حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

«غرينيتش»..

يونس جنوحي

هذا هو الأسبوع الثالث منذ أعدنا عقارب ساعاتنا ساعة إلى الوراء، تزامنا مع إعادة اعتماد الساعة القانونية، كما وصفت في بلاغ الحكومة.

نحن نقع رسميا في المجال الزمني لخط «غرينيتش».. تلك النقطة الجغرافية الصغيرة في بريطانيا، التي يتقاطع معها خط الصفر الزماني الدولي بطريقة عجيبة فعلا.

غريب فعلا كيف لم يفكر الفرنسيون بعد 1912، في اعتماد توقيت باريس في الرباط، ولماذا تركوا المغرب «مفتوحا» أمام مجال التوقيت العالمي.. لقد كان بإمكان المقيم العام الفرنسي في الرباط أن يجعل توقيت المغرب الرسمي يتبع توقيت باريس بسهولة، تماما كما هو الأمر في الجزائر، ولن يعترض أي «جغرافي» على قرار معالي المقيم العام.

هذه الفكرة ليست وليدة هذه اللحظة، لقد فكر فيها الفرنسيون فعلا، بل ويوجد مقترح حقيقي على مكتب المقيم العام في سنة 1924، اقترحه رجل أعمال فرنسي في الدار البيضاء. وهذا الرجل، واسمه «هنري»، اشتكى للمقيم العام من معضلة تتمثل في أنه يؤدي أجور موظفيه الفرنسيين بالساعة، ويرفضون القدوم إلى المكتب على الساعة السابعة صباحا بتوقيت الدار البيضاء، لبداية تلقي الاتصالات الهاتفية من مكتب باريس الذي يبدأ موظفوه في الاتصال بالدار البيضاء مع تمام الثامنة صباحا بتوقيت باريس. ويصبح هؤلاء الموظفون مجبرين على الانتظار ساعة من الزمن، إلى أن يلتحق موظفو ومهندسو الدار البيضاء بعملهم، لكي يشرعوا في إجراء المكالمات الهاتفية والتنسيق معهم في العمل المكتبي المرتبط بميناء الدار البيضاء.

السيد «هنري» طلب من سعادة المقيم العام أن يضيف ستين دقيقة إلى الساعة المغربية، لكن موقف المقيم العام لم تسجله الوثائق، والله وحده يعلم لماذا لم «يقترف» المقيم العام هذه الخطوة الاستعمارية.

المغاربة كان لديهم إدراك دقيق للوقت. ومخطئ من يعتقد أن التوقيت المغربي لم يكن دقيقا قبل مجيء الإدارة الفرنسية. المغاربة برعوا في علم الفلك، ورحم الله «ابن المؤقت المراكشي»، الذي توفي رحمه الله في شهر دجنبر سنة 1949، وترك للمغرب حسابا دقيقا للوقت يتطابق تماما مع درجة الظل. بل إن الفرنسيين أنفسهم اطلعوا على حسابه الدقيق للتقويم الهجري.

هذا العالم المراكشي، الذي كان يسكن في مراكش، كانت الأحباس المغربية تلجأ إلى خدماته في مناسبات كثيرة لمعرفة نتيجة الحساب الفلكي، وترك مؤلفات قيمة للخزانة المغربية تتعلق بحساب التوقيت وتغير مواقيت الصلاة على طول السنة، وضبط الساعة المغربية بالثانية.

أما قصة دخول الساعة إلى الإدارة المغربية، فتعود إلى زمن ما قبل الحماية الفرنسية. ففي سنة 1909، في زمن المولى عبد الحفيظ، حصل الوزراء المغاربة على ساعات من تلك التي تُعلق بالسلسلة، وبدأ استعمالها يشيع بين أعيان المغرب وأثريائه وكبار مسؤوليه. والسبب أن رجل أعمال بريطانيا أهدى وزيرا مغربيا واحدة من تلك الساعات، وسرعان ما أصيب بقية الوزراء بـ«الحمى»، وصارت نخبة المغرب تحدد التوقيت بالنظر إلى الساعة وليس بسماع الأذان من صومعة القرويين.

وحتى عندما صار اسم «غرينيتش» متداولا، باعتباره التوقيت الرسمي المعتمد عندنا في المغرب، فقد أصبح مرادفا للدقة. إلى درجة أن الذاكرة الجماعية لبلدات المغرب وقراه، لا تخلو من شخصيات حملت هذا اللقب، كناية عن دقة أصحابها والتزامهم. لقد كان المغرب دائما وفيا لتوقيت «غرينيتش»، وحتى عندما اعتمدت الحكومة، قبل قرابة عشر سنوات، ساعة إضافية لفترتين في السنة، ثم صارت دائمة بعد ذلك، كان العقل الجماعي لدينا يُحيل دائما على «غرينيتش»، الذي حولناه من اسم بلدة صغيرة في بريطانيا لا يتعدى مجالها الأرضي خمسة آلاف هكتار، إلى صورة رجل في مخيلتنا، يرتدي قميصا ضيقا وسروالا بحزام جلدي مغلق بإحكام، يأتي دائما في التوقيت المناسب الذي حسبه جدنا ابن المؤقت المراكشي، قبل أن تدخل الساعات الحائطية، ثم اليدوية إلى المغرب، نكاية في السيد «هنري» ومن معه.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى