الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

مينة الگلاوي.. الحياة المنسية لآخر حريم الباشا

تنبأ الجميع بوفاتها سنة 1945 فعاشت 108 سنوات

«مينة الگلاوي 1914-2022»، آخر من عشن في زمن الحريم الحقيقي المغلق على نفسه. والدها هو المدني الكلاوي، حليف المولى عبد الحفيظ وحاكم منطقة مراكش وأحد أكثر الأسماء السياسية التي أثرت في المشهد السياسي المغربي قبل 1908. المدني الگلاوي الذي بقي حليفا للمولى يوسف، بعد مغادرة المولى عبد الحفيظ السلطة، تزوج من ابنة الصدر الأعظم الحاج محمد المقري، وأنجب منها مينة، وحورية ومحمد المهدي، والد سامية الگلاوي التي تفتح لنا ذاكرتها – وذاكرة عمتها- في هذا الملف».

 

يونس جنوحي

++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

ابنة خليفة السلطان المدني الگلاوي التي نشأت وسط 66 أخا وأختا

دائما ما كانت الحياة الخاصة للباشا التهامي الگلاوي موضوعا بعيدا عن الضوء والدراسة التاريخية، ليس لأن المصادر في هذا الصدد تكاد تكون معدومة، ولكن أيضا لأن طبيعة حياة رجال المخزن والأعيان القدامى، كانت تقتضي أن يبقى «جناح» الحريم في بيوتهم خاصا بهم وحدهم.

السيدة مينة المزواري الگلاوي، وهذا اسمها الكامل، عاشت في ظل الباشا، وعاصرته، ونشأت وسط جناح الحريم. والدتها، هي لالة زينب المقري، ابنة الوزير المقري والصدر الأعظم في دولة المولى يوسف وبعده مع الملك الراحل محمد الخامس.

عاشت مينة الكلاوي في ظل هؤلاء جميعا، وسمعت ما يحكى عنهم وعن سلطتهم وعلاقاتهم. هذه السيدة عاشت حياة واحدة وعصورا كثيرة، فقد ولدت في مراكش سنة 1914، وتنقلت منها إلى الرباط وعادت إليها، ثم إلى الدار البيضاء وورززات، حيث قصور الباشا وحلفائه من القواد وعادت إليها مرة، قبل أن تستقر نهائيا بالرباط وتُدفن في سلا في يوليوز 2022 لتُختم حياتها التي امتدت 108 سنة.

ابنة أخيها، سامية الكلاوي، السيدة المولوعة بجمع الأرشيف العائلي النادر لآل «گلاوة»، تتحدث بلغة الصور التي توثق لأكثر من قرن كامل من الأحداث. ووسط الوجوه التي تجمع ما بين الباشا التهامي الگلاوي وأبنائه، والدها محمد المهدي وأعمامها حسن وعبد الصادق، وجدها المدني الگلاوي، تجتمع لديها قصص گلاوة جميعا.

يتوجب عليك أولا أن تصفي ذهنك لكي تسمع القصة -لا يمكن أن تزعم أنك سوف تسمعها كاملة منذ الجلسة الأولى، بحكم الأحداث الكثيرة والتفاصيل المترابطة التي قد تتيه فيها الخيوط- لكن الحياة «السرية»، في جناح قسم الحريم في قصر الباشا الكلاوي، تستحق فعلا الاهتمام. تحكي لنا هنا سامية الگلاوي بكثير من التأثر:

«عمتي الراحلة لالة مينة الكلاوي أثرت في حياتي كثيرا بشكل شخصي. فقد نشأتُ معها، بحكم أنها لم تُرزق بأبناء من زوجيها السابقين، واللذين توفيا على التوالي سنة 1945 ثم 1975، وهما على التوالي أيضا، عبد العزيز الدكالي، ابن العالم الكبير أبي شعيب الدكالي، ثم القائد أوشطو الذي كان حليفا لعائلة الگلاوي في خمسينيات القرن الماضي.

عمتي وُلدت في دار والدها المدني الكلاوي، الأخ الأكبر للباشا التهامي الكلاوي، في تخزريت محل إقامته التي كان يدير منها شؤون قبيلة گلاوة وقبائل نواحي مراكش، لأنها لالة زينب المقرية ابنة الحاج المقري الصدر الأعظم. وبحكم مكانة جدتي زينب المقري، فقد خصص لها المدني الكلاوي دارا خاصة بها، وأنجبت فيها والدي رحمه الله وعمتي مينة وعمتي حورية، ثم بعد وفاة جدي المدني سنة 1918، تزوج الباشا التهامي، أخوه الذي يصغره بسنوات من جدتي زينب المقري، وخصص لها إقامة فخمة في باب دكالة..».

سوف نعود إلى هذه التفاصيل وحيثياتها. سألنا أولا سامية الكلاوي عن دراية عمتها بشؤون السياسة. فأجابت تقول: «يجب أن أشير أولا إلى أن عمتي مينة نشأت في جناح الحريم، وهو الجناح الذي كان محرما دخوله على الرجال. وكانت النساء داخله من زوجات الباشا ومحظياته – ليشيرات- يعشن في عزلة مطلقة. وكانت القاعدة ألا تغادر النساء هناك ذلك الجناح إلا إلى المقبرة. لكن الحقيقة أن عمتي مينة كانت استثناء، فقد كانت رغم انتقالها إلى أسرة الدكالي، تواظب على زيارة أمها زينب المقري في مراكش، والتي بقيت زوجة للباشا الكلاوي، بعد زواج أبنائها جميعا. وحتى في كنف المدني الكلاوي قبل وفاته، كانت القاعدة ألا ترى النساء العالم الخارجي، وألا يقابلن الأغراب، باستثناء النساء فقط. وفي هذا الوسط المحافظ جدا، نشأت عمتاي مينة وحورية ووالدي محمد المهدي، بين 66 أخا وأختا آخرين أنجبهم المدني الگلاوي من زوجته وجواريه. فقد كان يملك جواري وخدما كثيرين، وتزوج عدة مرات. حتى أن جدتي زينب المقرية عندما زُفت إليه، بقيت بفاس لمدة قبل أن تلتحق بمراكش وتعيش وسط عالم كامل من النساء. إذ كان عددهن جميعا يقدر بالمئات، ما بين زوجات المدني الكلاوي وخادماته وجواريه ومحظياته».

بعد وفاة المدني الكلاوي انتقلت رعاية كل من مينة الكلاوي وأختها حورية، وأخوهما محمد المهدي -والد سامية الكلاوي- إلى الباشا التهامي الكلاوي، الذي تزوج والدتهم وأشرف على أمور العائلة.

 

 

عندما قضت «مينة» وأخواتها قرابة السنتين سجينات بعد الاستقلال

الحياة في ظل الباشا التهامي الكلاوي لم تكن سهلة أبدا. ليس لأن الرجل كان أحد أكثر الرجال أهمية في تاريخ المغرب وأكثرهم شهرة، ولكن أيضا لأن الأسرة كانت كثيرة الأفراد، وكان يصعب أن «يتميز» أحد من داخل العائلة.

قبل الخوض في حياة هذه السيدة، مينة الكلاوي، نتطرق أولا إلى نهاية التهامي الكلاوي، لأنها كانت على قدر كبير من الأهمية، بل وتفوق بداية حياته أهمية.

في الأيام الأخيرة للباشا، سنة 1955، كان قد ألم به المرض، وشخص الأطباء حالته بأنها إصابة متقدمة بالسرطان، لم تنفع معها التدخلات الطبية. ورغم أن مسؤولين فرنسيين وأمريكيين وبريطانيين كبار كانت تربطهم صداقة بالرجل، إلا أن التدخل الطبي وقتها لم يحرز أي تقدم لإنقاذ الباشا من المرض. وهكذا فقد قضى أيامه الأخيرة ممددا في داره على فراش المرض، وكانت العائلة كلها تجتمع لعيادته، وسط أخبار قرب استقلال المغرب والفرحة العارمة في الشوارع بعودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى في نونبر 1955.

في يناير 1956 أعلن عن وفاة الباشا الكلاوي، وقد عاشت مينة الكلاوي هذه الذكرى بعد أن عادت إلى كنف عائلة گلاوة، بحكم أن زوجها الدكالي الذي تزوجته بداية ثلاثينيات القرن الماضي، كان قد توفي بعد أن عاشت معه لسنوات في الرباط.

بمجرد ما أن تم الإعلان عن وفاة الكلاوي، حتى تضاربت الأحاسيس في نفوس أبنائه عبد الصادق ومحمد المهدي وحسن. فقد بدا أن الزعماء السياسيين يسعون إلى الانتقام من ذكرى الباشا والقطع مع مرحلته، وفعلا هذا ما كان. تتذكر مينة الكلاوي كل هذه الأحداث، التي حكتها لابنة أخيها، سامية. وهذه الأخيرة تنقلها في هذه العبارات: «لقد عاشت العائلة في ظل قلق كبير منذ جنازة الباشا الكلاوي. ساد الحزن أرجاء القصر، الذي كان محفلا دائما لكبار مشاهير العالم في القرن العشرين. واجتمع أبناء الباشا من الذكور -أعمامي ثم والدي الذي رباه الباشا وكان بمثابة والده- وأخبروا الخدم والإماء والحاشية بأنهم يستطيعون الذهاب ومغادرة الدار. وفعلا غادر خلق كثير ممن ولدوا في دار الكلاوي وتربوا فيها إما عبيدا أو خدما أو من الحاشية. وغادرت أيضا الجواري التركيات اللواتي استقدمهن الباشا من تركيا. وكانت من بينهن جاريات فائقات الجمال وموهوبات يعزفن على الآلات الموسيقية، ولديهن ذوق رفيع. بعضهن عُدن أدراجهن إلى أنقرة، وأخريات استقررن في الدار البيضاء أو الرباط.

تناسلت الأخبار التي تفيد بأن السياسيين في الحكومة المغربية سوف ينتقمون من عائلة الباشا. وفعلا فوجئت عمتي وبقية أفراد العائلة بأعضاء من جيش التحرير يطوقون الإقامة التي كانوا يستقرون فيها جميعا، بقصر الكلاوي وإقامة جدتي المقرية في باب دكالة بمراكش. طُوق المكان وتعرضت ممتلكاتهم للنهب والسرقة. أتلفت مئات الوثائق وعبثوا بالمكتبة وأدوات المكتب وسرقت الأواني الثمينة والأثاث، وحوصرت العائلة في الدار ومُنع الجميع من المغادرة. واقتيد والدي وأعمامي إلى مكان مجهول، وبقيت عمتاي معا مع نساء العائلة سجينات في قلب الدار لا يعرفن أي شيء نهائيا عن مصير رجال العائلة.

إلى أن تغيرت الأمور قليلا، وغادر أعضاء جيش التحرير ولم يعودوا مكلفين بالحراسة. حكت لي عمتي رحمها الله، أن الوضع تحسن قليلا عندما غادر أعضاء جيش التحرير، وحل مكانهم رجال من منطقة الريف. إذ إن هؤلاء لم يمارسوا أي سرقات واكتفوا بالحراسة، وأبانوا عن احترام شديد لنساء عائلة الكلاوي ولم يمسوهن بأي أذى. بل سمحوا لهن بكتابة الرسائل والاطمئنان على مصير رجال العائلة، ووصلتهن أخبار بأن الرجال محتجزون نواحي سطات.

عندما علم السلطان بمأساة العائلة وتناهت إلى سمعه، أمر فورا بأن تعاد ممتلكات گلاوة وأن يطلق سراحهم جميعا، واجتمع شمل العائلة من جديد في يوم فاتح ماي 1957، أي بعد سنة ونصف السنة من الاعتقال والاختطاف والإقامة الجبرية».

قصة زواج المدني الگلاوي من ابنة الصدر الأعظم المقري

إلى حدود 1918، السنة التي توفي فيها المدني الگلاوي، زعيم قبيلة گلاوة وأكثر رجال مراكش نفوذا في السياسة كما في الجيش، كانت قبائل مراكش وورزازات وبعض مناطق الجنوب المغربي الأخرى تتبع لسلطة هذا الرجل، الذي اشتغل مع السلطان المولى الحسن الأول خليفة له، وكان أيضا قائدا مخزنيا يتحكم في جيش مكون من مئات آلاف رجال القبائل.

تقول سامية الگلاوي متحدثة عن هذه المرحلة: «المدني الگلاوي كان رجل ثقة المخزن، وربطته بالسلطان علاقة وطيدة. كما أنه كان رجلا مشغولا جدا، ولديه الكثير من الأقارب، ويشرف على عائلة كثيرة الأفراد، ما بين أبنائه وأبناء إخوانه وأخواته، هذا بالإضافة إلى الخدم والحشم والإماء، والذين كانت أعدادهم في قصره تُقدر بالمئات.

في سنة 1912، تقريبا، تزوج جدنا المدني الگلاوي من لالة زينب المقري، ابنة الصدر الأعظم الحاج المقري. وكان هذا الزواج ثمرة صداقة بين الرجلين، إذ إن المدني الگلاوي رغب في مصاهرة الصدر الأعظم للسلطان مولاي يوسف، لما بين الرجلين من صداقة، وأيضا لأن السلطان مولاي يوسف كان يعتمد على المدني الگلاوي ويعتبره رجل ثقته. وطبعا فإن وضع لالة زينب المقري، التي تركت والدها وأسرتها في الرباط وجاءت إلى مراكش لكي تسكن في قصر الگلاوي، لم يكن سهلا. فدار المدني الگلاوي كانت تعج بالأفراد، وفيها قسم كبير للحريم، تقطن فيه الزوجات والخدم والجواري بأولادهن. وكان الحاج المقري يخشى على ابنته من صعوبة الحياة في هذا الوسط، إذ إن الزواج من المدني الكلاوي يعني الدخول في هذه المنظومة.

وهكذا فقد اشترط الحاج المقري على الكلاوي أن تعيش ابنته زينب في دار خاصة بها، وليس في جناح الحريم. كما أنها كانت صغيرة السن وقت زواجها بجدي المدني الكلاوي. وهكذا في بداية زواجهما، كانت زينب المقري تعيش في قصر المدني الكلاوي في مدينة فاس، أقامت هناك حوالي سنتين أو ثلاث سنوات، قبل أن تنتقل إلى مراكش.

في مراكش أمر المدني الگلاوي أن تعيش زوجته الجديدة، لالة زينب المقري، في إقامتها الخاصة، وهناك أنجبت والدي وأعمامي وعماتي.

بالنسبة إلى عمتي لالة مينة رحمها الله، فقد وُلدت في رياض مدني في درب ضباشي بمراكش سنة 1914. وكانت تحكي لي رحمها الله أنها لا تتذكر أي شيء عن والدها المدني الكلاوي، الذي توفي سنة 1918، أي أربع سنوات بعد ولادتها. وبالكاد تعرف عنه ما كانت تحكيه لها والدتها لالة زينب».

زواج المدني الكلاوي من زينب المقري أثمر عن لالة مينة، وأختها حورية، ومحمد المهدي، والد سامية الگلاوي. ورغم أن بعض المصادر تشير إلى أن زواج المدني الكلاوي من ابنة الصدر الأعظم الحاج المقري كان زواجا سياسيا، إلا أن الأبعاد العائلية لهذا الزواج تؤكد فعلا أن المدني الكلاوي كان يولي عناية خاصة لزوجته زينب المقري، حتى أنه خصص لها إقامة فخمة في «تخزريت»، حيث كان يوجد مكتبه الذي لا ينقطع زواره من زعماء القبائل وأصحاب الشكايات.

مكانة زينب المقري في حياة المدني الگلاوي ترسخت أكثر عندما أنجبت له أبناءه، الذين يعتبرون في الوقت نفسه أحفاد الصدر الأعظم، الذي كان يحظى بمكانة خاصة لدى السلطان مولاي يوسف، ثم بعده مع السلطان محمد بن يوسف في عشرينيات القرن الماضي. لكن ماذا كان مصير زينب المقري، أو «لالة زينب المقرية» كما كانت تلقب في ذلك الوقت، بعد وفاة زوجها المدني الگلاوي؟

 

 

الباشا عارض ذهاب البنات للمدرسة وهذه ذكريات زيارات المشاهير

تحكي لنا سامية الگلاوي عن هذه الفترة الانتقالية في حياة والدها وعمتها لالة مينة. تقول: «في سنة 1918، توفي جدي المدني الگلاوي، وبقيت جدتي زينب المقري رحمها الله مع أولادها وخادماتها في «دويرية»، بعد أن انتقلت الأمور العائلية وسلطة گلاوة إلى الباشا التهامي المزواري الگلاوي، أخ المدني الگلاوي. وهنا أود أن أشير إلى أن دار گلاوة في

«تخزريت» كانت عامرة. هناك زوجات كثيرات وأولاد كثيرو العدد، بالإضافة إلى مئات الجواري، ناهيك عن الخادمات والخدم وأبنائهم. ولم يكن سهلا أن يعيش المرء في هذا الوسط، خصوصا أن جدتي زينب المقري اعتادت على حياة مختلفة نوعا ما في دار والدها الصدر الأعظم.

بعد أن أصبح الباشا التهامي الگلاوي رئيسا للعائلة، كان يحتاج إلى بعض الوقت لترتيب الأمور العائلية. لا أعلم السنة التي تزوج فيها الباشا التهامي الگلاوي من جدتي زينب المقري، لكن الزواج تم ما بين سنتي 1919 و1920.

كانت العادات العائلية وقتها أن يُشرف الأخ على زوجة أخيه وأبنائها بعد وفاته، وهذا ما قام به الباشا الكلاوي بالضبط».

أثرنا هنا، مع سامية الگلاوي، وهي تحكي عن هذه المحطة الانتقالية في حياة جدتها ووالدها وعمتيها، مسألة إرث المدني الكلاوي، وصحة ما راج عن هيمنة التهامي الگلاوي على أملاك أخيه المدني وتهميشه لأبنائه بعد وفاته، وهي الروايات نفسها التي نُشرت في الصحافة الفرنسية في ثلاثينيات القرن الماضي، وقاضى الباشا كاتبها في المحاكم الفرنسية. تُجيب سامية الكلاوي هنا بالقول: «إن التقاليد المغربية كانت غريبة عن الفرنسيين في المغرب، ولم يفهموا كيف يحق للباشا الگلاوي أن يتزوج أرملة أخيه، وأن يُدبر شؤون وحياة أبناء أخيه، باعتباره أبا ثانيا لهم. وهذا بالضبط ما قام به الباشا الكلاوي رحمه الله، فقد أكرم جدتي زينب المقري ووالدي وعماتي، وخصص لهم إقامة فخمة جدا، ومستقلة، وهي ما زالت موجودة إلى الآن في باب دكالة بمراكش، وفيها قضت جدتي لالة مينة ووالدي محمد المهدي وعمتي حورية طفولتهم. وقد كانت عمتي ووالدي رحمهما الله، يحكيان لي عن زيارات الباشا التهامي الگلاوي إلى زوجته زينب المقري التي كان يعاملها معاملة خاصة جدا، ويسأل عن أحوالها دائما، ويأتي إلى قصر باب دكالة بانتظام لرؤيتها وقضاء شؤون أبنائها، وقد أنجب منها ابنيه عبد الصادق وحسن.

ولم يكن هناك أي فرق عند عمتي لالة مينة بين أخويها حسن وعبد الصادق وبين أخويها من المدني الگلاوي، لقد نشؤوا جميعا في كنف لالة زينب المقري وتحت إشراف الباشا التهامي».

المعروف أن الباشا التهامي الگلاوي كان رجلا كثير الضيوف، خصوصا من مشاهير السينما الفرنسيين وكبار الشخصيات من الولايات المتحدة الأمريكية. تقول سامية الكلاوي في حديثها إلى «الأخبار»:

«حكت لي عمتي أن حياة الحريم في ظل الباشا الگلاوي كانت تسير وفق ضوابط صارمة جدا. لم يكن مسموحا لهن بالخروج نهائيا، كما أنه يجب عليهن أن يرسلن إلى الباشا مبعوثة خاصة لكي تخبره بما يحتجنه أو يرغبن في استشارته بشأنه، وكان يبعث إليهن بالجواب».

ولم تكن زينب المقري تخرج عن هذه القاعدة، رغم أن والدها هو الصدر الأعظم ورئيس الوزراء في دولة السلطان محمد بن يوسف، والذي استمر في منصبه إلى حدود سنة 1955. تواصل سامية الگلاوي حديثها: «استفاد والدي رحمه الله من الدراسة، رفقة أخويه عبد الصادق وحسن، وخصص لهما الباشا التهامي الگلاوي مربية فرنسية خاصة تشرف على تعليمهم ورعايتهم. بينما بقيت عمتاي لالة حورية ولالة مينة مع الحريم، وكان ممنوعا تماما أن تذهبا إلى المدرسة، أو تغادرا إقامة باب دكالة. وحتى عندما كان المشاهير يأتون في زيارات إلى قصر الباشا في مراكش، فقد كان الباشا يسمح لزوجاتهم أو النساء المرافقات لهم بزيارة الحريم، وهكذا تعرفت عمتي مينة رحمها الله على بعض الممثلات الفرنسيات والعربيات اللواتي زُرن إقامة الباشا. أما عندما يتعلق الأمر بزيارة النجوم، مثل شارلي شابلن وغيره من مشاهير السينما والفن في القرن العشرين، فإن عمتي كانت تسمع فقط بالخبر، ولم يكن مسموحا نهائيا للحريم بأن يظهرن أمام الضيوف مغاربة كانوا أو أجانب.

لكن قصة عمتي مع الدراسة تستحق فعلا أن تُروى. فقد كانت واحدة من «ليشيرات» -أي الجواري- مُتعلمة، وعلمت عمتي لالة مينة وعمتي حورية القراءة والكتابة، وتمكنت عمتي مينة من حفظ القرآن الكريم. لكن اللغة الفرنسية تعلمتها مع والدي وأعمامي، بحكم أنهم كانوا يستفيدون من تعليم عصري. وصقلت لغتها الفرنسية مع الممثلات والأوروبيات زوجات السياسيين والفنانين من ضيوف الباشا، وتعلمت قليلا كيف تتواصل معهن. لكن الفضل في حديثها بالفرنسية بطلاقة يرجع إلى زوجها عبد العزيز، ابن العالِم الكبير أبي شعيب الدكالي».

قبل الخوض في مرحلة زواج لالة مينة، نتطرق أولا إلى أقوى ذكرى لها من زيارة المشاهير إلى قصر الباشا التهامي الگلاوي، كما حكتها لابنة أخيها سامية التي تنقلها كالآتي: «تحتفظ عمتي بذكرى عزيزة على قلبها، وهي زيارة المغنية أم كلثوم إلى قصر الباشا الگلاوي. فقد سمح الباشا بأن تزور أم كلثوم قسم الحريم، وتتعرف على نسائه وتجلس معهن، وقد أدت أم كلثوم بعض مقاطع أغانيها في حضور نساء الگلاوي، وكانت تلك المرة الأولى التي تتعرف فيها عمتي مينة على أم كلثوم، بعد أن كانت النساء في قصر الگلاوي يقضين الوقت في التطريز والحرف اليدوية مثل نسج الزرابي، وسماع الأغاني عبر آلات ذلك الوقت، وشكلت زيارة أم كلثوم حدثا كبيرا روّح عنهن جميعا».

 

 

حياة الرباط.. ذكريات مع العالِم أبي شعيب الدكالي وابنه الذي خطفه السُل..

تقول سامية الگلاوي: «لم تكد عمتاي مينة وحورية أن تتجاوزا مرحلة الطفولة، حتى أشرف الباشا التهامي الگلاوي على زواجهما معا، وقد كانت تلك العادة في ذلك الوقت. وفعلا فقد صاهر التهامي الگلاوي العالم المغربي الجليل أبي شعيب الدكالي الذي كان يقيم في الرباط، وزوج ابنيه عبد العزيز وعبد الرحمن من عَمَّتَيَّ. تزوجت عمتي مينة من عبد العزيز، بينما عمتي حورية تزوجت عبد الرحمن، إلا أن زواج هذين الأخيرين لم يستمر طويلا ولم يُكتب لهما أن يعيشا معا.

عندما تم الزواج، انتقلت عمتاي معا إلى دار أبي شعيب الدكالي، وقد كانت إقامة كبيرة جدا مكونة من مجموعة من الإقامات المنفصلة، وخصصت دار منها لإقامة عمتي مينة وأخرى لإقامة عمتي حورية.

مع عبد العزيز رحمه الله، تعرفت عمتي مينة على حياة الرباط، وكان يصطحبها إلى السينما، حتى أنها كانت تُفاجئني كثيرا عندما تحفظ بعض الأغاني الفرنسية عن ظهر قلب وتردد بثقة أغان فرنسية اشتهرت في أفلام السينما الفرنسية. وبعض الفنانات سبق لها أن رأتهن مباشرة في قصر الباشا التهامي، ثم رأتهن في شاشة السينما في الرباط.

مع سي عبد العزيز رحمه الله، عاشت عمتي نوعا من الحرية، كما أن العالم الجليل أبي شعيب الدكالي أحاطها بعناية خاصة جدا، وكان يعطف عليها ويحث أبناءه على حسن معاملة زوجاتهم والإحسان إليهن.

وهنا أستدرك أن طيبة العالم الكبير أبي شعيب الدكالي كانت تقابلها بعض الصرامة من إحدى زوجاته التي كانت تُسمى «جميلة المكية»، والتي توفيت منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، ولم يكن يفصلها عن وفاة ابنها عبد العزيز متأثرا بمرض السل سوى أشهر قليلة.

زوجة أبي شعيب الدكالي كانت تشرف على نساء الدار وتُقرر في شؤون الأسرة، وكانت تعارض الزيارات المتكررة لِعَمَّتَيَّ حتى تريا أمهما لالة زينب المقري، التي بقيت وقتها في مراكش في دار الباشا الگلاوي. وكان السائد وقتها أن البنت عندما تتزوج فإنها تغادر دار أبيها إلى غير رجعة، وقد تزورها مرة واحدة فقط في حياتها بعد زواجها. لكن عَمَّتَيَّ كانتا تحظيان بعطف من أبي شعيب الدكالي، وكان يسمح لهما بالذهاب إلى مراكش وزيارة أمهما لالة زينب المقري، وهو ما لم يكن يعجب زوجته جميلة المكية، المنتمية إلى قبيلة نافذة جدا في مكة، وتزوجها أبو شعيب الدكالي عندما كان يعيش في الديار المقدسة، وكانت ابنة أسرة عريقة جدا في مكة، من الأشراف. وكانت تعلق على زيارات عمتي لأمها وتقول لها إنها منذ زواجها بأبي شعيب لم تر عائلتها نهائيا، بينما بنات زينب المقري يذهبن لزيارتها في كل حين، وتعبر عن تضايقها من هذا الأمر.

حكت لي عمتي رحمها الله أن الجميع كانوا يتوقعون موتها أيضا بحكم أنها كانت تشرف على رعاية زوجها بنفسها، وكان الجميع شبه متأكدين أنها التقطت العدوى، خصوصا أن عبد العزيز رحمه الله كان يعاني من مراحل متقدمة من المرض، ولم ينفع معها العلاج الذي جلبه له بعض الأطباء الأمريكيين. كانت عمتي تحكي لي كيف أن الجميع توقعوا وفاتها سنة 1945، وهي السنة التي توفي فيها زوجها، وتوقعوا أن تسقط بالعدوى في أية لحظة، لكن كُتب لها أن تعيش حياة مديدة قاربت 108 سنوات!».

تقول سامية الگلاوي إن الحزن خيم على دار أبي شعيب الدكالي، وكان عليها أن تغادرها بعد وفاة زوجها وتعود إلى بيتها الأول دار الباشا الكلاوي، في منتصف الأربعينيات دائما.

 

 

اللحظات الأخيرة في حياة الباشا الذي عانى من السرطان

رغم أن مينة الگلاوي عادت إلى كنف الباشا الكلاوي بعد وفاة زوجها عبد العزيز الدكالي، إلا أنها في بداية الخمسينيات تزوجت من أحد الأعيان المقربين من التهامي الكلاوي، ويتعلق الأمر بالقائد أوشطو. وهذا القائد – حسب ما تحكيه لنا سامية الكلاوي- كانت لديه زوجات أخريات، وسمح لزوجته الجديدة، مينة الكلاوي، بأن تقيم بالقرب من أمها زينب المقري التي انتقلت هي الأخرى إلى الدار البيضاء. حيث كان القائد أوشطو يأتي باستمرار لتفقد أحوال زوجته مينة ويقضي معها مدة قبل أن يعود إلى ورزازات، وأحيانا كانت هي الأخرى ترافقه، إلى أن توفي سنة 1975، في عز حدث المسيرة الخضراء، وكانت مينة الكلاوي تشرف بنفسها على رعايته وهو على فراش المرض، إلى أن فارق الحياة عشية يوم المسيرة.

حكت مينة الكلاوي التي لم تنجب أي أبناء من زيجتيها معا، لابنة أخيها سامية الكلاوي أنها تزوجت من القائد أوشطو في بداية الخمسينيات، حوالي سنة 1951. لكن عندما اشتد المرض على الباشا الكلاوي كانت تأتي رفقة إخوتها لتفقد الباشا والاطمئنان على صحته. وكانت تجده يعاني كثيرا من المرض، ولم يكن يخفى على وجوه المحيطين به قلقهم على وضع الباشا الصحي. وكانت العمة مينة تقول: «كنا نأتي لزيارة الباشا بانتظام. وبحكم علاقتنا به، فإننا كنا نجلس بجواره ونكتفي بمراقبته والبكاء أحيانا، والدعاء له بالشفاء. فقد قضينا طفولتنا تحت رعايته، لكن شخصيته التي لم تكن عادية، لم تكن تسمح بأن نتقرب منه كثيرا، كما أننا تربينا وفق تقاليد مرعية ضاربة في القدم، تمنع على البنات أن يتقربن كثيرا من الآباء أو يتواصلن معهم دون الالتزام بالتقاليد. وعندما كان ممددا على فراش المرض، ويتردد عليه الأطباء لمتابعة حالته وتداول إمكانيات إجراء العمليات الجراحية وفرص نجاحها، كنا نتألم، حتى أن جوا من الحزن والأسى خيم على العائلة».

توفي الباشا الكلاوي في يناير 1956، وعاشت أسرة «گلاوة» هذا التحول الذي تزامن مع استقلال المغرب وتشكل أول حكومة مغربية بعد الاستقلال بأسابيع فقط، وصودرت مختلف ممتلكات العائلة، واحتفظت مينة الكلاوي بذكريات هذه المرحلة، وعاشت ما تبقى من حياتها المديدة، إذ اعتُبرت من أكثر النساء المغربيات اللواتي عمّرن وعشن حياة مديدة حافلة بالأحداث، لتكون آخر جيل عاش في قلب تقاليد الحريم وسلطة رجال المخزن، إلى أن توفيت في 22 يوليوز 2022.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى