شوف تشوف

الرئيسيةثقافة وفن

محمد السرغيني.. حداثي في جبة متصوف

محمود عبد الغني

هكذا تكلّم الشاعر الفضَّاح

محمد السرغيني شاعر وناقد مغربي وأستاذ جامعي بارز، طور قصيدته بناء على أسس وركائز استقاها من الشعر العربي والعالمي، خصوصاً الشعر الفرنسي، والشعر العربي قديمه وحديثه، وتجربة الشعر الصوفي الغنية بالروح والكلمة الخصبة المتولدة.

ولد محمد السرغيني بمدينة فاس سنة 1930، دخل القرويين وتابع دراسته فيها. حصل على الإجازة في الآداب من جامعة بغداد سنة 1959، وعلى شهادة الأدب المقارن سنة 1963 من جامعة محمد الخامس بالرباط. وفي سنة 1970 أحرز على دكتوراه السلك الثالث، وحصل على دكتوراه الدولة من السوربون سنة 1985. شغل وظيفة أستاذ مساعد بكلية الآداب بفاس 1963 وأستاذ محاضر بالكلية نفسها سنة 1970، ثم عمل أستاذاً للتعليم العالي سنة 1985، وشغل منصب نائب عميد كلية الآداب بفاس من 1986 إلى 1991. كتب في مجلة «الأنيس» العراقية باسم مستعار هو محمد نسيم، وفي المغرب كتب في «مجلة التربية الوطنية» ومجلة «أقلام» وشارك في العديد من المحافل والمهرجانات الثقافية الشعرية. كان السرغيني وظل من الشعراء المعتمدين على الملاحق الثقافية وصفحات الجرائد والمجلات في نشر بعض نصوصه وترجماته.

عن تجربته مع التصوف، يقول في أحد الحوارات: «مرت تجربتي مع التصوف بثلاث مراحل: الأولى الاهتمام، والثانية البحث العلمي والثالثة اكتشاف فلسفة ابن عربي وصوفيته الصافية. ابن عربي شاعر يسع قلبه الكون، وهو فيلسوف مسلم أكثر منه أحد أقطاب التصوف. تصوفه الفكري يشغلني، وكل ما كتب عنه أخطأ الطريق، ولم يتناول حقيقة تجربته ويحتاج إلى مجهود بحثي ضخم، يجمع كل ما كتب عن ابن عربي في اللغة العربية وفي اللغات الأخرى، كالفرنسية والإيطالية، ويحتاج إلى باحث شاب صبور».

من أعماله: محاضرات في السيميولوجيا، ويكون إحراق أسمائه الآتية، بحار جبل قاف، الكائن السبئي، وجدتك في هذا الأرخبيل، أغنية القطار الشبح، من فعل هذا بجماجمكم؟

لم يخنه الحط مع الجوائز في المغرب، فقد فاز بأهمها. ففي سنة 2004 تم تكريمه بجائزة الأركانة العالمية، وفي سنة 2013 فاز بجائزة المغرب، في صنف الشعر.

عندما نقف اليوم على تجربة محمد السرغيني الشعرية، فإننا نقف أمام تجربة طويلة وغنية استغرقت حوالي ستين عاما من الكتابة الشعرية والترجمة والنقد والتدريس. ولجمع هذا المسار الطويل والنوعي، نشرت وزارة الثقافة مُجلدين ضخمين يَضَمَّان أعماله الشعرية الكاملة، في أكثر من 1200 صفحة، مما سيمكن الباحثين والشعراء على حدّ سواء من التعرف على تطور تجربته الشعرية الطويلة، وعلى حواره مع الشعراء العرب في لحظة التأسيس للشعر الحديث، منذ المرحلة الرومانسية، والتماثل مع تجربة شعراء. وفي مرحلة ما أطلق عليه السرغيني نفسه «الأشعار الأولى» تظهر بداية تشكل الرؤيا الشعرية لديه، وهي تقع في مرحلة ما بين 1954 و1960، وهي الفترة المعروفة في تاريخ الشعر العربي بمرحلة التأسيس للحداثة الشعرية الأولى.

ظهرت ملامح التجربة الأولى للسرغيني على أعمدة الصحف والجرائد. ولم ينشر ديوانه الأول إلا بعد تجربة النشر في الصحافة بأكثر من أربعين عاما. ففي 1987 أصدر ديوانه الأول: «ويكون إحراق أسمائه الآتية». ثم جاءت الإصدارات الشعرية متتالية: «بحار جبل قاف» في 1991، «الكائن السبئي» و«وجدتك في هذا الأرخبيل» 1992، «من فعل هذا بجَماجمكم» 1994، «احتياطي العاج» و«من أعلى قمم الاحتيال» سنة 2002، ثم ديوان «فوق الأنقاض- تحت الأنقاض» سنة 2012. كل هذه المجموعات الشعرية نالت حظاً لا بأس به من الدراسة والنقد، وأثبتت أن صاحبها من نوع الشعراء الملتزمين بالمبادئ، لقد سبق أن صرّح بأنه «يجب أن يكون واضحا لدينا ولدى الآخرين أن الشعر يُنظم من أجل مبادئ… والشاعر ملتزم لأنه صاحب يقينيات وصاحب رسالة. وإنتاجه الشعري يجب أن يُحاسب عليه». لم يملّ من إسداء هذه النصيحة للشعراء: «لكل شاعر أقول: عليك أن تكون فضَّاحا. أن تفضح كل ما ليس صالحا للإنسانية.. وأن يكون لك موقف في عصرنا الحربائي هذا. وأن تكون موسوعي المعرفة، فذاك هو الشاعر الحق».

من شعره:

دَجَّنَ النَّارَ وَالْوِجَاقَ أَبْقَى

نَفَسًا وَاحِدًا يَجُرُّ بِهِ النَّارَ إِلَى قُرْصِهِ.(الْعَنَاكِبُ حُبْلَى بِخُيُوطِ الإِسْمَنْت) نَعْشٌ هَجِينٌ،

وَسَرِيرٌ أَخَفُّ مِنْهُ، وَشَيْءٌ

لاَ يُسَمَّى.

وَبَيْنَ ذَاكَ وَهَذَا، حَامِلاَتُ الْجِرَارِ فِي الْمَاءِ، نَبْضٌ

لاَبِسٌ ذِرْوَةَ الزَّمَانِ، وَقَلْبٌ

خَالِعٌ قَافَه.

بِحَرْفَيْنِ دَارَتْ عَجَلاَتُ الأَفْلاَك:

حَرْفُ نَوَاةٍ، وَنَوَاةُ حَرْف.

………….

أَيُهَا النَّارُ كُونِي شَفْرَة ًمَرَّتِ الأَسَامِي عَلَيْهَا،

وَاسْتَمَدَّتْ مِنْهَا الْبَقاَء.

(رَحِيقٌ بَعْضِي وَبَعْضِي لُعَاب)

رَغْوَةٌ قَهْوَةُ الصَّبَاح.

غُمُوضٌ فِي حُبَابِ الْفِنْجَان.

(لَمْ تَنْضُجِ النَّار).

محمد السرغيني الطائر الصوفي

عزيز الحاكم

 

تكتب بعض القصائد بلسان واحد وإيقاع واحد وهواجس محدودة، فتظل حبيسة لحظة ميلادها، لا تبرحها إلا لتسقط في السهولة والاجترار، وتكتب قصائد أخرى، وهي لحسن الحظ نادرة ندرة النفائس، بكل اللغات والإيقاعات، حاملة في صلبها أكوانا من الرؤى والنبوءات المؤرقة، حيث تنفتح بصيرة الشاعر على أنأى المسافات وتعبث أصابعه بألذ الأتعاب.

 

محمد السرغيني وعزيز الحاكم

 

إلى هذه الجواهر الشعرية تنتسب قصائد الشاعر محمد السرغيني التي تختزل تجوالاته المسارية مدنا وعواصم لا يجمع بينها إلا شيء واحد: كونها محطات احتياطية يعب الشاعر من هوائها النار وينفث في أحشائها ما تبقى لديه من رماد الحكمة، منتهجا خلال ذلك مسالك وعرة، معتمدا لغة صدفية تستعصي أحيانا على الاستيعاب، حاشرا في بطن الصيغ ركاما من الأسماء والأعلام والإحالات الميثولوجية التي يتعاشر فيها الإنس والجن والملائكة والشياطين وفق تعايش مريب، لذلك يُستحب عدم الاطمئنان إلى ما تفصح عنه من معان ظاهرية، فشعره طوفاني جارف مشيد على الطراز القوطي، يبدأ باستهلالات متاهية وعناوين تضلل الغافلين بما تنطوي عليه من عتمة دلالية تفضي إلى ليل المعنى.

والسر في ذلك أن مجراته الشعرية خيميائية المبنى، تؤالف بين المحسوس والمجرد، بين الذهني والمجسد، لكنها لا تتخلى في كل الحالات عن طابعها الانخطافي والإشراقي. وإزاء ذلك الكم الهائل من القيامات الصغرى التي يزخر بها شعره، ترتبك البصائر الهشة ويغدو للقراءة العابرة طعم المرارة والدوخة، لأن محمد السرغيني فضلا عن انشغاله بتدبر أحوال اللفظ والمعنى يسائل الوجود بعناد صوفي يجلجل اللغة العادية والمتداولة بعد أن يقبض عليها قبض العارفين ويحكم عليها الإقفال في ضريحه السري، ثم يهجرها إلى ما سواها من تعابير بكر، باحثا لقصائده المسبوكة في سياق الأسفار الجوانية عن أنساق غير مطروقة حتى يحقق لها وجودا متفردا.

وفي غضون هذا التطواف السرمدي تنبت القصائد السرغينية على ضفاف المجهول بشكل يخيب كل الانتظارات. يقول في ذلك:

استسلمت إلى خيل لم يركبها غيري

طهرت المعجم من إفرازات الألف ـ الباء

تعاميت عن الشخص المحشر به جسدي

طاردت الرغوة أنى حلت

هاجرت إلى حيث العري المطلق

أمنت على نفسي بمبالغ باهظة

رغم أني بلغت سن اليأس.

قد تبدو قصائد محمد السرغيني خالية من أي قصد أو مرمى، لكنها في منتهى التبصر تبدو ساعية إلى قطع الصلة مع الموروث الجامد، باحثة لنفسها عن لغة خاصة لا يشاركه فيها أحد، من أجل قصيدة شخصية قوامها المعرفة الفلسفية والانخطاف الصوفي، ومن أولوياتها فتح البصيرة على الآفاق النائية، واستدراج القارئ إلى اقتفاء أثر هذا الطائر الصوفي الذي تضيق به الأرض دوما ولا يروق له المقام إلا في الأعالي…

الشاعر محمد السرغيني.. الطفلُ أبو الرَّجُلِ

إليه وهو يكتب، الآن، قصيدته الكبرى

محمد بودويك

 

تهيبتُ، دوما، الاقترابَ من «كتاب» الشاعر السرغيني، المخبوءِ والمستورِ بين الظل والشمس، حتى لا يحرقني، ولا يريني فَهاهَتي وَعيّي وجهلي.

تهيبت عمرانه اللغوي، وشوكه المعرفي المستكن في قطيفة الإلماع الشعوري، والدفق الإحساسي، والفيض الصوفي، المدفون في طيات فِراء لجِراء نمور بيضاء، وفهود رقطاء، ولبؤات صهباء تذرع الاستوائيات، والهضاب الزرقاء، والحقول الثلجية، والضفاف المخضرة، في أقصى القطب والجغرافيا، ومنتهى الوهاد والقمم. لم يكن موطوءا، أبدا، عمل السرغيني الشعري، أتحدث هنا عن عمله «بالجمع»، بدءاً من: «بحار جبل قاف»، إلى «الكائن السبإي»، إلى «وجدتك في هذا الأرخبيل»، و«من فعل هذا بجماجمكم»، إلى «احتياطي العاج»، و«من أعلى قمم الاحتيال»، و«وصايا ماموث لم ينقرض»، إلى «تحت الأنقاض.. فوق الأنقاض». كان عمله هذا الجامع الوسيع الخصيب، نبعا ثريا فياضا، يزركش الشعر بمطلقيات أخرى، ومؤثثات حافة تسنده وتنشره، وتوسع حدقاته. فكأن الشعرَ في شرعة السرغيني، قاصرٌ إذا عومل ضمن حده التجنيسي، وخطوطه المرسومة، و«حذائه الصيني»، مثلما تعاور على ذلك، وكرسته أحقابٌ وممارساتٌ وتقاليدُ عجلى. فهو يسنده ليعطيه ما فصل عنه، ويوصله بما كان له في الشعريات الأولى، وما ينبغي أن يعاد ويستعاد. ولعل في صنيع أبي تمام، وشيخ المعرة العظيمين بما لا يحد، بعضا من هذا الفهم، ونَزْراً من هذا المأتى على رغم بقائهما رهينيْ محبس العمود، وسجينيْ جزمة الوزن والعروض. ولنا في ما أتاه أدونيس، وأنجزه محمد عفيفي مطر، وبدر الديب، ومحمد آدم، تضمينا للتلاقي والتقاطع، مع الاحتراس من التعميم والتشريك.

لا يمكن، بحال، أن نفهم شعر محمد السرغيني، والفوز بلذة منه وفيه، ولا يفوز باللذة إلا الجسور على حد تعبير الشاعر «سَلْمَ الخاسر»، واختلاس مسرب إلى عين زرقاء ترفرف تحت رموشها السوداء الوَطْفاء الساحرة، فراشات من ضوء، وإلى صفصافة عاشقة حانية، يهدهدها نشيد متوارٍ بين الأوراق، لا يمكن فتح مسرب فيه، كما أقول، إلا بمصاحبة الموتى والأحياء الذين يَصْخَبون في دارته الشعرية، وقراءتهم بالحتم، أو قراءة بعضهم في الأقل.

ففي تجربة السرغيني الشعرية الشامخة، اللاَّسعة واللذيذة، في آن، يحضر هيرودوتْ شيخ المؤرخين طُرَّاً، وتحضر ملاحم الإغريق العتيدة، والشاعر فرجيلْ، وأوفيدْ، والكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد، ومقالب «الصَّذوقيين»، و«الفرّيسين» اليهود، والأساطير، والمتن الخرافي، وشعراء العصور واللغات، والمتصوفة، والفلاسفة كـ: أفلوطينْ، وابنِ سينا، وابنِ رشد، وملتونْ، والمعري، وابنِ عربي، وأبي حيان التوحيدي، وابنِ سبعين. كما يحضر التشكيليون والموسيقيون والمغنون العظام من كل دوحة ولغة ونسب. وتَحْضُرُ العلوم المختلفة من طب وهندسة، وآلة، وسحر، ومخترعات قديمة وحديثة، وفلك، ورياضيات، وتنجيم، وكيمياء، وفيزياء. وتحضر الجوامع والصوامع والأبواب والجسور، والمدافن والمقابر.

والعالم، في منظور السرغيني، على عظمته، ضئيلٌ، والكون، على وَساعَته، ضيقٌ. والأرض، على امتدادها أو لولبتها العظيمة، إسفنجةٌ تَنْعَجٍن في يد الزيّات، إذ يختطفها بمهارة صقر، ويطفئها في «جفنة» زيت. والإنسان عابر سبيل ميتٌ مادام سيموت: عقباه التحلل والتذرر والهباء. لكنه بهيٌّ في هبائه، عسيرٌ على السهل، مُحاذٍ للتل، قريبٌ من الجبل، أرضيٌّ وسماويٌّ معاً، طائرٌ في الأجواز، عالقٌ بالمجرات البعيدة، ذاهبٌ وآيِبٌ خلال العصور، ومشدودٌ، على رغم كل هذا، إلى السفح والوتد، والأسباب المهترئة، مشدود، بكلمة واحدة إلى: الطين والوحل.

وَها هو ذا، ها هو الآنَ، في ذروة جماله وجلاله، ورهبة صمته وسفره، يكتب قصيدته الكبرى، غاديا إلى طفولته، ورائحا منها مثل طائر السيمرغ، مترحلا ساريا بين الصبا والشباب، والكهولة المكتهلة، وصولا إلى الشيخوخة الذهبية حيث يحيط به مباركا وهاتفا ومنشدا: تاريخ فاس وعبق ميتافيزيقاها، وجموع الشعراء حاملي مرايا العصور، وصنَّاجات الدهور، يشقشقون بآي المديح، وعبارات التبجيل والتكريم، وقد حَبَّروا بدم الشعر الأخضر المُهْراق، عمراً سرغينيا ملفعا بالبهي الشهي، ومكتنزا بالعطاء العلمي، والخلق الإبداعي، والحضور الراسخ المهيب.

هو الآن في برجه الذهبي، وعزلته المهيبة، عزلة اختارته ولم يخترها هو المعروف المشاء، والمعلم المشهود له بالمخالطة والمنافذة، والمواشجة، والرأي السديد، والعلم الغزير. يعيش عزلة الشعراء الملكية، ولو أنها عزلة الشيخوخة الظالمة كما سماها الراحل الكبير عبد الكريم غلاب. بعد أن ملأ الحوض، وبذر البذار، وغرس الغراس، وأشعل شمعة أبدية الذبالة دمعها لا ينفد، في معتم الغاب، ومظلم الدروب والحواري، ومدلهم الأيام والأحقاب، وفي مآقي الشعر العميق المرفود بالثقافة والمعرفة العريضة، وثاقب النظر والاستبصار.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى