شوف تشوف

الرأيالرئيسيةثقافة وفن

كيف تصاب الحضارات بالعقم والذبول

 

 

 

بقلم: خالص جلبي

هذا هو القانون النفسي الاجتماعي الذي تتردى فيه الجماعات الإنسانية والذي يوصلها إلى الوضع الذي لا تستفيد فيه مما عندها، ولو كانت كنوزا رائعة وذخائر نفيسة، ومجلدات مثيرة، وعلم لا ينتهي. ويذكر القرآن نموذجا عجيبا للحمار الذي يحمل على ظهره أسفارا من الكتب الرائعة، والمجلدات الثمينة، ولكن هل بإمكان الحمار أن يقرأ سطرا واحدا؟ والمثل جاء بالأصل عن اليهود، ولكن لا يخرج اليهود عن كونهم بشرا انطبق عليهم القانون الإلهي، ويقبل أن يتكرر في أوساط إنسانية أخرى وفي هذا يقول عز وجل: (مثل الذي حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)، سورة «الجمعة»، الآية: 5.

كيف تصاب الحضارات بالعقم؟

كيف تسقط الحضارات وتنهار الدول؟ كيف تصاب الأنظمة بالعقم؟ هل هناك قانون تنتظم تحته مثل هذه الوقائع؟ أو هل هناك بالأصل سنن اجتماعية تسير بموجبها حركة التاريخ؟ لاشك أن الحريق المغولي (تدمير بغداد عام 1258م) كان كأسا ماحقا مدمرا!

يقول «ويل ديورانت» في سفره الضخم عن «قصة الحضارة» مؤرخا للإعصار المغولي: وهلك في هذه المذبحة الشاملة آلاف من الطلاب والعلماء والشعراء، ونهبت ودمرت في أسبوع واحد المكاتب والكنوز التي أُنفقت في جمعها قرون طوال، وكانت مئات الآلاف من المجلدات طعمة للنيران.. ولسنا نعرف أن حضارة من الحضارات في التاريخ كله قد عانت من التدمير الفجائي ما عانته الحضارة الإسلامية على يد المغول. لقد امتدت فتوح البرابرة إلى بلاد الدولة الرومانية قرنين من الزمان، وكان في استطاعة الدولة أن تنتعش بعض الانتعاش بين كل ضربة وضربة، وكان الفاتحون الجرمان يكنون في قلوبهم بعض الإجلال للدولة المحتضرة، ومنهم من حاول المحافظة عليها؛ أما المغول فقد أقبلوا وارتدوا في أربعين عاما لا أكثر، ولم يأتوا ليفتحوا ويقيموا، بل جاؤوا ليقتلوا وينهبوا ويحملوا ما يسلبون إلى منغوليا.

ولما ارتد تيار فتحهم الدموي مخلفا وراءه اقتصادا مضطربا، وقنواتا للري مطمورة، ومدارس ودورا للكتب رمادا تذروه الرياح، وحكومات منقسمة على نفسها، معدمة ضعيفة لا تقوى على حكم البلاد، وسكانا هلك نصفهم وتحطمت نفوسهم؛ ولكن حتى يمكن فهم كيف تحدث مثل هذه الوقائع، لا بد من وضعها تحت التحليل، وسبر أغوارها بمعيار الحكمة، وعرضها على أصولها، ومقارنتها بنظائرها، وفهمها من خلال علاقة جدلية بين السبب والنتيجة، والعامل الخارجي والداخلي.

 

هل يمكن فهم أي حدث بدون مقدماته ونتائجه؟

ولنتقدم بالبحث خطوة أعمق، هل يمكن فهم أي حدث بدون مقدماته ونتائجه؟ هل يحدث بدون قانون ينظمه؟ والعناصر الداخلية والخارجية أيهما أثقل في الميزان؟ وإذا كانت العناصر الخارجية والداخلية هي التي تتفاعل لتبرزه إلى الوجود، فأي العناصر أهم في التأثير، وأبلغ في التفاعل، وأثقل في الميزان؟ أي العناصر أشد حسما، وأعظم أثرا، وأبلغ نتيجة؟

هل يسيطر هذا القانون، أو تعم هذه المعادلة مساحات شتى من الوجود، بحيث تنتظم شرائح منوعة، وقطاعات شتى من الوجود المادي العضوي والنفسي والاجتماعي والدولي والحضاري؟ إذا كانت جحافل المغول اجتاحت المشرق الإسلامي، فكيف يُعَلَّل سقوط الجناح الغربي في قرطبة وبالنثيا وسرقسطة وطليطلة وأخيرا إشبيلية؟ حيث لم يكن هناك مغول؟

عندما يتلقى فرد ما صفعة فيسقط ميتا، يجعلنا نتساءل هل الصفعة أودت به إلى الموت، أم أن الصفعة أظهرت الموت الذي كان على وشك الظهور؟ لأن العادة تقول إن المرء لا يموت من الصفعة.

عندما تهب الريح على الغابة فتسقط بعض الأغصان، وتطير بعض الأوراق، وتهوي بعض الجذوع، فإننا لا نقول إن الريح هي التي أسقطت الأوراق؛ إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت كل الجذوع، ولهوت كل الأشجار، وتناثرت كل الأوراق.

عندما يحدث المرض، لا يحدث لأن الجراثيم هي التي سببته، إذ لو كان الأمر كذلك لكان الإنسان مريضا بدون توقف، عليلا بدون فواصل، يسعل قيحا، وينفث دما، يجر أطرافه تعبا، ويرفع رأسه وعينيه متثاقلا، والسبب في هذا أن الجسم الإنساني كما نعرفه نحن الأطباء بصورة جلية واضحة أن الجراثيم لا تغادر البدن لحظة، ولا تتركه لثانية. لطخة من الأنف تعطي المنظر المرعب عن حقول لا تنتهي من قبائل الجراثيم، وعصابات الفيروسات والفطريات من أصناف شتى، وفصائل مختلفة، بل إن ميليغراما واحدا من البراز يحتوي على ما لا يقل عن 140 مليون جرثومة، كل منه عنده قدرة مريعة على التكاثر، وفتك مدمر للعضوية.

 

كيف يحدث المرض؟

إذن كيف يحدث المرض؟ والجواب يحدث نتيجة اختلال التوازن بين هجوم الجراثيم وانهيار الجهاز المناعي؛ المرض هو في الحقيقة تعبير عن انهيار الجهاز المناعي أكثر منه سطوة الجراثيم واستفحال هجومها، وعندما يعود البدن إلى الحالة السوية فإنه يتجاوز هذا الوضع الرائع المبدع إلى أعلى غايات التعقيد عن طريق سيطرة جهاز المناعة. ولا نريد أن نجعل من المقالة بحثا طبيا خالصا، ولكن نشير إلى أن كل فعاليات البدن تمشي وفق هذا الناموس، وتسبح الله على هذه الطريقة.

نافذة:

لما ارتد تيار فتحهم الدموي مخلفا وراءه اقتصادا مضطربا وقنواتا للري مطمورة ومدارس ودورا للكتب رمادا تذروه الرياح وحكومات منقسمة على نفسها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى