحاديين، عندما كان يمارس مهامه الدبلوماسية في الدار البيضاء ما بين سنتي 1959 و1963. بما أن بوعبيد قد تحدث سابقا مع شوفل، بخصوص أزمة الصحراء مع إسبانيا. وافترض بوعبيد أن الأمر سوف يؤثر على الوضع الداخلي في المغرب.

السفير شوفل، يرحب بأي اقتراح قد تضعه السفارة في الرباط بخصوص هذا الاتصال».

هذه الوثيقة تكشف أن الاتصال الأول يعود إلى سنة 1959، وكان موضوعه أنشطة اليسار في المغرب. هذا علما أن الأمريكيين كانوا ينظرون إلى اليسار بمختلف أنواعه على أنه مرتبط بالشيوعية. ويكفي أن نعلم أن حكومة الولايات المتحدة في الخمسينيات والستينيات إلى حدود السبعينيات أدانت ونفذت أحكام قاسية في حق مواطنيها، الذين ثبت أن لديهم أفكار أو ميول اشتراكية، ومارسوا أنشطة شيوعية فوق ترابها، حتى لو تعلق الأمر بمجرد التعاطف مع الأفكار الشيوعية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى