
سفيان أندجار
لم تعد الرياضة المغربية حاضرة في الانتخابات التشريعية من خلال البرامج والوعود المتعلقة بتطوير البنيات التحتية، أو دعم الأندية والشباب فقط، بل أصبحت بعض الوجوه الرياضية نفسها جزءا من المنافسة على مقاعد مجلس النواب، بعدما اختارت أسماء ارتبطت لسنوات بالملاعب وتسيير الأندية والعصب، بل وحتى التتويجات الرياضية، الانتقال إلى واجهة العمل السياسي والانتخابي.
انتخابات 23 شتنبر 2026 قدمت صورة واضحة لهذا الحضور، بعدما دخل عدد من رؤساء الأندية والمسؤولين الرياضيين والأبطال السابقين غمار المنافسة، بعضهم تمكن من تجديد حضوره داخل المؤسسة التشريعية، وبعضهم الآخر أخفق في بلوغ المقعد، رغم الرصيد الذي راكمه في المجال الرياضي.
النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية بعد انتهاء عمليات الإحصاء الإقليمية والجهوية أكدت أن النتائج المعلنة سابقا لم يطرأ عليها أي تغيير، وهو ما يسمح بقراءة حصيلة الوجوه الرياضية التي دخلت السباق على أساس نتائج انتخابية نهائية، وليس على أساس المعطيات الأولية التي كانت متداولة ليلة الاقتراع.
لخصم يقتحم البرلمان بالضربة القاضية
في مقدمة الوجوه التي خرجت من الانتخابات بأقوى حصيلة، يبرز اسم مصطفى لخصم، البطل العالمي السابق في رياضة الكيك بوكسينغ، الذي لم يكتف بالعودة إلى الواجهة السياسية، وإنما تصدر نتائج دائرة صفرو بفارق كبير، بعدما حصل على 19 ألفا و608 أصوات، ليحجز مقعدا بمجلس النواب باسم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.
وجاء إدريس الشبشالي عن الأصالة والمعاصرة ثانيا بـ10 آلاف و437 صوتا، ويوسف منضور عن التجمع الوطني للأحرار ثالثا بـ8 آلاف و226 صوتا، فيما حل البرلماني السابق إدريس الشطيبي في المركز الخامس بـ4 آلاف و843 صوتا.
وتكتسي حالة لخصم أهمية خاصة داخل هذا الملف، لأن الأمر يتعلق بشخصية رياضية صنعت اسمها خارج السياسة، قبل أن تدخل إلى تدبير الشأن العام.
فقد سبق للبطل العالمي السابق أن خاض تجربة في تدبير الشأن المحلي، قبل أن يخوض هذه المرة الانتخابات التشريعية، وينجح في تجاوز أسماء سياسية وبرلمانية كانت تتوفر على تجربة سابقة داخل المؤسسة التشريعية.
واللافت أن فوزه ارتبط أيضا بخروج إدريس الشطيبي من البرلمان، بعدما شغل عضوية المجلس لولايتين متتاليتين، بل وتولى منصب النائب الثالث لرئيس مجلس النواب خلال الولاية المنتهية. وبذلك تحولت دائرة صفرو إلى واحدة من أبرز النماذج التي انتقلت فيها المنافسة من مجرد تجديد المقاعد إلى تغيير فعلي في موازين القوى الانتخابية.
بنسعيد يجدد العبور
المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل ورئيس نادي اتحاد يعقوب المنصور، فقد جمع بين المسؤولية الحكومية والحضور الرياضي والانتخابي، ونجح في تجديد مقعده البرلماني عن دائرة الرباط- المحيط باسم حزب الأصالة والمعاصرة. وبنسعيد لم يدخل هذه الانتخابات بصفته الرياضية فقط، وإنما باعتباره أيضا قياديا بارزا في «البام» وعضوا في الحكومة المنتهية ولايتها، وهو ما جعل ترشحه في العاصمة واحدا من الملفات البارزة داخل السباق الانتخابي. وأظهرت النتائج تصدره الدائرة بـ7 آلاف و386 صوتا، متقدما على باقي المتنافسين، ليحجز أحد المقاعد الأربعة المخصصة للدائرة، إلى جانب عبد الإله البوزيدي عن الاستقلال، وعمر محمود بنجلون عن تحالف اليسار، وعبد الإله الخلفي عن العدالة والتنمية.
ويكتسي فوز بنسعيد أهمية داخل الخريطة الرياضية أيضا، بسبب ارتباطه برئاسة اتحاد يعقوب المنصور، الذي عرف خلال السنوات الأخيرة صعودا في كرة القدم الوطنية، بما يجعل تجربته نموذجا للمسؤول الذي يتحرك في ثلاثة مستويات متقاطعة: العمل الحكومي، والعمل الحزبي، والتسيير الرياضي. كما يأتي تجديد مقعده في سياق انتخابي أعاد ترتيب المشهد البرلماني، بعدما تصدر «البام» النتائج الوطنية بـ97 مقعدا، فيما حصلت دائرة الرباط-المحيط على أربعة مقاعد موزعة بين أربعة أحزاب، وهو ما يؤكد أن الفوز الانتخابي لبنسعيد كان مرتبطا بنتيجة مباشرة داخل دائرة تنافسية في العاصمة، وليس بمجرد موقعه الحكومي أو الرياضي.
جودار الحصن المنيع وآيت منا يرفض السقوط
في الدار البيضاء، حافظ محمد جودار، رئيس عصبة الدار البيضاء الكبرى لكرة القدم ونائب رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، على حضوره داخل المؤسسة التشريعية، بعدما تصدر النتائج بدائرة ابن مسيك باسم الاتحاد الدستوري.
وأظهرت المعطيات الانتخابية حصوله على 8 آلاف و331 صوتا، متقدما على سعيد كشاني عن العدالة والتنمية وتوفيق كميل عن التجمع الوطني للأحرار، في دائرة خصصت لها ثلاثة مقاعد.
ويؤكد فوز جودار استمرار حضور مسؤولي المؤسسات الكروية داخل المجال السياسي والبرلماني، خصوصا أن الرجل يجمع بين مسؤولية رياضية داخل هرم كرة القدم الوطنية، وحضور انتخابي محلي.
وفي المحمدية، نجح هشام آيت منا في الحفاظ على مقعده البرلماني، بعد منافسة قوية على المقعد الثالث. آيت منا، الرئيس السابق لشباب المحمدية والوداد الرياضي، دخل الانتخابات باسم التجمع الوطني للأحرار، في محاولة لتجديد ولايته داخل مجلس النواب، في دائرة عرفت تنافسا بين عدد من الأسماء السياسية والاقتصادية المعروفة. وبعد فرز الأصوات، تصدر حزب الاستقلال النتائج، متبوعا بالعدالة والتنمية، فيما جاء التجمع الوطني للأحرار ثالثا، ليحسم آيت منا المقعد الثالث لفائدة حزبه.
وتشير النتائج النهائية إلى حصول لائحته على 7 آلاف و166 صوتا، مقابل 6 آلاف و693 صوتا للأصالة والمعاصرة، فيما حسم سعيد التدلاوي والتهامي المحمدي المقعدين الآخرين.
ويكتسي فوز آيت منا أهمية إضافية بالنظر إلى أن دخوله الانتخابات جاء في سياق سياسي محلي شديد التنافس، بعدما ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بالرياضة وتسيير نادي الوداد، إلى جانب رئاسته جماعة المحمدية.
وكان ترشحه قد وضعه في مواجهة عدد من الأسماء التي كانت تراهن على تغيير الخريطة الانتخابية داخل الدائرة، إلا أن النتيجة النهائية أبقته ضمن الوجوه الرياضية التي تمكنت من تجديد حضورها البرلماني.
حكيم بن عبد الله.. البركان الصامت
في دائرة بركان، حافظ حكيم بن عبد الله، رئيس نادي نهضة بركان، على موقعه داخل مجلس النواب، بعدما ظفر بالمقعد الثاني في الدائرة باسم حزب الاستقلال.
وأفرزت النتائج حصول محمد الإبراهيمي عن الأصالة والمعاصرة على المرتبة الأولى، فيما جاء بن عبد الله ثانيا، متبوعا بمحمد صديقي عن التجمع الوطني للأحرار.
وكانت النتائج الأولية، بعد فرز 77.5 في المائة من الأصوات، قد أظهرت حصول بن عبد الله على 8 آلاف و656 صوتا، قبل أن تحسم عملية التجميع النهائي المقاعد الثلاثة لفائدة الأحزاب الثلاثة المتصدرة.
ويجمع بن عبد الله بدوره بين مسؤولية تسيير أحد أبرز الأندية المغربية على المستوى القاري وبين العمل البرلماني، وهو ما يجعل حضوره مختلفا عن تجربة الرياضيين السابقين الذين انتقلوا إلى السياسة، بعد نهاية مسيرتهم الرياضية. فالرجل يخوض السياسة بالتوازي مع مسؤولية رياضية داخل ناد يعيش حضورا قاريا متواصلا، الأمر الذي يجعل تجربته واحدة من الحالات اللافتة في العلاقة بين المؤسسات الرياضية والسياسية.
الفيلالي الظل الذي لا ينقشع
حسن الفيلالي، رئيس نادي الاتحاد الزموري للخميسات، نجح بدوره في تجديد مقعده بمجلس النواب عن دائرة تيفلت- الرماني، بعدما اختاره حزب التجمع الوطني للأحرار وكيلا للائحته خلال الانتخابات التشريعية، التي جرت يوم 23 شتنبر 2026. ولم يكن ترشيح الفيلالي مجرد عودة إلى المنافسة الانتخابية، إذ إن الحزب كان قد جدد ثقته فيه منذ أبريل الماضي، مستندا إلى تجربته السابقة داخل البرلمان وإلى حضوره التنظيمي بإقليم الخميسات، حيث يشغل أيضا مهمة المنسق الإقليمي لحزب الأحرار وعضو مجلس جهة الرباط- سلا- القنيطرة.
وتكشف هذه المعطيات أن الفيلالي خاض الانتخابات الجديدة وهو يحمل تجربة برلمانية سابقة تمتد إلى الولاية التشريعية 2021-2026، بعدما كان نائبا عن الدائرة نفسها ضمن فريق التجمع الوطني للأحرار، واشتغل خلال الولاية المنتهية داخل لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة.
وفي الجانب الرياضي، يترأس الفيلالي الاتحاد الزموري للخميسات، أحد أندية كرة القدم التي ترتبط بتاريخ طويل بالمنطقة، ويجمع بذلك بين المسؤولية الرياضية والعمل السياسي والبرلماني في تجربة تعكس الحضور المتداخل لمسيري الأندية داخل المجال العام. وخلال الجمع العام العادي للنادي المنعقد في فبراير 2026، صادق المنخرطون بالإجماع على التقريرين الأدبي والمالي، فيما أكد الفيلالي أن الهدف الأساسي للمرحلة يتمثل في إعادة الفريق إلى مستوى أعلى، مع مواصلة العمل على تهيئة المركز الرياضي وتأهيل ملعب 18 نونبر وتعبئة الموارد المالية اللازمة لدعم الفريق. وعلى المستوى الانتخابي، واجه الفيلالي منافسة من 16 لائحة أخرى بدائرة تيفلت- الرماني، التي خصصت لها ثلاثة مقاعد برلمانية، وبلغ عدد المسجلين فيها 153 ألفا و827 ناخبا وناخبة، فيما وصل عدد المصوتين إلى 71 ألفا و240، بنسبة مشاركة بلغت 46.31 في المائة.
ونجح وكيل لائحة الأحرار في احتلال المرتبة الثالثة بحوالي 16 في المائة من الأصوات، خلف بشرى الوردي عن الأصالة والمعاصرة وعبد الصمد عرشان عن الحركة الديمقراطية الاجتماعية، ليضمن بذلك أحد المقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة.
أسماء سقطت في طريقها نحو البرلمان
وفي مقابل الأسماء التي نجحت في العبور، حملت انتخابات 2026 أيضا حالات تعثر لافتة لوجوه رياضية دخلت السباق وهي تراهن على حضورها داخل الأندية أو على امتدادها المحلي. ومن أبرز هذه الحالات أنيس محفوظ، الرئيس السابق لنادي الرجاء الرياضي، الذي اختاره الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وكيلا للائحته بدائرة الفداء- مرس السلطان. وقد كان ترشيحه من أبرز الرهانات الرياضية للحزب في الدار البيضاء، خصوصا أن محفوظ سبق أن تولى رئاسة الرجاء، ويمتلك حضورا داخل الأوساط الرياضية والقانونية.
غير أن النتائج لم تمنح محفوظ المقعد البرلماني. فقد جاءت لائحة الاتحاد الاشتراكي في مرتبة متأخرة جدا بدائرة الفداء- مرس السلطان، إذ أظهرت المعطيات الانتخابية حصولها على 285 صوتا فقط، مقابل تصدر العدالة والتنمية، ثم الأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار في ترتيب النتائج. وبذلك انتهى الرهان الانتخابي للرئيس السابق للرجاء دون مقعد، في واحدة من أبرز حالات عدم نجاح شخصية رياضية كانت حاضرة بقوة في مرحلة ما قبل الانتخابات.
وتبرز حالة أخرى أكثر وضوحا في دائرة البرنوصي- سيدي مومن، ويتعلق الأمر بهشام شبورة، رئيس نادي الرشاد البرنوصي، الذي خاض الانتخابات باسم الاتحاد الدستوري. شبورة جمع خلال 2026 بين واجهتين صعبتين؛ الأولى رياضية بعد سقوط الرشاد البرنوصي إلى القسم الأول هواة، والثانية انتخابية انتهت بعدم تمكنه من حجز مقعد في مجلس النواب.
ووجد رئيس الرشاد نفسه أمام حصيلة ثقيلة على الواجهتين، بعدما انتهى موسم الفريق بالهبوط، ثم انتهت الانتخابات دون تمكنه من الفوز بالمقعد النيابي.
وهذه الحالة تفتح الباب أمام قراءة أوسع لمسألة انتقال مسؤولي الأندية إلى المجال السياسي. فالحضور الرياضي يمنح صاحبه، في عدد من الحالات، شهرة وامتدادا اجتماعيا محليا، لكنه لا يعني بالضرورة ترجمة ذلك الحضور إلى أصوات انتخابية. انتخابات 2026 قدمت نموذجا واضحا لذلك: بعض الأسماء الرياضية تمكنت من الفوز، فيما لم تنجح أسماء أخرى في الوصول إلى البرلمان، رغم ارتباطها المباشر بأندية لها جماهير ومكانة محلية.
وتكتسب المقارنة مع انتخابات 2021 أهمية خاصة في فهم هذا المسار. ففي تلك الانتخابات، تمكن عدد كبير من رؤساء الأندية والمسؤولين الرياضيين من الظفر بمقاعد برلمانية، من بينهم محمد بودريقة، الرئيس السابق للرجاء، وهشام آيت منا، ونور الدين البيضي، رئيس يوسفية برشيد، ومحمد جودار، وعادل الدفوف، الرئيس الأسبق لاتحاد طنجة، ومحمد هوار، رئيس مولودية وجدة، وحكيم بن عبد الله، رئيس نهضة بركان، وإسماعيل الزيتوني، الرئيس المنتدب لأولمبيك الدشيرة، وحسن الفيلالي المرتبط بالاتحاد الزموري للخميسات.
لكن الخريطة تغيرت في 2026. بعض هذه الأسماء لم تعد في السباق بالصيغة نفسها، وبعضها فقد موقعه، أو لم يحصل على تزكية حزبية، فيما تمكنت أسماء أخرى من تجديد حضورها. ومن الحالات اللافتة أن إسماعيل الزيتوني، الذي كان عضوا بمجلس النواب عن دائرة إنزكان- أيت ملول ورئيسا منتدبا لأولمبيك الدشيرة، لم يحصل على تزكية حزبه لخوض انتخابات 2026، وتؤكد سجلات مجلس النواب أنه كان نائبا عن التجمع الوطني للأحرار خلال الولاية 2021- 2026.





