
دخل ملف التلوث والروائح الكريهة التي تجتاح منطقة «أنزا» بمدينة أكادير، منعطفا جديدا، بعد دخول ولاية أكادير على الخط، وذلك عقب تفاقم الوضعية البيئية بالمنطقة، طيلة الأسابيع القليلة الماضية، ما نتج عنه رفع مراسلات وشكايات وتظلمات إلى مصالح الداخلية وجماعة أكادير، من أجل التدخل لوضع حد لهذا المشكل الذي يؤرق المواطنين.
أكادير: محمد سليماني
كانت ولاية أكادير وجهت مراسلة عاجلة إلى عدد من المؤسسات والقطاعات المتدخلة، وأرباب المصانع والمعامل والشركات الموطنة بحي «أنزا» وبالشريط الساحلي للحي ذاته، وذلك من أجل الحضور إلى اجتماع عاجل سيترأسه سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة، أول أمس الخميس، ابتداء من العاشرة صباحا بمقر الولاية، وذلك من أجل التداول ومناقشة أسباب التلوث الصناعي بالمنطقة وسبل معالجته.
وكانت رسالة الاستدعاء للاجتماع استندت إلى المعاينات الميدانية للتلوث والروائح الكريهة التي اجتاحت المنطقة طيلة الأيام الماضية، وإلى الشكايات المتكررة المتعلقة بطرح النفايات والمخلفات الصادرة عن الوحدات الصناعية بأنزا، لما لها من تأثيرات سلبية على البيئة وصحة الإنسان.
إجراءات تصحيحية حازمة واستعجالية
الاجتماع خصص لدراسة السبل والوسائل الكفيلة بتسوية نهائية لإشكالية الروائح الكريهة والمخلفات الصناعية، حيث استدعي إليه كل من رئيس المنطقة الحضرية لأنزا، ورئيس مجلس جهة سوس ماسة، ورئيس المجلس الجماعي لأكادير، والمديرة العامة للمركز الجهوي للاستثمار سوس ماسة، والمدير العام للمجموعة الصحية الترابية لجهة سوس ماسة، ومدير المجال الصحي لأكادير، والمديرة الجهوية للبيئة، والمدير الجهوي للصناعة والتجارة، ومدير وكالة الحوض المائي لسوس ماسة، ثم المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات، والمدير الجهوي للتجهيز، إضافة إلى مديرة الوكالة الحضرية لأكادير، والمديرة الجهوية للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، ثم المندوب الجهوي للصيد البحري بسوس ماسة، والمدير العام لشركة العمران سوس ماسة، ثم مدير المنطقة الصناعية «أليوبوليس»، كما تم توجيه الاستدعاء إلى جميع ممثلي الوحدات الصناعية القائمة بالمنطقة.
وأسفر الاجتماع عن اتخاذ قرارات عاجلة، وبعضها على المدى المتوسط، وذلك من أجل إيجاد حلول للمشكلة البيئية بهذا الحي.
واستنادا إلى المعطيات، فإن هذا الاجتماع خصص لتدارس الإشكالات البيئية المرتبطة بالانبعاثات والروائح الصناعية بمنطقة أنزا، وبحث التدابير الكفيلة بالحد من آثارها على الساكنة والمحيط البيئي، في ظل الشكايات المتواصلة للسكان بشأن الروائح المنبعثة من بعض الوحدات الصناعية، وخصوصا تلك المتخصصة في إنتاج دقيق السمك، وانعكاساتها على جودة الحياة بمنطقتي أنزا وأورير، فضلا عن تأثيرها على المجال السياحي لأكادير.
وخلال هذا اللقاء تم الاتفاق على ضرورة اتخاذ إجراءات تصحيحية حازمة واستعجالية، تلتزم خلالها الوحدات الصناعية باحترام المعايير البيئية الجاري بها العمل، مع تحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين ووضع آليات منتظمة للمراقبة والتتبع.
وقد انتهى هذا اللقاء الذي ظلت الأنظار متجهة نحوه بخصوص النتائج المرتقبة منه، إلى اتخاذ ثلاثة تدابير أساسية واستعجالية، أولها تتعلق بالمراقبة الميدانية عبر الإيفاد الفوري للجنة مختصة للقيام بزيارات ميدانية إلى الوحدات الصناعية المعنية بمنطقة أنزا، قصد معاينة ظروف اشتغالها ورصد الاختلالات البيئية وتحديد التدابير اللازمة لمعالجتها. أما التدبير الثاني، فيتعلق بتسوية الوضعية البيئية، من خلال إلزام الوحدات الصناعية المعنية بإحداث وتجهيز محطات للمعالجة الأولية للمياه العادمة والتصريفات الصناعية، بما فيها الانبعاثات الغازية والروائح، وفق المعايير المعتمدة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية في حق الوحدات غير الممتثلة، والتي قد تصل إلى سحب التراخيص والإغلاق.
أما الإجراء الثالث، فيتعلق بنقل مجموع الوحدات الصناعية المتواجدة بمنطقة أنزا إلى المناطق الصناعية المهيأة بالدراركة “أليوبوليس”، داخل أجل أقصاه سنة واحدة، وفق الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية المواكبة المبرمة لهذا الغرض، مع ضمان توفير البنيات والتجهيزات الضرورية لمعالجة التلوث بمواقع الاستقبال.
واستنادا إلى المعطيات، فإن قضية نقل الوحدات الصناعية القائمة بحي أنزا، إلى المنطقة المهيأة بمنطقة الدراركة بطريق مراكش، ليس قرارا جديدا، بل سبق أن تم اتخاذه منذ سنة 2015، عندما تم تخصيص عقارات في فضاء “أليوبوليس”، على أساس ترحيل جميع الوحدات الصناعية لتعليب السمك وصناعة زيت ودقيق السمك القائمة بحي “أنزا” إليه، وقد استفادت جميع هذه الوحدات الصناعية من عقارات بهذا الفضاء الصناعي الجديد، وتم تحديد سنة 2016 لترحيل كل هذه الوحدات، غير أن ذلك لم يتم رغم مرور 10 سنوات الآن.
مشكلة التلوث والروائح الكريهة
شدد العديد من المراقبين على أنه لا بد من القيام بعملية مسح شامل للوقوف على عدد الوحدات الصناعية بمنطقة «أنزا»، والكشف عن طبيعتها وأنواعها. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن هذه الوحدات الصناعية الموجودة بالمنطقة تنقسم إلى صنفين، هناك صنف متخصص في صناعة العلب المعدنية المخصصة لتعليب السمك، وعددها لا يتجاوز العشرة مصانع. وهذه المعامل، حسب مصادر محلية، لا تخلق مشاكل مرتبطة بالتلوث، لأن نشاطها مرتبط بعملية تصنيع تدخل فيها مواد لا تنفث دخانها في الهواء.
أما الصنف الثاني، فهو وحدات متخصصة في صناعة دقيق السمك، المعروف محليا بـ«الكوانو» والمستخدم في تسمين الدجاج، وهناك وحدتان صناعيتان ما زالتا تعملان بمنطقة «أنزا».
وحسب المعطيات، فإن الوحدتين تستقبلان أطنانا كبيرة من الأسماك، بعضها ذو جودة رديئة، من أجل تحويلها إلى دقيق السمك. وقبل عملية التحويل، يتم تخمير هذه الأسماك ثم طحنها وإضافة مواد أخرى إليها. وخلال عمليات التخمير، تجتاح الروائح الكريهة المنطقة، كما تتصاعد الأدخنة بقوة أثناء التحويل الصناعي داخل الأفران، مخلفة روائح تزكم الأنوف، وتحول سماء المنطقة إلى سحب قاتمة.
وبالإضافة إلى الصنفين معا، هناك وحدات صناعية أخرى للهيدروكربورات، التي تقوم بتعبئة غاز البوتان، والميتان، والبروبان وكل أنواع الغازات الأخرى، إضافة إلى وجود خزانات كبرى لتخزين البنزين والكازوال، فهذه الوحدات وإن كانت نسبة التلوث التي تحدثها ضعيفة جدا، مقارنة بوحدات صناعة دقيق السمك، إلا أنها تشكل خطرا على المنطقة، لكونها في منطقة أصبحت مأهولة.
وترى كثير من الأوساط المتتبعة لملف التلوث بالمنطقة صعوبة تحويل هذه الخزانات الخاصة بالمحروقات والغازات، وذلك لأنها توجد حاليا في مكان قريب جدا من الميناء التجاري، حيث ترسو السفن العملاقة المحملة بهذه الغازات والمحروقات، وبالتالي فهذه الخزانات توجد على مقربة من مكان التفريغ القريب من الميناء.
لذلك فإن الخزانات المخصصة للغاز والمحروقات من الصعب إن لم يكن من المستحيل تحويلها حاليا إلى أي مكان، وذلك لأنها مرتبطة ببنية تحتية مينائية، غير موجودة في مكان آخر بجهة سوس ماسة عموما.
أي دور لمحطة المياه العادمة؟
يطرح قذف المياه العادمة للوحدات الصناعية في البحر بساحل «أنزا»، أسئلة عديدة حول جدوى وفعالية محطة المياه العادمة الموجودة بحي أنزا، وسط مؤشرات كثيرة تفيد بأن هذه المحطة لا تقوم بدورها الذي أنشئت من أجله كما يجب.
وحسب المصادر، فإن محطة المياه العادمة بأنزا تقوم بجمع المياه العادمة المنزلية، والمياه العادمة الصناعية القادمة من المصانع، وتنتظر إلى حين علو الموج في البحر ليتجاوز مترا إلى متر ونصف المتر، لتقوم برمي تلك المقذوفات العامة في البحر، وهو ما ينتج عنه تلويث مياه البحر.
ويظهر كلما تم رمي هذه المقذوفات، وجود مادة لزجة ذات رائحة كريهة تطفو فوق المياه، حيث تحتل مساحة واسعة من مياه الساحل، وتُغير لون مياه الشاطئ على مساحة مهمة، بسبب هذه المادة الدهنية المقذوفة، كما تسبب حروقا في الجلد واحمرارا في العيون بالنسبة إلى السباحين في عين المكان.
وبينما تشير أصابع الاتهام إلى محطة المعالجة، هناك من يسير إلى أن مصدر هذه المادة اللزجة الكريهة هو بعض الوحدات الصناعية، والتي لا تقوم بالمعالجة الأولية للمقذوفات داخل محطاتها الداخلية بهذه المصانع، قبل صرفها عبر القنوات الخاصة بمحطة المعالجة للمياه العادمة، قصد المعالجة الثانوية، قبل التخلص النهائي منها.
وفي هذا الإطار، فقد سبق أن خصص صندوق مكافحة التلوث الصناعي الذي تم إحداثه في إطار التعاون المغربي الألماني تمويلات لمشاريع تهدف إلى مساعدة النسيج الصناعي على تبني إجراءات عملية لحماية البيئة والتخفيف من الضغوط الممارسة عليها، وذلك عبر دعم المقاولات بما بين 20 و40 في المائة من قيمة المشروع، وذلك بعدما أكدت دراسة أنجزت على مستوى وزارة البيئة، قبل سنوات، أن التدهور البيئي يكلف المغرب سنويا حوالي 33 مليار درهم.
بين محاربة التلوث والحفاظ على مناصب الشغل
بالرغم من أن منطقة «أنزا» تعاني بشكل كبير جدا من التلوث البيئي، سواء على مستوى الجو بخصوص الروائح الكريهة المنبعثة من الوحدات الصناعية، أو في البحر بخصوص المقذوفات العادمة، إلا أن عددا كبيرا من الفاعلين الجمعويين، والنشطاء المدنيين بالحي، لا يطالبون بترحيل هذه الوحدات الصناعية، وذلك لكونها مصدر عيش لعدد كبير من سكان المنطقة وشبابها. فهذه المعامل والمصانع هي الملاذ الذي يأوي إليه كثير من الشباب والنساء وأبناء المنطقة منذ عقود، وترحيل هذه المعامل والمصانع هو إجهاز على فرص عمل كبيرة لسكان المنطقة.
وعلى هذا الأساس، تطالب فعاليات المنطقة باعتماد مقاربة متوازنة بين محاربة التلوث الصناعي من جهة، والحفاظ على فرص الشغل بهذه المصانع من جهة أخرى. ورغم أن هذه المعادلة تبدو صعبة، إلا أن سكان المنطقة يطالبون باحترام المعايير البيئية المنصوص عليها في القوانين البيئية وفي دفاتر التحملات بالنسبة إلى هذه المصانع، وفرض المعالجة الأولية للمقذوفات داخل هذه المصانع أولا.
غير أنه، حسب معطيات كثيرة، فإن تأهيل ساحل «أنزا» يسير في اتجاه تحويل جميع الوحدات الصناعية إلى منطقة «أليوبوليس»، في «الدراركة»، بطريق مراكش.






