الرأيالرئيسيةسياسية

كيف انهار جدار برلين

 

مقالات ذات صلة

 

بقلم: خالص جلبي

 

الأنظمة الشمولية تمتاز بأنها (شمولية)، بمعنى أنها (كل) متماسك إذا دخل الفساد عليها من ثقب، كانت مثل الغرفة التي يدخل عليها ريح القطب الجنوبي فيموت أهلها بردا.. هكذا انتهى نورييغا وتشاوسيسكو وشاه إيران وصدام.

وهذا يفسر لماذا كافح نظام ألمانيا الشرقية إلى ما قبل انهيار سور برلين بأيام. لأن أي ثقب فيه مثل النقب في سد هائل فينهار دكاء وكان وعد ربي حقا. وعندما يموت الإنسان فهو مسألة لحظة. وعليه فإن النظام الشمولي يكافح لآخر نفس للمحافظة على البقاء. ولا يسمح لأي ثقب في سده مهما بلغ صغره، ولو كان من حجم النانو. فهذه مسألة استراتيجية وهذا سر رفض النظام الشمولي أي محاولة إصلاح، لأنها ليست إصلاحا ولا في صالحه، بل إعلان موته في أسرع بريد. وهو يذكر بما حصل مع موت ستالين في أبريل عام 1953. فعندما نفق الجبار استيقظت الجماهير في برلين فتدافعت تنادي بالديموقراطية في بلد اسمه جمهورية ألمانيا الديموقراطية(DDR) ، لتتحول إلى انتفاضة شعبية عارمة يومي 16 و17 يونيو من عام 1953 تم سحقها بدون رحمة بالجيش الأحمر وميليشيات الحزب القائد. وبعد مرور نصف قرن على تلك الأحداث، احتفل الألمان في يونيو من عام 2003 بالانتفاضة، فوضع كل من شرودر، المستشار الألماني، وتيرزيه، رئيس البرلمان الاتحادي، وفون فايتسكر، رئيس الجمهورية، أكاليل الزهور على قبور أكثر من مائة ضحية.

وتعود بي الذاكرة إلى يوم من عام 1975 وأنا مع زميل ألماني متوجهين إلى مدينة فورتسبورغ في الجنوب، فسألته: هل تظن أن الشعب الألماني الموزع بين دولتين يمكن أن يتحد من جديد؟ هز رأسه نفيا. قلت له: لماذا؟ قال: السبب يعود إلى تربية النشء الجديد، فهذا الجيل من الشباب لم يعد ألمانياً، لقد أعيدت برمجة عقله على الشيوعية. قلت له: أما أنا فأقول لك إن الشعب الألماني سيتحد مهما طالت الفترة.

وأكدت لي نظرتي هذه حادثة مثيرة وقعت معي حينما أخطأت الطريق في الذهاب إلى برلين، فبدلا من الذهاب إلى الغربية ذهبت إلى الشرقية، فوقعت في المصيدة. ولكن الخطأ كان كمن يريد الذهاب إلى الجنة فنزل إلى سقر، وما أدراك ما سقر؟

وكما يقول الفيلسوف إبكتيتوس إنه ليس من شر في العالم فقد رأيت الجنة الاشتراكية على حقيقتها. فالشوارع ضيقة، والسيارات باهتة اللون، صغيرة الحجم، والبنايات شعبية متسخة، والناس بملابس رثة متواضعة، وأكثر ما لفت نظري كثرة الجيش والملابس العسكرية، وكنت أشم رائحة رجال الأمن حيثما توجهت. وتذكرت من هذه المناظر الأنظمة الاشتراكية في العالم العربي. وإذا عانيت أنا يوما في برلين، فإن الألمان الشرقيين عانوا أربعين سنة يتيهون في صحراء الاشتراكية بين عامي 1949 و1989.

وكادت عاصمة (البروسيين) الجميلة أن تقع في قبضة ستالين عام 1950، حينما أعلن حصارها. تلك العاصمة الجميلة التي تحمل ذكريات الأميرة «صوفي شارلوتنبرغ» التي كانت تجري حواراتها مع الفيلسوف «لايبنتز»، فتقول له: لم تفسر لي كل شيء، وفي قناعتي أنه مع مواجهة الموت سوف تتوضح لي بقية الحقائق.

وبعد انتفاضة عام 1953 شعر الألمان أن طريق الخروج هو واحد من اثنين: فإما حررهم أحد من الخارج، أو بالنزوح الجماعي بكل سبيل ممكن حتى يسقط النظام الشمولي إفلاسا.

لقد ثبت أن من يعيش في ظل نظام شمولي تتشوه معالمه كإنسان ويقضى على الأبعاد الثلاثية عنده، فلا يبقى عنده طول وعرض وارتفاع، ويتحول إلى كم مهمل، وظيفته إن أراد البقاء، التصفيق في المظاهرات للإنجازات. ومن عاش في كارثة كونية من هذا النوع عليه الهرب من البلد ومعه كلبه كما فعل أصحاب الكهف، فالديكتاتورية لا تصلح موطنا للكلاب.

وهناك من البلدان العربية ما يعيش على معادلة دقيقة، كي لا يحصل نزوح جماعي. فلو خرج الناس من دين الحكم أفواجا كما فعل الألمان الشرقيون، فهاجر الحرفيون والعلماء والمثقفون والشباب الطموح، لقاد البلد إلى الإفلاس في زمن يزيد وينقص. ولكن ما يبقى على الحكم الشمولي على قيد الحياة هو الأمل الكاذب، فلا يموت فيها الإنسان ولا يحيا. وبذلك تحول الملايين الذين هربوا من الحكم إلى ممولين له بالعملة الصعبة بنهر من ذهب من حيث أرادوا التخلص منه. ولو نزح الناس من البلد وقطعوا الشرايين المغذية له، لانهار النظام ميتا بفقر التروية. ولكن ملايين المهاجرين المغفلين يفعلون العكس، فيحافظون على ثبات عملة مفلسة بالتحويلات الثابتة بالملايين بنهر من ذهب، فيبقون على جثة ميتة من حيث يريدون دفنها (كانت الليرة السورية في أيامي الدولار يعادل 3 ليرات، واليوم مع كتابة هذه المقالة في دجنبر 2023 أصبح الدولار يعادل 14250 ليرة سورية، أي أن النظام الأسدي التهم البلد 4750 مرة).

لقد كان نزوح الناس الجماعي ملحمة فيها أربعون ألف قصة وقصة، فمنهم من حفروا سراديب تحت الأرض بأشد من الأرانب، ومنهم من طار فوق السحاب ببالونات اخترعوها بنصب وعذاب. وسبح الشباب حتى الإنهاك إلى الشاطئ الآخر. وكانت الثواني تحكم على حياة وموت الناس.

ثم بدأ الناس يتجمعون حول مصادر القوة التقليدية الكنائس. وصبر الناس في برلين حتى يذوب الجليد. وفي عام 1985 مع مجيء غورباتشوف تجرأ الناس على المواجهة أكثر، بعد أن أمر غورباتشوف بعدم تدخل الجيش الأحمر لمواجهة المتظاهرين الذين كانوا يهتفون: نحن الشعب.

ومن أعجب ما حدث ذلك المنظر الذي رأيته والجماهير العزلاء تقف في وجه الجيش وامرأة تجهش بالبكاء وهي تخاطب شرطيا انتصب أمامها متجمدا لا يجيبها ولا يبكي ولا يقاوم، وهي تهتف به بعبرات وعبارات، ولكن لغة الوجه كانت معبرة أكثر من كل مقال.

وفي النهاية مات النظام وتدفقت الجماهير فرفعت الحواجز وأخذت المعاول تنهال بها على الجدار اللعين، ومات النظام الكلي كلية بلحظة عين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.

ولقد كان للألمان في انقسامهم وتوحدهم آية.

 

نافذة:

من يعيش في ظل نظام شمولي تتشوه معالمه كإنسان ويقضى على الأبعاد الثلاثية عنده فلا يبقى عنده طول وعرض وارتفاع ويتحول إلى كم مهمل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى