شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

ما حقيقة الممتلكات الجزائرية بالمغرب؟

قصص كرم تاريخي لم يكن مُعترفا بالحدود

 

«هناك هدايا مغربية إلى الجزائريين، لم تصل إلى صفحات الجرائد ولا إلى وكالات الأنباء. يتعلق الأمر بهبات مُنحت لشخصيات جزائرية أرادت الاستقرار في المغرب، خصوصا بعد انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بلة. ففي سنة 1966، حل في المغرب مسؤولون سابقون من قيادة الثورة، خافوا على حياتهم من بطش هواري بومدين، ومنحهم الملك الراحل الحسن الثاني مساكن في مدينة الرباط واستقروا في المغرب، وبعضهم لم يغادروه نهائيا.

وسنة 1968، كان الملك الراحل الحسن الثاني قد أعطى تعليمات إلى مصالح وزارة الداخلية في وجدة، لتسوية وضعية مساكن كان يقيم فيها جزائريون، قبل استقلال بلادهم، لكنها لم تكن مملوكة لهم، وإنما وضعت رهن تصرفهم منذ نزوحهم إلى المغرب».

 

يونس جنوحي

 

 

قصة سفارة الجزائر في الرباط

منذ القرار الذي اتخذه الجزائريون بقطع العلاقات مع المغرب وسحب سفيرهم، والمارة بجانب بناية السفارة الجزائرية في الرباط، لا يخفون امتعاضهم من المآل الذي آلت إليه البناية، خصوصا وأن الإهمال صار ظاهرا في أسوارها وبواباتها. حتى أن الجميع تقريبا نسوا متى أصلا أعلن الجزائريون هذه القطيعة، ووحدها البناية بقيت تُذكر بالموقف الجزائري.

قرار نزع الملكية الذي نُشر في الجريدة الرسمية المغربية، الأسبوع الماضي، كان كفيلا بإلقاء تلك «الحجرة» في البركة الراكدة.

القرار الصادر في المغرب، يتعلق بنزع ملكية ثلاثة عقارات في مدينة الرباط، وهذه العقارات مملوكة فعلا للجمهورية الجزائرية، من أجل المنفعة العامة.

الرد الجزائري اعتبر أن القرار «سلوك استفزازي وعدائي» تجاه الجزائر، وتوعد بالرد حسب الوسائل التي «تراها» الجزائر مُناسبة.

لكن المثير أن خلفية القرار ليست لها فعلا أي دواع سياسي، سيما وأن المتتبع للشأن العام في الرباط، يعلم أن السلطات في المدينة باشرت سياسة مراجعة عدد من المشاريع المتعلقة بالتعمير، وباشرت فعلا مسطرة نزع الملكية بصورة قانونية لعدد من العقارات ولم تستهدف أصحابها، بل وفي احترام للمساطر، لتنزيل مشاريع في التعمير والتخطيط الجديد لعدد من المشاريع العقارية التي سوف تشهدها العاصمة.

وهذه المشاريع مرت من أمام لجان متخصصة ومُنتخبة، وصودق عليها قبل أن يتم المرور إلى مرحلة الإجراءات.

بعض الفاعلين المغاربة الذين تابعوا الموضوع، تساءلوا لماذا لم تتحرك الجزائر لتفقد العقارات موضوع هذه التصريحات التصعيدية، إلا عندما صدر قرار مغربي رسمي لا يستهدفها وحدها، وإنما يهم عقارات يملكها مغاربة أنفسهم.

في العرف الدولي، لم يسبق لأي دولة أن احتجت على قرار مماثل، بل إن المغرب كان موضوع قرارات لنزع الملكية، أصدرتها سلطات دول أجنبية تملك فيها الدولة المغربية عقارات تضعها رهن إشارة دبلوماسييها وإدارييها، ولم يسبق أن احتج المغرب على قرارات مماثلة. وسنويا أيضا، تصدر قرارات من هذا النوع حول العالم، ولا تهم فقط بنايات تابعة للسفارات والقنصليات، بل أيضا القصور التاريخية والعقارات التي منحها أجانب، أو أوصوا، في سياقات تاريخية مختلفة بوهبها للمغرب.

 

قيمتها تُقدر بملايير الدولارات.. ممتلكات مغربية داخل الجزائر

هذا الملف واحد من الملفات التي ما زالت ساخنة إلى اليوم، رغم أن أحداثه تعود إلى دجنبر 1975.

يتعلق الأمر بممتلكات أزيد من 350 ألف مواطن مغربي كانوا يقيمون بصورة طبيعية في الجزائر، أجبروا بشكل مفاجئ على مغادرة التراب الجزائري في عز احتفالات عيد الأضحى، الذي تزامن وقتها مع شهر دجنبر، وتركوا وراءهم ممتلكاتهم وكل متعلقاتهم، ولم يُسمح لهم بأخذ سوى وثائق الهوية وبعض الملابس وما أفلح بعضهم في تهريبه داخل ملابسهم، هذا إن نجوا من التفتيش الدقيق الذي مروا منه، قبل أن يُلقى بهم على الحدود المغربية.

لم يكن الرقم اعتباطيا، 350 ألف مطرود يساوي تماما عدد المشاركين في المسيرة الخضراء التي لم يكن وقتها قد مر عليها أكثر من شهر. هذا الرد الذي حاول به هواري بومدين أن يضرب المغرب ويكسر فرحة المغاربة بنجاح المسيرة الخضراء، كان فعلا مُربكا للسلطات المغربية، على الأقل خلال الساعات الأولى، عندما وصل خبر إلقاء 45 ألف أسرة مغربية على الحدود، في العراء، في عز برد دجنبر، قبل أن تُعطى التعليمات لممثلي وزارة الداخلية والأمن، لكي يصطحبوا المطرودين إلى الخيام ويُدرس ملف توزيعهم.

هؤلاء المطرودون لم يكونوا جميعا مغاربة عاديين مقيمين في الجزائر لمزاولة مهنة أو حرفة، وإنما بعضهم كانوا من كبار رجال الأعمال في الجزائر، وامتلكوا معامل لصناعة الأحذية والملابس والمواد الاستهلاكية، ومحلات تجارية وأصولا عقارية في قلب الجزائر العاصمة.

ما مصير ممتلكاتهم إذن بعد ترحيلهم؟ سبق في «الأخبار» أن أثرنا ملف هؤلاء المطرودين في الذكرى الأربعين لترحيلهم.

إحدى الحالات التي يوجد ملفها بين وثائق المطالبة بالتعويض، وهو الملف الذي لا يزال يُدرس في جنيف وتحل دوريا لجان من المغرب والجزائر للانكباب عليه، في ظل تعنت جزائري ورفض للاعتراف بالمسؤولية التاريخية عما وقع من تشريد لهذه الأسر، تعود لأسرة السيد «ملوك»، وقد سبق أن أثرنا قصته في «الأخبار». توفي السيد ملوك دون أن يستعيد ممتلكاته في الجزائر، والتي تمثلت في منزل فخم من ثلاثة طوابق وضيعة فلاحية شاسعة وسيارات، وتجارة رائجة يتحكم من خلالها في استيراد القماش الرفيع من إسبانيا صوب الجزائر. أحد أبنائه، حكى لـ«الأخبار»:

«لم يكن عمري يومها يتجاوز 7 سنوات. لم نحس بطعم العيد، وظل هذا الإحساس يرافقني إلى اليوم، كلما حل عيد الأضحى. أمضينا يوم العيد في الترقب، فقد كنا رفقة جيراننا المغاربة، وكانوا يقطنون معنا في نفس الحي، ننتظر أن يتم ترحيلنا من الجزائر العاصمة نحو المغرب كما أخبرونا. في ثاني أيام العيد جاء نفس الأشخاص الذين أخبروا والدي بأن عليه أن يرحل إلى المغرب، وأخبرونا بأنه يتعين علينا الرحيل فورا، دون أن نحمل معنا أية أمتعة، باستثناء الأمور الضرورية والبسيطة أيضا. تركنا كل شيء خلفنا وترك والدي محله التجاري الفخم في قلب العاصمة ومستودعا للسلع. أركبونا بالقوة حافلة وجدنا بها بعض الأسر المغربية الأخرى. كان الأمر عصيبا، لأني رأيت أقراني منخرطين في نوبات بكاء حادة. نسوة كان عويلهن يسمع قبل صعود الحافلة. واستمر هذا الجو الكئيب إلى أن وصلنا وجدة، وهناك رمونا على الحدود. لا أنكر هنا أننا شعرنا ببعض المواساة عندما وجدنا السلطات المغربية في انتظارنا. لقد خفف عنا الأمر بعض الألم».

ثروة المغاربة المطرودين ما زالت تُسائل المسؤولين الجزائريين، خصوصا وأن منازل أغلبهم مُنحت أو فُوتت لأسر شهداء الثورة الجزائرية، بينما صودرت المعامل والسيارات والمحلات التجارية وقامت الدولة الجزائرية وقتها بتأميمها، رافضة الآن تمكين ذوي الحقوق من ممتلكاتهم، سيما وأن أغلبهم لا يزالون إلى الآن يحتفظون بأوراق الملكية التي تُثبت حقوقهم.

 

 

هبات مغربية لجزائريين منذ 1830.. وكانوا يُسمون «البينيين»

إذا اكتفينا بجرد الأحداث منذ سنة 1830 فقط، دون العودة إلى ما قبلها، فسوف نجد أن المغرب كان مفتوحا أمام القادمين من الجزائر هربا من الجيش الفرنسي. وقد كان مسموحا لهؤلاء النازحين بحيازة ممتلكات في المغرب، عندما تعلق الأمر بنزوح تجار تلمسان نحو وجدة. أما عندما تعلق الأمر بالفقراء وصغار الفلاحين الذين سُلبت منهم أراضيهم، فقد عرض عليهم السلطان المغربي، محمد بن عبد الرحمن، وخليفته السلطاني في الشمال الشرقي خصوصا، تعويضات من بينها أراض مُنحت لهم في إطار تضامني، ومنازل وُضعت رهن إشارة النازحين الذين لم يكونوا يتوفرون على أي مأوى أو موارد مالية.

بعض المنازل التي وُضعت رهن إشارة النازحين الفقراء، لم تكن في ملكية الدولة، وإنما تنازل عنها مغاربة لصالح هؤلاء النازحين.

المثير في الأمر، أن هؤلاء النازحين لم يكن يُطلق عليهم تاريخيا «جزائريين»، وإنما كان يشار إليهم بعبارة «البينيين»، أي القادمين من البلاد الواقعة بين المغرب وطرابلس.

وهذا المعطى ليس نكتة عنصرية في حق الجزائريين، وإنما حقيقة تاريخية أغفلت وسقطت، سهوا ربما، من التاريخ. أحد الباحثين الأمريكيين وثق لهذه المعلومة، وهو لا يزال على قيد الحياة بالمناسبة. اسمه كيفن دواير، وقد ألف كتابا اسمه «حوارات مغربية»، وهو فعلا كذلك.

إذ إن فكرة هذا الباحث تقوم على زيارة منطقة من مناطق المغرب والإقامة فيها، ودراستها من الناحية الاجتماعية. الشخصية الرئيسية التي اعتمد عليها هذا الباحث، هي شخصية «الفقير»، وهو رجل مغربي من إقليم تارودانت، التقاه الباحث الأمريكي لأول مرة في بداية سبعينيات القرن الماضي، وأجرى معه تلك الحوارات ما بين سنتي 1973 و1975.

وفي خضم الحديث بين العالم الأمريكي و«الفقير»، في محاولة توثيقية لمسار حياته والأحداث التي عاشها خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي، ورد ذكر «البينيين»، وشرح الفقير للعالم الأمريكي أن الجزائريين كان يُطلق عليهم في المغرب اسم «البينيين»، أي القادمين من البلاد التي تقع بين المغرب وطرابلس، ولم يكونوا معروفين باسم «الجزائريين».

هذه الحقيقة التاريخية التي وثق لها العالم الأمريكي كيفين دواير، لم يتم التطرق إليها كثيرا في كُتب التاريخ. وبدا واضحا أن الفئة الاجتماعية والثقافية التي ينتمي إليها «الفقير» – الشخص موضوع الدراسة- لم يكن لديها أي خلفية ثقافية أو علمية لكي تتحدث عن وقائع مختلقة، خصوصا وأن فكرة الكتاب أساسا تقوم على أساس التوثيق للذاكرة «الشفهية»، حيث يُقارب الكاتب في تلك الحوارات، الأحداث والمعلومات التاريخية انطلاقا من حوارات مع الأشخاص وطرح أسئلة دقيقة.

النازحون من الجزائر، والذين كانوا يُسمون «البينيين»، وصلوا إلى مختلف مناطق المغرب بعد نزوحهم، ومنهم من صاروا مغاربة ولم يفكروا في مغادرة المغرب، لكن نسبة مهمة منهم عادوا إلى الجزائر، سيما عندما أصبح الاستعمار الفرنسي للبلاد واقعا لا يمكن رفضه.

ومن بين هذه الأسر الجزائرية التي نزحت إلى المغرب، نجد أسرة أول رئيس للجزائر، وهو «أحمد بن بلة»، فقد كانت أسرته قد نزحت إلى المغرب، واستقر والده فترة طويلة بين المغاربة، قبل أن تقرر الأسرة العودة إلى الجزائر. وهكذا فإن أسرة بن بلة، أول رئيس منتخب للجزائر سنة 1963، لديها روابط مع مدينة مراكش ونواحيها، أكثر من الروابط التي لديها في الجزائر، بحكم الإقامة الطويلة لوالده في المغرب. حتى أن بعض المعلومات تتحدث عن ارتباط أسرة بن بلة الدائم بالمغرب، بحكم أن أفرادا من أسرته ماتوا في المغرب ودُفنوا بين المغاربة.

وليس بن بلة وحده من لديه ارتباط جغرافي وتاريخي بالمغرب، بل هناك وزراء آخرون، هذا دون الإشارة إلى عبد العزيز بوتفليقة، الذي جاء والده نازحا إلى المغرب، ووُلد هو في وجدة واستقر فيها طيلة مرحلة شبابه، ولم يعد إلى الجزائر إلا بعد انفجار الثورة، مخترقا الصفوف لكي يصل إلى القيادة، ومنها إلى كرسي وزارة الخارجية في أول حكومة جزائرية. وبقية القصة تعرفونها طبعا.

 

CIA رصدت «صفقة» تفويت أراض مغربية للجزائر سنة 1972

يتعلق الأمر هنا بالزيارة التاريخية التي حل خلالها الجنرال أوفقير في الجزائر، أسابيع فقط قبل الانقلاب الذي استهدف طائرة الملك الحسن الثاني في غشت 1972.

كان الهدف الرسمي من الزيارة، والذي أعلنت عنه وكالات الأنباء، بحث مسألة الحدود الشرقية بين المغرب والجزائر، لكن في باطن تلك الزيارة، كان الجنرال أوفقير يُعد الأجواء لما بعد المحاولة الانقلابية، لذلك، وُصف – في شهادات تاريخية كثيرة- بأنه كان «كريما ومتنازلا» مع الجزائريين، أثناء الاجتماع.

التقارير الأمريكية أكدت بدورها هذه المعطيات. ومن خلال مذكرات العميلة السابقة لـCIA، «آلين گريفيث»، والتي ألفت سيرتها الذاتية بعنوان «The spy wore silk»، اتضح جليا أن الأمريكيين كانوا فعلا يراقبون زيارة الجنرال أوفقير وانتبهوا إلى مسألة سخائه في عرض تنازلات للجزائريين، أثناء بحث نقاط الاتفاق المستقبلي لترسيم الحدود الشرقية بين البلدين. وما زاد من شكوك الأمريكيين في وجود اتصال وتواطؤ بين الجزائريين والجنرال أوفقير، أن هذا الأخير أركب معه في الطائرة الرسمية المغربية، ضابطا من المخابرات السوفياتية، وهو ما أكد للأمريكيين أن الجنرال «متعاون» كثيرا مع الجزائريين.

كان ظاهر الزيارة تكليفا من الملك الحسن الثاني بعقد لقاء مع هواري بومدين، لبحث تطورات الأوضاع في الحدود بين البلدين، حيث كان وقتها يتم البحث عن حل دبلوماسي وسياسي يرضي الطرفين لترسيم الحدود في منطقة المغرب الشرقي. لكن تلك الزيارة أصبحت موضوع شك وإشاعات محلية، بعد التأكد من أن الجنرال أوفقير كان فعلا يعد لقلب النظام في المغرب.

نُترجم هنا أقوى ما جاء في مذكرات هذه العميلة الأمريكية، بخصوص رحلة الجنرال إلى الجزائر وعودته منها إلى المغرب.

لنعد إلى ما قالته «آلين» في مذكراتها. فهذه العميلة المخضرمة، والخبيرة بشهادة قدماء الجهاز في الجاسوسية، لم تستطع النوم تلك الليلة التي عادت فيها من العشاء في مقر السفارة المغربية بمدريد. إذ إن حديث الجنرال أوفقير لم يمر بالنسبة إليها مرور الكرام.

في صباح اليوم الموالي، توصلت «آلين» بمعلومة غاية في الأهمية سوف تجعل شكوكها بخصوص الجنرال أوفقير أكثر جدية. تقول:

«اتصلتُ بـ«جيري» في صباح اليوم الموالي. كان صوته متحمسا للغاية. وقال:

– من الغريب أنك اتصلتِ بي. لقد كنت بصدد الاتصال بك أيضا. ما رأيك أن تستضيفيني لأشرب عندك كوب قهوة؟

وصل «جيري» مع تمام الحادية عشرة صباحا. وبما أن المكان كان خاليا من أي شخص يمكن أن يسمع حديثنا، دخل «جيري» في صلب الموضوع مباشرة:

– لقد توصلت بخبر مفاده أن السوفياتي «سيرج ليبديف» ركب مع الجنرال أوفقير نفس الطائرة في الرباط. وبالتالي، فإنها إذا لم تتوقف في مكان آخر قبل الوصول إلى مدريد، فإن «سيرج» لا بد أن يكون في مدريد الآن. لا أعتقد أنه اتصل بك؟

هززت رأسي نافية. المعلومة التي أخبرني عن «سيرج» قرعت الأجراس في رأسي. لم أعترف لـ«جيري» بأنني كنت على وشك التحكم في «سيرج». «جوبيتر» كان يعرف، وربما قد أخبره أيضا. بغض النظر عن شكوكي، كانا كلاهما مقتنعين أنه يمكن استقطاب «سيرج» لكي يصبح مخبرا للمخابرات الأمريكية، رغم أنه عميل لـ«الكي.جي.بي» الروسية. لم أنبس بكلمة، وانتظرت «جيري» لكي يكمل كلامه وهو يصب لنفسه كوب قهوة:

– هناك شيء آخر عليك معرفته. لقد اكتشفنا أيضا للتو أن «سيرج» يغطي شمال إفريقيا كلها، وليس الرباط فقط.

صُدمت. إذن سيرج لم يكن عميلا عاديا، بل هو رئيس محطة شمال إفريقيا للتجسس! ضابط «KGB» مخضرم».

 

حكاية إذاعة وضعها المغرب رهن إشارة الثورة الجزائرية

كانت هذه الإذاعة عمليا هي قناة الوصل الوحيدة بين قادة الثورة الجزائريين ومواطني بلادهم، خصوصا وأن أغلب قادة الثورة الجزائريين كانوا أصلا يثقيمون بشكل دائم في المغرب، بحكم أنهم كانوا موضوع مذكرات بحث من طرف الشرطة الفرنسية في الجزائر، وكانت عودتهم إلى الجزائر تعني تنفيذ أحكام الإعدام في حقهم.

تقول بعض المعطيات التاريخية إن عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس المستقبلي للجزائر، كان يحلم بولوج تلك الإذاعة والعمل فيها، لكن المنافسة الكبيرة بين القياديين جعلت حُلمه مؤجلا لفترة، إلى أن عطف عليه هواري بومدين وتبناه سياسيا.

كان توقيت بث الإذاعة السرية الجزائرية المناوئة لفرنسا لا يتجاوز الساعتين يوميا سنة 1956، وهي السنة نفسها التي تأسست فيها هذه الإذاعة، بعد أن كانت فكرة تراود قيادات الثورة الذين كانوا في حاجة إلى ذراع إعلامية لمخاطبة الجزائريين وتجييشهم ضد الاستعمار.

كان استقلال المغرب عن فرنسا، هو الورقة التي ولدت بها إذاعة الجزائر السرية التي سميت أيضا إذاعة الثورة. لكن بدايتها كانت في شاحنة تحمل معدات البث، وهي نفسها الشاحنة التي أدخلت بها تلك المعدات من إسبانيا إلى المغرب.

بعض المصادر تقول إن المعدات تم إدخالها من فرنسا بطريقة ملتوية، ثم قاموا بتجميعها على الحدود وإدخالها إلى المغرب. لكن الأمر تزوير كبير للتاريخ.

الحقيقة أن شاحنة البث تم اقتناؤها في إسبانيا بمساعدة مغاربة من قدماء جيش التحرير والحركة الوطنية، بحيث كانوا يتوفرون على خبرة في الموضوع. إذ إن عبد الكبير الفاسي، أحد كبار رموز حزب الاستقلال، كان مستقرا في إسبانيا ويستقبل في مدريد قيادات مغربية وجزائرية، أثناء عمليات التخطيط لإدخال السلاح إلى البلدين، لمقاومة الاستعمار الفرنسي. وهو سلاح وضعه جمال عبد الناصر رهن إشارتهم في مناسبتين، وليس مناسبة واحدة كما تداولته بعض الأطراف المتصارعة سياسيا.

هذه المعدات المتطورة للبث، تم اقتناؤها خصيصا حتى لا يهتدي الفرنسيون إلى تحديد موقعها، وبالتالي قصفها. ولذلك لم يتم تحديد مقر معين للإذاعة، رغم أنها كانت في الأشهر الأولى لبثها تبث في منزل عادي بمدينة الناظور وضعه مالكه رهن إشارة الثوار، بينما بقيت الشاحنة التي نقلت المعدات من إسبانيا مركونة في مكان مخفي. قبل أن يتم اقتراح تحويل الشاحنة إلى وحدة بث على طريقة الجيش، حتى يستحيل تعقبها على المخابرات الفرنسية التي تحركت بقوة لتحديد موقع الإذاعة، وإنهاء وصلات البث المعادية لها التي كانت تحظى بشعبية كبيرة في أوساط الجزائريين. وبعد ذلك تغير موقع الإذاعة واقتربت من الحدود الجزائرية، حيث أصبحت قبيل استقلال الجزائر تبث من الحدود نواحي مدينة وجدة، دائما في تلك الشاحنة المخصصة لنقل معدات البث حتى يستحيل تحديد موقعها، وبالتالي قصفها أو اعتقال مذيعها عيسى مسعودي.

 

سيارات وعقارات.. هدايا الحسن الثاني للجزائر بمناسبة استقلالها

هناك حقيقة تاريخية مُحرجة. عندما افتعل الجزائريون صراعا على الحدود الشرقية واخترق مقاتلو الجيش الجزائري الحدود المغربية، الذي لم يكن مدربا جيدا ولا يتوفر على معدات تؤهله لخوض الحروب على طريقة الجيوش، فإن الجزائر وقتها في حرب الرمال سنة 1963، لم تكن تتوفر على أية طائرات لمواجهة الرد المغربي الرامي إلى حماية آخر النقاط الحدودية في الجهة الشرقية للبلاد.

وفعلا، فقد كانت الجزائر، بشهادة جزائريين أنفسهم، في مرحلة إفلاس لم تكن معه البلاد تتوفر حتى على أبسط المعدات لتسيير إدارات وزارية في قلب الجزائر العاصمة، بما في ذلك كراسي المكاتب، فما بالك بتوفير إمكانيات خوض حرب ضد المغرب.

لاحقا، اتضح أن الاعتداء على الحدود المغربية لم يكن قرارا سياديا جزائريا، وإنما كان مخططا استفزازيا قاده وزير الدفاع وقتها، هواري بومدين، لكي يسمم علاقة رئيسه أحمد بن بلة مع الملك الراحل الحسن الثاني.

لم يكن بومدين يملك الصبر الكافي لكي يُعمر في وزارة الدفاع لسنوات، منتظرا دوره في الوصول إلى رئاسة قد تأتي وقد لا تأتي. لذلك فكر في حل سريع وهو اتخاذ قرار بحجم شن حرب على المغرب، دون أن يتوفر على إمكانيات عسكرية، لكي يُطيح بالرئيس المنتخب.

كان أحمد بن بلة قد حصل على هدايا سخية من المغرب، كانت عربون صداقة بين البلدين بعد استقلال الجزائر، واستمرارا للأخوة المتبادلة تاريخيا بين المغاربة والجزائريين حتى في أحلك الظروف الاستعمارية، فما بالك بوضع صار فيه البلدان مستقلين رسميا عن فرنسا.

من بين الهدايا المغربية التي أثارت الجدل في الجزائر، إقدام الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1963 على مراسلة شركة «مرسيدس» لصناعة السيارات في ألمانيا، وأدى تكاليف طلبية اقتناء أسطول كامل من السيارات الرسمية الفخمة، سوداء اللون، وأهداها إلى الحكومة الجزائرية. وقد كانت فعلا سيارات الملك الراحل الحسن الثاني، هي الأسطول الرسمي لسيارات الوزراء والرئيس الجزائري لسنوات.

هذه الهدية التي كانت غاية في الكرم، كتبت عنها الصحافة الجزائرية وقتها بإعجاب كبير، وأثنت على كرم الملك الراحل واستعداده للوقوف إلى جانب الرئيس أحمد بن بلة إلى أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وإذا تعلق الأمر بهدية علم بشأنها الجميع، بما في ذلك الصحافة الدولية، فإن هناك هدايا من نوع آخر لم تصل إلى صفحات الجرائد ولا إلى وكالات الأنباء. يتعلق الأمر بهبات مُنحت لشخصيات جزائرية أرادت الاستقرار في المغرب، خصوصا بعد انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بلة. ففي سنة 1966، حل في المغرب مسؤولون سابقون من قيادة الثورة، خافوا على حياتهم من بطش هواري بومدين، ومنحهم الملك الراحل الحسن الثاني مساكن في مدينة الرباط واستقروا في المغرب، وبعضهم لم يغادروه نهائيا.

وسنة 1968، كان الملك الراحل الحسن الثاني قد أعطى تعليمات إلى مصالح وزارة الداخلية في وجدة، لتسوية وضعية مساكن كان يقيم فيها جزائريون، قبل استقلال بلادهم، لكنها لم تكن مملوكة لهم، وإنما وضعت رهن تصرفهم منذ نزوحهم إلى المغرب. وبما أن جل النازحين حلوا في المغرب، قبل أزيد من قرن ونصف القرن، فإن الجيل الثاني من أبنائهم صاروا أمام مشكل قانوني، بشأن أحقية ترميم تلك المنازل التي لم يكونوا يملكون أي وثائق تُثبت ملكيتها. الجيل الثاني من سكان تلك المنازل في وجدة راسلوا الديوان الملكي، وتكلف وقتها أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، بإيصال رسالتهم إلى الملك الراحل، والذي أعطى على الفور تعليمات بتسوية ملكية تلك المنازل ومنحها هبة إلى هذه الأسر الجزائرية، التي أصبح أبناؤها مغاربة بحكم إقامة أجدادهم في المغرب وعدم مغادرتهم له. وبالنسبة إلى المنازل والأراضي التي كان لديها ملاك مغاربة معروفون، فقد أعطى الملك تعليمات مباشرة أيضا لتعويضهم ومنحهم أراض في مناطق أخرى أو تعويضهم، وخيّر بعض الأسر الجزائرية ما بين الاستمرار في العيش في تلك المنازل والأحياء، أو مغادرتها نحو مساكن منحها لهم الملك الراحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى