حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

مهمة سرية في الحدود الجزائرية

مذكرات حفيظ بنهاشم

في هذا الفصل سنعبر التضاريس الوعرة في العلاقات المغربية- الجزائرية، اعتمادا على تجربتي الطويلة في دواليب الإدارة المغربية، بغاية تنوير الرأي العام وتمكينه من فهم الوقائع التاريخية المؤثرة في مسار الدولة المغربية، في فترة حكم الملوك الثلاثة: محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله ومحمد السادس نصره الله. 

سأتوقف عند مجموعة من المحطات الهامة من تاريخ المغرب، كما عشته عن قرب، استنادا إلى:

التقارير المتعلقة بالعلاقات المغربية- الجزائرية، التي اطلعت عليها أو تلك التي كنت مساهما في صياغتها.

الأسئلة الكبرى المتعلقة بعملية استرجاع الأقاليم الصحراوية المغربية.

المهام التي كانت موكولة لي في هذا الملف، داخل المغرب وخارجه، سواء حين كنت مديرا عاما للأمن الوطني أو خلال مهامي في وزارة الداخلية.

في عام 1960، وكنت حينها مفتشا شابا أتلمس طريقي في سلك الأمن الوطني، تلقيت تعليمات، أنا وأحد زملائي، بمرافقة عنصرين من المقاومة الجزائرية من الدار البيضاء إلى وجدة.

في منتصف الليل امتطينا سيارة سوداء اللون من نوع «سيتروين» حملنا أمرا بمهمة لكل غاية مفيدة، مهمة ليست كباقي المهام الاعتيادية.. خاصة وأننا سنتقدم شاحنتين محملتين بالأسلحة والذخيرة على امتداد الطريق المؤدي صوب الحدود المغربية- الجزائرية.

كنا نتقدم في سيارتنا السوداء، الشاحنتين الملفوفتين في غطاء يخفي البضاعة المنقولة، وكلما توقفنا في سد قضائي للدرك الملكي أو الشرطة، نضطر للكشف عن هويتنا ومهمتنا، بينما تردد اسم كريم في حديث الشخصين الجزائريين اللذين رافقانا في الرحلة الليلية.

وصلت شحنة السلاح والذخيرة إلى الحدود المغربية- الجزائرية وسط استنفار أمني كبير، تمت إحالتها على عربة قطار سيشد الرحال إلى وهران ثم عدنا من حيث أتينا.

بعد أيام قليلة سأعرف أن المهمة التي كلفت بها كانت في غاية الأهمية، فقد كنت متقدما لشحنة ذخيرة موجهة من المغرب إلى الثورة الجزائرية، حين كانت الأراضي المغربية مأوى للثوار واللاجئين ومركزا للقيادة الثورية الجزائرية، حين كان الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر الثورة الجزائرية بمثابة استكمال تحرير ما تبقى من الوجود الاستعماري في الجزائر. سأعلم، أيضا، أن اسم «كريم»، الذي كان يتردد في أحاديث الشخصين اللذين رافقانا إلى الحدود، ليس اسما حركيا، بل هو كريم بلقاسم أحد الزعماء التاريخيين لجبهة التحرير الوطني في الجزائر.

كان كريم قائدا للمنطقة الثالثة في الجزائر، وقاد العمليات العسكرية الأولى ضد المراكز والقوات الفرنسية في منطقة القبائل، وأشرف على هيكلة وتأطير الثوار بالمنطقة، معتمدا على دعم المغرب المادي والمعنوي، بل إن بلادنا تحولت إلى ملاذ لقيادات جيش التحرير الجزائري، وشكلت قاعدة خلفية ومنطلقا للعديد من عمليات جبهة التحرير الوطني، حيث قضى القادة الجزائريون فترات مختلفة هناك لتنظيم صفوف الثورة، قبل أن ينال الجزائر استقلاله لتتغير المواقف ويبادل جيراننا الحسنة بالضغينة ويتنكرون للأيادي البيضاء التي امتدت إليهم حين كانوا تحت نير الاستعمار الفرنسي.

بعد عشر سنوات على المهمة السرية المتمثلة في خفر شاحنتي سلاح نحو الحدود المغربية- الجزائرية، كتب لي أن ألتقي بأفراد أسرة كريم بلقاسم، سواء حين كنت عضوا في ديوان المدير العام للأمن الوطني، أو إطارا في مديرية الشؤون الداخلية بوزارة الداخلية.

التقيت بأفراد أسرة كريم بلقاسم حين قررت الاستقرار في المغرب هروبا من نظام جزائري كان يتربص بقادته التاريخيين، في فترة زمنية تحولت فيها الجزائر إلى فضاء لتصفية حسابات قديمة.

لم تكن عائلة كريم بلقاسم الوحيدة التي اختارت الاستقرار في المغرب هربا من زمن تصفية الحسابات السياسية في الجزائر، فقد استقر مجموعة من القادة التاريخيين للثورة الجزائرية في بلدنا، أذكر منهم محمد بوضياف وحسين آيت أحمد، في المغرب خلال فترات مختلفة بعد الاستقلال إثر خلافات سياسية حادة مع قيادة الجزائر، حيث وفرت لهم المملكة المغربية اللجوء ومساحة لممارسة نشاطهم السياسي.

وكان من بين الثوار، أيضا، المناضل الجزائري الطاهر الزبيري الذي كان مطاردا من طرف حكام بلاده، إضافة إلى الرائد قايد أحمد، وهو من أبرز الثوار الجزائريين الذين اتخذوا من المغرب قاعدة خلفية لإدارة حرب التحرير. واستقر في مدينة وجدة بسبب تردي الأوضاع في بلده، وهناك أسماء فضلت اللجوء إلى المغرب بعد استقلال الجزائر.

لقد أتاحت لي هذه المهمة التاريخية التعرف على تفاصيل قضايا سياسية في غاية الأهمية، وأصبحت الحدود المغربية- الجزائرية، بالنسبة لي، جزءا لا يتجزأ من تاريخ الصراع المغربي- الجزائري، شاهدة على حسن نية المملكة المغربية وأفضالها على الجزائريين في عز أزماتهم.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى