شوف تشوف

الرأيالرئيسية

قصة الرجل الذي وحّد بلدين

ترشيح مغربي إسباني برتغالي مشترك لنسخة كأس العالم سنة 2030. ثلاثة بلدان يتنفس سكانها كرة القدم ويعتبرونها، إلى جانب شرب الشاي وأشياء أخرى، من ضروريات الحياة.

مقالات ذات صلة

ما يربطنا بالبلدين، إسبانيا والبرتغال، أكثر مما يفرقنا. توحدنا الجغرافيا، ومعها تاريخ طويل عريض من الصداقات والاتفاقيات والخلافات أيضا. مضت علينا سنوات من «سوء الفهم الكبير»، وطواها أجدادنا بسرعة، عندما وقعوا اتفاقيات الهدنة وتبادلوا الأسرى وأصبحوا أصدقاء.

تنقل المغاربة والإسبان والبرتغاليون بين البلدان الثلاثة. في الجديدة هناك آثار برتغالية، وفي سلا توجد أدلة قطعية على مرور الإسبان، فيما في غرناطة وإشبيلية ما زالت مآثر وبنايات المغاربة المسلمين شاهدة على تاريخ الأندلس.

كرة القدم كانت دائما الخيط الناظم الذي يذوب تشنجات السياسة.

وهنا، علينا أن نستحضر قصة رجل مغربي، عاش حياته في سبتة، وكان يشغل منصب باشا المدينة، أيام الملك الراحل محمد الخامس، ويمثل صلة الوصل بين المغرب وإسبانيا. وهذا الرجل ليس خياليا وليس أسطورة، وإنما اسمه عبد السلام بن قدور بن عمر، وقبل سنوات قليلة فقط ألف ابنه كتابا عن سيرته نُشر بالإسبانية وضم وثائق ومراسلات وثقت للدور السياسي الودي الذي لعبه والده في إدارة شؤون مدينة سبتة، حيث حظي بثقة الملك وفي الوقت نفسه كان يحظى بتقدير كبير من طرف الإسبان، إلى درجة أنهم عينوا أخاه، محمد بن عمر، أول قنصل لإسبانيا في المملكة العربية السعودية، لكي يشرف على رحلات حج الإسبان في سنة 1939.

وهو ما يكشف إلى أي حد كانت أسرة بن عمر مقربة جدا من دوائر القرار، في كل من المغرب وإسبانيا أيضا.

والمثير أن كلا من عبد السلام وأخيه محمد عاشا في فترة وجود الخليفة السلطاني مولاي الحسن بن المهدي، خليفة محمد الخامس في منطقة الشمال، وكانا يمثلان صفة مستشار الخليفة.

وبعد وفاة محمد بن عمر، بقي أخوه عبد السلام مقربا من الخليفة مولاي الحسن بن المهدي، إلى درجة أنه أشرف على إطلاق تعاونيات كثيرة ساهمت في تغيير حياة سكان منطقة تطوان البسطاء، وانتشلتهم من الفقر. واستمر عمل تلك التعاونيات إلى حدود فترة وزير الداخلية إدريس البصري، حيث جرى الإجهاز عليها الواحدة تلو الأخرى، ومن بينها تعاونية فلاحية لم يقبل ورثة الراحل عبد السلام بن عمر تلقي أموال تأميمها، احتجاجا على النهاية المؤسفة التي عرفها مشروع والدهم، بعد وفاته في تسعينيات القرن الماضي.

لا شك أن التاريخ يحفل بمسار أسر مغربية أخرى نجحت في تمثيل الوجه المشرق لعلاقة المغرب بإسبانيا والتاريخ المشترك للبلدين. إذ إن محمد بن عمر، قنصل إسبانيا في السعودية، وأخاه عبد السلام، باشا سبتة، كانا مغربيين في إسبانيا. والدليل أن محمد عندما كان قنصلا إسبانيا في مدينة جدة، كان يشرف على الحجاج المغاربة أيضا، ويتولى حل مشاكلهم، وهو ما توجد وثائق تؤكده. في حين أن عبد السلام الذي كان باشا في سبتة، كان في الوقت ذاته مُطيعا لكل من الملك الراحل محمد الخامس، ثم الملك الراحل الحسن الثاني. ولو أنه كان يظن نفسه إسبانيا فقط، لما عاد إلى المغرب لكي يشتغل مع أعيان تطوان، مثل عبد الخالق الطريس وآخرين، ويضع خبرته في مجال الاقتصاد رهن إشارة أبناء المدينة التي أحبها مثل ما أحب مدينة سبتة. إذ إن داره في سبتة كان قبلة للمغاربة، وتشبه ديوان مظالم، حيث أشرف بنفسه على ربط الاتصال بين المغاربة والسلطات الإسبانية.

فكرة نسخة كأس العالم المشتركة بين البلدان الثلاثة، المغرب وإسبانيا والبرتغال، ليست فقط قابلة للتطبيق، بل إنها سوف تكون ترجمة لإرث كبير يجتمع فيه الإنساني بالتاريخ والجغرافيا، وأربعة عشر كيلومترا فقط من المياه، تقطعها الباخرة في عشرين دقيقة، والطائرة في أربع دقائق ونصف الدقيقة.

يونس جنوحي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى