الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

كيف تأسست وزارة الخارجية المغربية؟

قصة تعيين أول وزير وأول قنصلية مغربية بالخارج

قصة أول قنصلية مغربية في الخارج اخُتلف في كونها أنشئت في جبل طارق أو القاهرة، لكن المدينتين معا شهدتا إقامة أول مقر دبلوماسي يمثل المغرب إداريا في الخارج. قنصلية جبل طارق أسست للإشراف على الأوراق الإدارية للشركات التي تصدر منتجاتها إلى المغرب، أو تستورد منه السلع، بينما قنصلية القاهرة تأسست لسبب علمي واضح، وهو رعاية شؤون الطلبة والعلماء المغاربة الذين كانوا يترددون على جامع الأزهر، خصوصا خلال رحلات الحج.

مقالات ذات صلة

المفضل غريط هو أول مغربي جلس في كرسي الوزارة.. ثم بعده تناسلت الأحداث المثيرة التي ارتبطت بالمنصب.

 

يونس جنوحي

 

++++++++++++++

 

ذكريات من زمن المهام السرية

دائما ما ارتبطت وزارة الخارجية، عبر التاريخ، بحملة الأسرار. إذ إن أشهر من مروا من كرسي وزارة الخارجية المغربية، عُهد إليهم بأسرار ملكية ونقلوا رسائل شفهية رسمية إلى المعنيين بها مباشرة، وجها لوجه، في استغناء واضح عن كل وسائل الاتصال التي أتاحها العصر. وقد كانت هذه العادة أيضا في زمن المخزن، حيث الرسائل المكتوبة فوق الورق السميك، والتي غامر بعض السفراء بحياتهم لتبليغها إلى المعنيين بها، وكانوا وقتها مبعوثين في مهام خاصة قبل أن تولد وزارة الخارجية المغربية.

هناك إجماع على أن وزارة الخارجية المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني عرفت ثورة كبيرة. فبعد أن أصبحت وزارة عصرية مع الملك الراحل محمد الخامس سنة 1956 وأطلقت سفارات للمغرب في كل دول العالم، جعلت المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني بعد 1961 يصل إلى المنصات الدولية ويكون حاضرا في القضايا الدولية التي كانت تؤرق المنتظم الدولي، وتعززت الخارجية بكفاءات اختارها الملك الراحل الحسن الثاني بنفسه، أمثال أحمد السنوسي ومولاي أحمد العراقي، وصولا إلى عبد الواحد الراضي الذي كان وزيرا للتعاون وأنجز مهام في القارة الإفريقية، قبل أن تدمج الوزارتان معا -الخارجية والتعاون- ويختار الملك الراحل محمد بنعيسى على رأس الوزارة، بعد تجربة دبلوماسية في واشنطن.

هناك أسماء أخرى كلفت بمهام خاصة، مثل عبد الهادي بوطالب وعبد الهادي التازي، وهما معا نقلا رسائل الملك الراحل الحسن الثاني إلى كبار الزعماء في زمنهم، أمثال صدام حسين وملك السعودية وشاه إيران، واجتمعا عند من كان مستحيلا أن يجتمعا معهم على طاولة واحدة.

بالعودة إلى أحمد السنوسي، صديق دراسة الملك الراحل الحسن الثاني، والذي كان أبرز مهندسي تأسيس وزارة الخارجية المغربية في الظل، فإن هذا الأخير شهد عملية تحديث هياكل الخارجية المغربية سنة 1963، وأشرف بنفسه على اختيار اللائحة النهائية التي عدلها الملك الراحل الحسن الثاني لتوسيع دائرة سفارات المغرب عبر العالم.

أحمد السنوسي، الممثل الدائم السابق للمغرب في الأمم المتحدة، والسفير السابق أيضا، كانت تربطه صداقة متينة بالملك الراحل الحسن الثاني. صداقة تعود إلى أيام شبابهما معا. فعندما توجه السنوسي إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، كان في الوقت نفسه على اتصال مع الملك محمد الخامس وهو في منفاه في مدغشقر خلال بداية الخمسينيات، بوساطة من الحسن الثاني الذي كان وقتها وليا للعهد.

بعد الاستقلال، تعززت علاقة أحمد السنوسي ليصبح واحدا من البروفايلات التي اعتمدها المغرب لتأسيس النواة الأولى للخارجية المغربية، بمعية الاستقلالي بلافريج، ثم شبكة السفارات الأجنبية في المغرب. فبفضل دراسته في فرنسا كان منفتحا على الأجواء السياسية طيلة سنوات دراسته هناك، وتخصصه العلمي ساعده على فهم سير المؤسسات التي تمثل السياسة الخارجية لعدد من البلدان.

كان أحمد السنوسي، منتصف السبعينيات، قد بدأ يراكم خبرة محترمة في مجال العلاقات الخارجية للمغرب، بعد أن عُين منذ السنوات الأولى للاستقلال سفيرا بعواصم إفريقية. وكان من الذين رافقوا الحسن الثاني في جولاته الأوروبية أثناء انشغاله بقضية الصحراء، أشهرا قليلة قبل الإعلان عن المسيرة الخضراء. فقد كان أحمد السنوسي مرافقا للحسن الثاني في زيارته إلى إسبانيا للتحاور مع الجنرال فرانكو بخصوص أزمة الصحراء المغربية، وكان الحسن الثاني قد همس لمرافقيه، ومن بينهم السنوسي، أن فرانكو «مسمار الهند»، في إشارة من الملك الراحل إلى صلابة موقف فرانكو واستحالة التفاوض السياسي معه. بعد ذلك تقرر القيام بالمسيرة الخضراء، وكان أحمد السنوسي، كما يروي معارفه، قد اقترح على الملك الحسن الثاني دعوة وفود أجنبية للمشاركة في المسيرة الخضراء وألا تقتصر على المغاربة فقط. ليضيف أحمد السنوسي اقتراحا يقتضي بمشاركة من شباب أمريكيين في المسيرة الخضراء مع المغاربة، فقال له الحسن الثاني، كما روى هو شخصيا: «واش نتا أحمق؟» ليعيد السنوسي التأكيد على أنه يستطيع دعوة بضعة أمريكيين إلى المشاركة، وتم الأمر فعلا. لكن خلال الأشهر التي سبقت المسيرة الخضراء كان السنوسي في موقف صعب، لأنه كان سفيرا للمغرب في الجزائر، وكانت العلاقات في قمة التأزم بين البلدين، بسبب مشكل الصحراء. وما وقع أن الملك الحسن الثاني جعله على اطلاع بالترتيب المبكر للمسيرة الخضراء، بعد أن أدى القسم على ضمان سرية الإعداد بحضور عسكريين مغاربة، ليعود في أول طائرة إلى الجزائر ويواصل مهامه وقتها على رأس السفارة المغربية في الجزائر العاصمة.

 

 

قصة الوزير أحمد العراقي.. أصغر وزير للخارجية

رغم أنه بدأ حياته طبيبا سنة 1957، إلا أن قدر مولاي أحمد العراقي قاده إلى السياسة رأسا، أيام الملك الراحل محمد الخامس، إذ إن بلافريج عندما كان وزيرا للخارجية أقنع مولاي أحمد العراقي بإغلاق العيادة والعمل في مكتبه، ليدخل بذلك عالم الوزارة. جذبه إليها القطب الاستقلالي أحمد بلا فريج، أيام الملك الراحل محمد الخامس. لكن استوزاره في الخارجية سوف تكون وراءه قصة مثيرة فعلا، ويصبح أصغر وزير يجلس في كرسي وزارة الخارجية.

سبق في «الأخبار» أن نشرنا ملفا عن الحياة الشخصية والخاصة لهذا الوزير الاستثنائي الذي كان أصغر وزير مغربي يصل إلى وزارة الخارجية، عند وفاته يوم بداية نونبر 2020، في عز استفحال وباء كورونا.

نُعيد اليوم نشر بعض أقوى لحظات علاقة مولاي أحمد العراقي بوزارة الخارجية، وهي الوزارة التي لعبت دورا كبيرا في أحداث العالم الإسلامي والشرق الأوسط، في عز الصراع العربي الإسرائيلي. وقد كان على مولاي أحمد أن يعيش كل تلك التحولات، ويتحمل عياء الرحلات المكوكية التي كلفه بها الملك الراحل الحسن الثاني.

إن مهمة سنة 1967 بنيويورك كان لها وقع خاص. مباشرة بعد انتهاء المهمة الدبلوماسية في الولايات المتحدة، عاد أحمد العراقي إلى باريس. وبينما هو هناك جاءه اتصال هاتفي من القصر الملكي يطلب منه الدخول فورا إلى المغرب.

دارت تخمينات كثيرة في رأسه، أبرزها أنه من الممكن أن يكون قد أقدم على تصرف لم يعجب الملك الراحل خلال الزيارة إلى أمريكا أو أن تطورا ما قد وقع.

بصعوبة وجد أحمد العراقي طائرة مباشرة إلى الدار البيضاء، وبمجرد ما نزل من الطائرة، وجد في انتظاره موظفا طلب منه مرافقته، فازدادت الشكوك حول طبيعة استدعائه بهذه الصورة العاجلة إلى القصر الملكي، دون حتى أن يتصل به وزير الخارجية لتوضيح الأمر.

طوال الطريق بين الدار البيضاء والرباط، في برد فبراير وغيمه، لم تزدد الهواجس إلا حدة. ولم تتوقف إلا وهو ينزل من السيارة في اتجاه المكان الذي كان يقف فيه الملك الراحل الحسن الثاني: ملعب الهوكي المجاور للإقامة الملكية.

وقبل حتى أن يبدأ الملك الحديث مع أحمد العراقي، توجه بالكلام إلى مرافقيه فوق العشب، وهم المستشار أحمد رضا اكديرة وإدريس السلاوي والمحمدي، الذي كان وزيرا للداخلية في الخمسينيات، قائلا: «أقدم لكم وزير الخارجية الجديد».

تعين مرة أخرى وزيرا أول سنة 1969 بالسيناريو نفسه تقريبا. إذ كان في مهمة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. وبينما كان مستمتعا بيومي راحة في جزيرة تطل على المحيط الأطلسي في القارة الأمريكية، إذا بمكالمة من إدريس السلاوي يربطه فيها بالملك الحسن الثاني ليقول له، عليك أن تعود إلى الرباط قبل نهاية الأسبوع، لأنني سوف أعينك وزيرا أول. ولم تكن سنه تتجاوز 38 سنة.

كيف بدأت إذن وزارة الخارجية المغربية؟ وكيف وصلت من زمن رجال المخزن الأولين، إلى زمن الكفاءات المغربية؟

++++++++++++++

قصة ثورة إدارية أطلقها الحسن الأول لتأسيس الخارجية

يُجمع المؤرخون المغاربة على أن الإدارة الحكومية المغربية، عرفت ما يشبه ثورة في عهد السلطان المولى الحسن الأول، الذي تولى الحكم ما بين سنتي 1873 و1894، وغير الكثير من ترتيبات المناصب وأحدث وزارات مستقلة، بعد أن كان مفهوم الوزير في المغرب يشمل الإشراف على عدد من القطاعات، يكون على رأس كل واحدة منها مفوض مخزني ينسق مع الوزير الذي يتصل مباشرة بالسلطان.

وحسب ما أورده المؤرخ محمد المنوني، فإن أول تغيير عرفته الحكومة في مغرب الحسن الأول، أن تم إحداث وزارة الصدارة، ومن ضمنها وزارة الداخلية، ثم وزارة الخارجية، فوزارة الحرب، ويطلق على الوزير الذي يشرف عليها «العلاف الكبير». ثم وزارة الشكايات والتي تُعرف أيضا باسم «العدلية»، فالمالية التي يشرف عليها «أمين الأمناء».

وحسب ما أشار إليه المؤرخ المنوني، الذي أَصَّلَ لهذه المسألة في كتابه الشهير «مظاهر يقظة المغرب»، فإن أول من أحدث وزارتي الحرب والعدلية هو السلطان محمد الرابع، ثم أحدثت في عهد المولى الحسن الأول وزارة الخارجية ثم المالية، أما وزارة «الصدارة» فقد كانت الوزارة الوحيدة التي كانت موجودة من قبل.

الثورة الحكومية التي أحدثها المولى الحسن الأول تستحق فعلا أن يُسلط عليها الضوء، لأنه لم يعين الوزراء في وزارات جديدة وحسب، وإنما أحدث أنظمة إدارية لم يكن المغاربة يعرفونها من قبل، مثل تنظيم موظفي الموانئ والمراسي المغربية وإحداث مكاتب للحسابات وغيرها من المصالح التي سهلت التعامل الإداري بين المخزن والتجار، مغاربة وأجانب.

أما في ما يخص قطاع الخارجية، فقد كانت أهم ثورة أحدثت في دهاليزها، أن خُصص لها وزير مكلف بها، بعد أن كانت أمور المغرب الخارجية توكل إلى الصدر الأعظم، أو يبت فيها السلطان بنفسه في أغلب الحالات.

أول مهمة تكلف بها وزير الخارجية المغربي، كانت النظر في أمور المحميين المغاربة الذين أصبحوا في عهد المولى الحسن الأول، تابعين لحكومات الدول الأوروبية. وهذه الظاهرة -المحميين- أقلقت المغرب كثيرا، بحكم أن مغاربة من رعايا السلطان صاروا تابعين لحكومات دول أوروبية ولم تعد تسري عليهم القوانين المغربية. وهكذا، فقد كان أول ملف عُهد به إلى وزارة الخارجية المغربية، هو النظر في ملف هؤلاء المحميين المغاربة، والوساطة بينهم وبين السلطان، وبين سفراء الدول الأجنبية الذين كان أغلبهم مستقرين في طنجة.

ومن مهام وزارة الخارجية التي تطرق إليها المؤرخ محمد المنوني: «أدخلت إصلاحات جوهرية على الخارجية المغربية، وأحدثت لها وزارة على حدة، كان صاحبها مكلفا بالنظر في أمور المحميين والوساطة بين السلطان وبين سفراء الدول، وعقد الشروط والمعاهدات بينه وبينهم، وكتابة الرسائل إليهم وإصدار الأوامر للعمال في ما يتعلق بإيالاتهم من دعاوى أهل الحماية، ومباشرة أمر كل وافد أجنبي للمغرب، وكان الذي يتولاها في العهد الحسني هو محمد المفضل غريط أول وزير للخارجية المغربية».

لا يوجد هنا أي خلاف بخصوص هوية الشخص الذي جلس لأول مرة في كرسي وزارة الخارجية المغربية. إذ يوجد إجماع على كون المفضل غريط هو أول موظف مخزني شغل منصب وزير الخارجية، ولم تكن مهمته سهلة نهائيا، خصوصا وأن المغاربة والأجانب أيضا لم يكونوا معتادين على التعامل مع وزير مغربي خاص بالخوض في «الشؤون البرانية»، كما كان يُطلق على قطاع الخارجية، قبل أن تؤسس الوزارة الخاصة بهذه الأمور، بشكل إداري رسمي.

 

أول وزير خارجية في تاريخ المغرب كان يكره الفرنسيين

المفضل غريط الذي تعين أول وزير للخارجية المغربية، بعد هيكلتها بمبادرة من السلطان الحسن الأول، لم يستمر في منصبه إلى آخر حياته، إذ إنه غادر الوزارة الأولى وترك مكانه لوزير آخر -لا يقل عنه أهمية وشهرة- وهو الوزير عبد الكريم بن سليمان.

وعندما غادر غريط وزارة الخارجية، أصبح صديقا مفضلا للأجانب، سيما الألمان.

وأشار بعض الصحافيين الأجانب، وعلى رأسهم الصحافي لاورنس هاريس الذي جاء إلى المغرب سنة 1908 للقاء السلطان المولى عبد الحفيظ خلال الأسابيع الأولى لوصوله إلى الحكم، وذكر أنه التقى المفضل غريط، على باب القصر الملكي في فاس، وهو يرافق طبيبا ألمانيا يحاول منذ أيام تقديم أوراق اعتماده طبيبا في المغرب إلى السلطان، لكنه لم يفلح في مسعاه، ولم يكن أمامه سوى الاستعانة بخدمات وزير الخارجية المغربي الأسبق، لكي يتوسط له للقاء السلطان.

هذه المهمة التي وافق المفضل غريط على القيام بها، لا تعني أنه كان يعاني ضائقة مالية وإنما تعكس مدى العلاقات التي ربطها بعد مغادرته وزارة الخارجية، إذ أصبح صديقا للألمان الذين كانت لديهم طموحات للتوسع في شمال إفريقيا، ووضعوا ثقتهم في المفضل غريط لكي يعمل على توسيع نفوذهم داخل المخزن المغربي، منافسين كلا من بريطانيا وفرنسا. وهنا يكمن سبب عداء غريط للفرنسيين، فقد كان يرى فيهم منافسين شرسين للألمان، ومصدر مشاكل أمام المهمة التي أوكلها إليه الألمان، بمقابل مادي كبير.

تشير بعض الوثائق التاريخية إلى أن المفضل غريط كان يقيم في طنجة، حيث تتركز كل التمثيليات الأجنبية في المغرب، وكان يربط اتصالات وطيدة مع الألمان، وكان بيته قِبلة للراغبين الأجانب في الوصول إلى القصر الملكي ولقاء السلطان، سواء لتقديم أوراق اعتمادهم، أو لربط صداقات مع القصر بتقديم هدايا باسم حكومات أجنبية إلى السلطان الجديد.

علاقة المفضل غريط ببعض أصدقائه في المخزن لم تكن على ما يرام بعد مغادرته الوزارة، والدليل أنه لم يُوفق في مسعاه، إذ كانت تحوم حوله شكوك بشأن ولائه لأحد أبناء السلطان المولى الحسن الأول، على حساب آخرين. لكن بحكم ابتعاده عن السلطة المركزية وصداقته الوطيدة مع الألمان، فقد كان كبار أثرياء فاس من التجار، يتسابقون للفوز بصداقة المفضل غريط، الرجل الذي دخل التاريخ المغربي من أوسع أبوابه، ونُسي كأنه لم يكن.

مسألة كراهية المفضل غريط للفرنسيين كانت وراء أفول اسمه مع اقتراب سنة 1912، إذ إن الألمان الذين راهن عليهم لم يفوزوا بأي امتياز في المغرب، شأنهم شأن الإنجليز الذين فطنوا سريعا إلى أن الفرنسيين قد سبقوهم إلى الوصول لمختلف جهات المغرب واحتلوا الجزائر، وأن سيطرتهم على المغرب ليست إلا مسألة وقت فقط. وبما أن المفضل غريط قد راهن على الحصان الخطأ -ألمانيا- فقد كان عليه أن يتحمل نتيجة خسارتها التاريخية في شمال إفريقيا، وهذا ما يفسر تغييب اسمه لاحقا بعد انفراد فرنسا بالهيمنة على المغرب.

 

النائب السلطاني.. منصب سبق تأسيس وزارة الخارجية

قبل الوقت الذي أحدثت فيه وزارة الخارجية في عهد المولى الحسن الأول، كان وضع طنجة يؤرق المخزن المغربي منذ عقود طويلة، نظرا إلى وجود وفود أجنبية في المدينة، وهكذا تم إحداث منصب جديد أطلق عليه اسم منصب «النائب السلطاني». وكان هذا الأمر استثناء إداريا مغربيا خالصا، وكان النائب السلطاني يمثل السلطان في تعامله مع سفراء الدول الأجنبية الذين كانوا يقيمون في المغرب، حتى قبل عهد المولى الحسن الأول.

وحسب المؤرخ المغربي محمد المنوني دائما، فإن أول من شغل المنصب هو بوسلهام بن علي أزطوط الذي ينحدر من العرائش، وكان يجمع بين منصب النائب السلطاني وبين منصب باشا طنجة، وكان هذا في عهد السلطان عبد الرحمن سنة 1842.

النائب السلطاني منذ عهد المولى إسماعيل، كان يعني الوقوف في حقل من الألغام.

منصب سيادي كالنائب السلطاني أو الخليفة السلطاني، كان يمنح صاحبه صلاحيات واسعة تخول له تمثيل الدولة في النفوذ الترابي التابع له، كان يعني أيضا زوال السلطة برسالة واحدة من القصر الملكي. فقد كان بعض الذين مروا بهذا المنصب، وكلهم كانوا شديدي القرب من العائلة الملكية، يضعون أيديهم على قلوبهم كلما لاح لهم منظر حامل الرسائل، مخافة أن تكون هناك رسالة تنقل إليهم خبر تنحيتهم في أية لحظة.

بعض الذين يُعفون من هذا المنصب الذي يعد من المناصب الضاربة في القدم، لم يكونوا يتقاعدون في سلام، فقد كانت تبعات المنصب تلاحقهم، خصوصا في فترات انعدام الاستقرار السياسي. فحتى أكبر أبناء المولى الحسن الأول بقي مجهول المصير لفترة، رغم الاخبار التي راجت في فاس والتي تقول إنه توفي بعد صراع مع مرض مفاجئ. كان الناس يعلمون أن المرض المفاجئ سيبقى لغزا محيرا، لكنه كان يحمل رسائل عميقة لكل أصحاب المناصب السيادية في المغرب، فقد راجت أخبار عن رغبة بعض القبائل توليته مكان والده الراحل، ضدا في توصية مستشاري الدولة، وهو الأمر الذي عجل برحيله المفاجئ. فقد كان حاملو مفاتيح علب أسرار المناصب المخزنية لا يمازحون أحدا بهذا الخصوص.

لكن الهيكلة الإدارية التي باشرها المولى الحسن الأول بإحداث وزارة الخارجية، أثرت كثيرا على طريقة اشتغال النائب السلطاني، وهكذا فإن أول من شغل منصب النائب السلطاني في طنجة بعد تحديث الخارجية، هو محمد الخطيب التطواني، ثم جاء بعده محمد بركاش الذي ينحدر من الرباط، ثم محمد الطريس.

هيكلة إدارة النائب السلطاني في طنجة كانت بأمر من الحسن الأول إلى وزير خارجيته في فاس، المفضل غريط، إذ كان هذا الأخير هو الوسيط بين رسائل السلطان إلى هؤلاء النواب، وأيضا وسيطا بين أجوبتهم وبين السلطان. وهكذا فقد كان النائب السلطاني، في أيام الحسن الأول، تابعا لوزارة الخارجية بعد أن منصبا مخزنيا يتصل مباشرة بالسلطان.

 

 

القاهرة وجبل طارق.. أول قنصليتين للمملكة في الخارج

يُجمع المؤرخون على أن منطقة جبل طارق كانت أول مكان يوجد فيه ممثل للمخزن المغربي، خارج المغرب.

بحكم العلاقات التجارية والسياسية بين المغرب وأوروبا، فقد كان يتعين على المغرب أن يضع ممثلا للمخزن المغربي في منطقة جبل طارق.

وقد ورد في بعض المراجع التاريخية أن الموظف المخزني الحاج محمد سعيد جسوس، كان أول من شغل هذا المنصب سنة 1845، ثم جاء بعده عبد السلام بوزيان، الذي كان له الفضل في صنع وإنجاز أول جواز سفر مغربي في التاريخ سنة 1902.

إذ ما وقع أن وفدا مغربيا كان في طريقه إلى بريطانيا، وكان الوفد مكونا من سفير خاص عينه السلطان عبد العزيز لتمثيل المغرب في حفل تنصيب الملك البريطاني إدوارد السابع، بالإضافة إلى مرافقين كان جلهم من الموظفين المخزنيين، ومترجم أجنبي واحد. تحرك الوفد المغربي من مدينة طنجة في اتجاه جبل طارق، ويكتب الحسن الغسال قائلا إن أعضاء «السفارة» المغربية كانوا يحملون معهم أوراق رسمية باللغة العربية تثبت هويتهم وصفاتهم ومهامهم، لكن لا أحد في المغرب وقتها فكر في استحالة اطلاع الأجانب على تلك الوثائق وفهمها. وهكذا أصبح السفير المغربي عالقا في جبل طارق، لأن المسؤولين البريطانيين لم يفهموا كلمة في تلك الوثائق التعريفية، وبالتالي لم يكونوا قادرين على السماح للقائد عبد الرحمن بالسفر على متن باخرة إلى لندن.

تصوروا أن هذا أعضاء الوفد المغربي الذين كانت مهمتهم إلى جانب حضور مراسيم تنصيب إدوارد السابع ملكا على بريطانيا العظمى، مناقشة اتفاق بين البلدين حول أمور عسكرية تتعلق برسو البوارج البريطانية على السواحل المغربية في طنجة، لم يكونوا يتوفرون أساسا على جوازات سفر تتيح لهم التنقل.

الوفد المغربي وقع في مشكلة عويصة، بمجرد ما أن وصل إلى جبل طارق في انتظار الباخرة التي سوف تقله إلى وجهته النهائية. إذ رفض قائد السفينة أن ينقل أعضاء الوفد المغربي إلى وجهتهم، لأنهم ببساطة لم يكونوا يتوفرون على جوازات سفر رسمية تؤكد هوياتهم.

وكان عبد السلام بوزيان، القائم بأمور القنصلية المغربية في جبل طارق، صاحب فضل في صنع أول جواز سفر مغربي في التاريخ، إذ عاد سريعا إلى مكتبه في القنصلية، بعد أن استقبل الوفد المغربي في الميناء، وصاغ مسودة أول جواز سفر مغربي، كان عبارة عن وثيقة يشهد فيها بصحة هوية حاملها، ومهرها بتوقيعه، بصفته قنصلا مغربيا في جبل طارق، وأصبحت الوثيقة أول جواز سفر ساري المفعول، وصنعت جوازات لكل أعضاء الوفد المغربي.

وهكذا فقد كانت قنصلية المغرب في جبل طارق على موعد مع التاريخ مرتين.

أما قنصلية القاهرة، فقد تأسست أساسا بحكم أن طلبة العلم المغاربة كانوا يشقون طريقهم إلى القاهرة للدراسة في جامع الأزهر. وفي عهد السلطان الحسن الأول، أثير مشكل بعثة مغربية إلى الأزهر، وتقرر أن يُبعث بممثل للسلطان يقوم بأمور المغاربة الذين كانوا يتوقفون في القاهرة خلال مواسم الحج، وأيضا خلال رحلات طلب العلم، سيما وأن بعض العلماء المغاربة سبق أن طلبوا من المولى الحسن الأول أن يتوسط لهم لتسهيل مهام نسخ المخطوطات في مكتبة جامع القرويين، وهكذا فقد كان إنشاء قنصلية القاهرة، بهدف علمي خالص لتسهيل مهام طلبة العلم، وتيسير رحلات الحجاج المغاربة، خصوصا العلماء منهم الذين كانت عادتهم عند أداء مناسك الحج، أن يتوقفوا أولا في جامع الأزهر ولقاء العلماء ونسخ المخطوطات وتبادل العلوم، قبل العودة إلى المغرب في رحلات كانت مدتها تقارب السنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى