شوف تشوف

الرأيالرئيسية

قانون المرض

 

بقلم: خالص جلبي

إن دخول جرثوم واحد إلى البدن يعني استنفار الكريات البيضاء التي تمثل الفرق الانتحارية الاقتحامية لملاقاة الزحف الجرثومي، ويجب أن يتم هذا بسرعة، لأن الجرثوم ينقسم أكثر من مرة كل نصف ساعة، وهذا يجعلنا نخاف من الرقم المريع للتكاثر في مدى أربع وعشرين ساعة (اضرب رقم واحد في 48 مرة مضاعفا).

تبدأ المعركة المقدسة لصد الاجتياح المغولي الجرثومي، وبأَشرس أنواع الأسلحة المناعية وجها لوجه، وعندما ترى أيها القارئ القيح فقف باحترام كبير، وارفع يدك بالتحية، لأن هذا القيح المنساب هو جثث الكريات البيضاء التي سقطت في معركة الدفاع عن البدن الحي، بل إن مرض الإيدز المهدد للعالم، والذي لم يكتشف فيه حتى الآن لقاح واقي، أو عقار شافي، يعتبر أبو الأمراض ورأس البلايا كلها، وجذع المصائب بدون مبالغة، ذلك أن الفيروس يتسلل إلى الجهاز المناعي فيفتك به، أي أنه بعبارة أخرى يخترق مركز المقاومة، ويكسر العمود الفقري للمقاومة، بل أكثر من ذلك، باعتبار أنه من مركب مشابه لتركيب الكروموسوم، إنه يخترق الخلية، ثم النواة، ثم تركيب الأحماض الأمينية المشكِّلة للجينات، ليصبح قطعة من دمنا ولحمنا، عصبنا وعظمنا، وتبقى مهمة الجسم أن يكاثره، ويزيد من عدده، باعتبار أنه قطعة من تركيب الكروموسومات المشكلة والمهندسة لتركيبنا بالكامل.

في الواقع إن الإيدز يعطي فكرة عن انهيار المقاومة، لأن انهيار الجهاز المناعي يجعل الجسم مستهدفا من كل أنواع الجراثيم والفيروسات والفطريات، وكل الطبقات الممرضة من العضويات المجهرية الصغرى.

بل ألعن من هذا وأشد، أعني الإصابة بالسرطان، لأن السرطان بالذات هو وجه العملة الثاني لانهيار الجهاز المناعي، لذا كثر إصابة متقدمي السن بالسرطان، وكاد أن ينتفي عند الأجنة في الأرحام. والإيدز المجرم، باعتبار أنه ينهك الجهاز المناعي عند الشباب العاكفين على شهواتهم، المخدرين باللذَائذ المقلوبة المعكوسة المنكوسة، فإنه يطل بقرن جديد، وبثورة عارمة من انفجار السرطان عندهم، وما أدراك ما السرطان!

قانون المرض.. من أين تبدأ عملية توليد الحدث؟ 

إذن مع فهم أعمق لفلسفة المرض، نخرج بقانون صارم، أشد حدة من مشرط الجراحين، هو أن العامل الداخلي هو الذي يبدأ في عملية توليد الحدث، وتهيئته بعد ذلك، وإبرازه إلى الوجود، ويبقى العنصر الخارجي هو الذي يكشف الغطاء عن التفاعل الداخلي، ويشير إليه ويدلل عليه، ويقول هذا هو.

هذا القانون يخضع له الوجود المخلوق بكل شرائحه ومستوياته، أوراق الشجرة تسقط بسبب ضعف ارتباطها بالغصن، والمرض يحدث بسبب ضعف أو انهيار الجهاز المناعي. والفرد يختل بسبب أوهامه الداخلية، والمجنون المصاب بالبارانويا يظن أن الناس كلهم يتآمرون عليه.

كما هو الحال عند كثير من الساسة والمفكرين بكل اتجاهاتهم في العالم العربي الذين يبحثون عن أكباش الفداء، تفسر واقع المسلمين والعرب غير السار والذي لا يبعث على البهجة، وهكذا فإن أكباش من أمثال الصهيونية والاستعمار وقوى التدخل الخارجي والرأسمالية العالمية والماسونية والنورانيين والقوى الخفية والمنظمات السرية والحركات التبشيرية وحكومات العالم الخفية..

 وإذا لم يبق في الجعبة شيء فالشيطان جاهز لنَصب عليه كل مصائبنا التي نفعلها بأيدينا، وكل الكوارث التي نسعى إليها بأقدامنا، وإذا غابت كل التفسيرات فهناك التفسير الذي يخرس الجميع فلنقل القدر والحظ ولا مانع من إدخال إرادة الله، التي شاءت أن ترفع غير المسلمين، وتنزل كفة المسلمين.

فلسفة القرآن في المناخ الملائم للمصائب!

لكن ليس هناك استعداد ولو للحظة واحدة للرجوع إلى فلسفة القرآن التي تنص على أن ما يحدث هو (من عند أنفسكم) وأن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وأن ظلم النفس هو المناخ الملائم والمهيء لكل المصائب اللاحقة، وأن علينا أن نعتاد وندرب أنفسنا أن لا نلوم أحدا، بل أن نرجع فنلوم أنفسنا دوما، لأن هذا هو مفتاح الحل، وتكوين مثل هذا الخلق، والوصول لتشكيل نفسية من هذا النوع جعلها الله موازية في الثقل ليوم القيامة (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوَّامة) [سورة القيامة الآية: 1]. فإذا كانت القيامة هي للفصل بين الناس وبين الإنسان وعمله، فإن النفس المراجعة المنضبطة التي اعتادت النقد الذاتي هي المرشحة للنجاح في ذلك اليوم العصيب.

كيف نقلب قوانين الكون من أجل ذواتنا المنتفخة؟  

إن الفرق بين الشيطان الذي دخل اللعنة الأبدية وآدم الذي نال رحمة الله هو التوبة، وفلسفة التوبة تعني القدرة على المراجعة والاعتراف بالخطأ (رب إني ظلمت نفسي) [سورة «القصص» الآية: 16]، في حين أن لوم الآخرين هو طريق الشيطان الذي برأ نفسه وألقى اللوم على رب العزة، أنه هو الذي أغواه (بما أغويتني) [سورة «الحجر» الآية: 39]. هذا الطريق الضلالي والمفضي إلى اللاَتوبة هو الاستعداد للوم الآخرين، وإلقاء التبعة على ما يحدث من مصائب على الآخرين، بل الاستعداد لقلب قوانين الكون وعدم الاعتراف للحظة بأن هناك ولو احتمال أن تكون ذواتنا المنتفخة قد أخطأت، كما يروى عن ذلك المؤذن الذي حضر إلى المسجد لصلاة الصبح والناس منْصرفون، فلما سئل عن سبب تأخره قال: أنا حضرت حسب الوقت، ولكن الشمس أشرقت اليوم باكرا! كذلك فإن العائلة تتفكك بالنزاع الداخلي، والدول تسقط بالعفن والمرض الذي ينخرها من الداخل، والإمبراطوريات تموت بعللها الداخلية قبل كل شيء.

نافذة:

مع فهم أعمق لفلسفة المرض نخرج بقانون صارم أشد حدة من مشرط الجراحين هو أن العامل الداخلي هو الذي يبدأ في عملية توليد الحدث وتهيئته بعد ذلك وإبرازه إلى الوجود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى