الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

هؤلاء مؤسسو السلفية «المغربية» الحقيقيون

قاوموا الاستعمار ودعموا الملك وكانوا متنورين

ما العيب في أن يُنعت اللاعب المغربي زكرياء أبو خلال بأنه سلفي؟ لماذا اعتبر هذا النعت قدحيا، وشكل محاولة لمهاجمة اللاعب في ملعب آخر غير ملعب كرة القدم؟

هل نحن نعرف فعلا معنى السلفية الحقيقية التي ظهرت في المغرب، وشكلت تجربة فريدة جدا في الخريطة السياسية في العالم الإسلامي خلال القرن الماضي؟

وحسب بعض الإفادات التاريخية، فإن إدريس السنوسي كاد ليقتل على يد معارضيه، لولا أن القصر تدخل لحمايته منهم، وبقي إلى آخر حياته تحت رعاية السلطان.

لكن ما كاد السنوسي يتوقف عن نشاطه حتى ظهر أبو شعيب الدكالي، الذي أشار إليه المؤرخ الحسن السائح، ليبدأ هو الآخر دعوته السلفية في المغرب، بعد أن عاد محملا بكثير من الحماس من جامعة الأزهر في القاهرة، وكانت وقتها الحركة الوطنية المغربية على وشك أن تولد. وهناك مصادر تؤكد أن أبرز تلامذته محمد بن العربي العلوي، أحد مؤسسي الحركة الوطنية والذي لقبه المغاربة بـ«شيخ الإسلام»، ومن أقرب الشخصيات السياسية إلى الملك الراحل محمد الخامس.

 

 

يونس جنوحي

+++++++++++++++++++

هل يعرف المغاربة السلفية الحقيقية؟

موضوع القناعات الدينية للاعب كرة القدم المغربي زكرياء أبو خلال، كشف إلى أي حد صار مفهوم السلفية مرادفا للتطرف الديني. على الرغم من أن تاريخا كبيرا للسلفية في المغرب، بل إننا كنا سباقين إلى تشكيل سلفية معتدلة «حداثية» جدا كان أصحابها من كبار مهندسي فكر الحركة الوطنية المغربية التي واجهت فرنسا، سواء من خلال الأحزاب الوطنية التي ظهرت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، أو من خلال خلايا المقاومة السرية. وكل هؤلاء دفعوا ضريبة اختياراتهم السلفية وأسهموا في إثراء الخزانة المغربية بعدد من المؤلفات في الموضوع.

لماذا صار مفهوم «السلفية» سُبة يُقذف بها مواطن مغربي، أبان عن علو كعب كبير في مباريات كأس العالم، فقط لأنه أظهر التزاما دينيا، وهوجم بأنه «سلفي» مع ما أصبحت تحمله العبارة من إيحاءات تحيل على التطرف والغلو والتمييز على أساس «المعتقد».

لقد جرت مياه كثيرة في نهر التطورات الدينية والسياسية في المغرب، أما السلفية على الطريقة المغربية، فتستحق فعلا أن يُسلط عليها الضوء، لكي تعرف الأجيال الجديدة، كيف أن المغاربة كانوا سباقين إلى صقل مفهوم «السلفية» العصرية، وجعلها في خدمة تجديد الخطاب الديني ومحاربة الخرافة والجهل، والتأسيس لتيار وطني مبني على أساس ديني متين جدا.

وكما سوف نرى في هدا الملف، فإن السلفية المغربية كانت متنورة جدا، وأصحابها كانوا حاملي أفكار ومشاريع انبروا للكتابة عنها ودفعوا ثمن كتاباتهم باهظا من خلال التضييق الذي مارسته عليهم الإدارة الفرنسية.

في حين أن السلفية الأخرى التي وُلدت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت تحمل دلالات أخرى، ورموزها كانوا مختلفين تماما عن قادة الحركة الوطنية. إذ عُرفوا بمواقف متشددة، وصلت حد تكفير من يخالفهم الرأي من المغاربة والمسلمين، والغلو في الدعوة. وهكذا صار مفهوم السلفية مرادفا للإرهاب.

كان مقتل المعارض الاتحادي عمر بن جلون سنة 1975 أول ناقوس للخطر يتم دقه، رغم اختلاف الروايات واتهامات للأجهزة السرية سنوات الرصاص بالتورط في العملية واستعمال الأصوليين المتعصبين كغطاء، وهي الرواية التي ما زال الإسلاميون يتمسكون بها إلى اليوم.

كانت هذه العملية أول ناقوس للخطر الذي تسبب فيه الخطاب المتعصب في المنابر. وهذا الأمر اعترف به متشددون تائبون اليوم، حيث أكدوا أن خطب المنابر يوم الجمعة كانت تخطط لثورة على الفقهاء التقليديين، واستبدالهم بعيدا عن ظل وزارة الأوقاف في أواسط السبعينيات، بآخرين يلقون خطبا عن ضرورة الجهاد والدعوة إلى «صحوة» على شاكلة الصحوة التي كانت تتقد في الشرق، خصوصا في المملكة العربية السعودية.

تزامن هذا كله مع ظهور جيل جديد من خطباء المساجد، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نشروا أفكار متطرفة في خطب الجمعة والدروس العمومية في المساجد، قبل أن تقرر الدولة التعامل مع هذه الأفكار بنوع من الحزم.

هذه التطورات جعلت السلفية المتنورة المغربية التي ظهرت بداية القرن، تنسحب إلى الخلف، ويُنسى أصحابها رغم أنهم كانوا من مؤسسي الحركة الوطنية المغربية، وصار غريبا أن يُعلن مثلا أن شيخ الإسلام محمد العربي العلوي سلفي، رغم أنه جلس إلى طاولة واحدة مع المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، وهما معا رمزان لليسار المغربي، ولم يتردد بعض رموز السلفية من تكفيرهم، خلال سبعينيات القرن الماضي. فهل كان سلفيو «الزمن الأول» مُخطئين، أم أن السلفية الحقيقية ماتت مع هؤلاء؟ التنقيب في التاريخ وحده كفيل برفع اللبس، أو بعضه على الأقل.

 

 

لماذا لم يعد هناك وجود لمفكرين سلفيين؟

أول من أدرك أنه يجب أن يواجه السلفية العصرية المغربية التي كان يقودها رواد الحركة الوطنية وواضعو أفكارها، هو المقيم العام ليوطي. وهذا الأمر أكده باحثون مغاربة، إذ إن المقيم العام أدرك خطورة الأفكار التي كان يأتي بها نخبة العلماء المغاربة من الشرق، بحكم أنها كانت تعارض فكرة الحماية ووجود فرنسا في المغرب. وحاول عرقلة المشروع الفكري الذي تبناه السلفيون المغاربة المعاصرون الأوائل، وهم نواة الحركة الوطنية، وبرزت أسماء كثيرة مثل أبي شعيب الدكالي وشيخ الإسلام العربي العلوي الذي تأثر كثيرا بالدكالي وأعجب بمساره. ورغم أنهما سطرا على تجربتين مختلفتين، الأولى بدأت ما بعد سنة 1894، بينما تجربة العلوي تعززت أكثر في أربعينيات القرن الماضي ووصلت قمتها في الخمسينيات والسنوات الأولى بعد استقلال المغرب.

بالإضافة أيضا إلى عبد الله كنون، الذي كان من جيل رواد الحركة الوطنية الذين كتبوا وألفوا وأطّروا بأفكارهم المئات، إن لم نقل الآلاف من المتعلمين المغاربة. من مدينة طنجة، في أقصى الشمال، ورغم أنها كانت منطقة دولية، كان يكتب بحرقة عن قضايا الوطن وعمل جاهدا على نشر الوعي الديني.

ورغم أنه وُلد في فاس سنة 1908، إلا أن عبد الله كنون اعتُبر دائما مفكر طنجة وإحدى الشخصيات الكبرى المؤثرة فيها. وأيضا، رغم أنه كان سلفيا إلا أنه كان يرحب بصداقات الأجانب الذين كانوا يعيشون في المدينة، حتى بعد استقلال المغرب.

لماذا انقرض هذا الجيل المؤسس لسلفية «مواطنة» شكلت نواة الحركة الوطنية؟ هذا السؤال حاول أكاديميون الإجابة عنه من قبل، والنتيجة أن التداعيات السياسية وأحداث الثمانينيات، والحرب في أفغانستان ومواجهة الروس، كلها أسهمت في ميلاد حركة سلفية جديدة بتمويل مكن من انتشار المنشورات منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، والتي تدعو إلى سلفية أكثر تشددا، ليصبح الحال على ما هو عليه، ليس في المغرب فحسب، بل في جل دول خريطة العالم الإسلامي.

تجربة جيل سلفيي الحركة الوطنية تبقى فريدة جدا، ولم يحدث مثلها في شمال إفريقيا، حتى أن علال الفاسي مثلا عندما كان في منفاه في القاهرة، يؤدي ثمن مواقفه من الإدارة الفرنسية، كان قبلة للراغبين في معرفة المزيد عن تصور هذا الزعيم الوطني لمستقبل السلفية، ومدى نجاعة تصوره السياسي، الذي كان بطبيعة الحال موضوع هجوم كبير.

سبق وأن أثرنا موضوع «السلفية القديمة» وسبب انقراضها، وقلنا إن هذا الجيل من السلفيين المغاربة لم يكن يمانع من بعض الحداثة مثل تعليم البنات، بل اعتبروا الأمر من عمق الفكر الإسلامي الذي شجع على المساواة بين الرجل والمرأة، وهنا بالضبط كان الفرق متمثلا بين الفكر السلفي المغربي والفكر السلفي الوهابي الذي ضيق على الحريات، وفرض قوانين لم يكن لها أي مرجع في الدين الإسلامي المعتدل. ولعل أبرز دليل على سماحة السلفيين المغاربة الأوائل، ما قام به شيخ الإسلام العربي العلوي، عندما انخرط في المعارضة وساهم في ميلاد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى جانب اشتراكيين، وكان لا يجد حرجا في حضور مؤتمرات الحزب، سيما قبل انتخابات سنة 1963، حيث كان يؤمن أن الفكر السلفي يجب أن يكون حاضرا في الحياة العامة للمغاربة المعتدلين.

لكن الأمور سوف تتطور مع نهاية الستينيات، وبداية السبعينيات على وجه الخصوص، حيث بدأ هؤلاء السلفيون القدامى، الذين يمكن اعتبار علال الفاسي من بينهم أيضا، يتوارون إلى الخلف تاركين المجال لجيل جديد تأثر كثيرا بما كان يقع في الشرق، ليأتي تأسيس الشبيبة الإسلامية التي كان جل المنخرطين فيها معجبين أصلا بما كان يقع في المشرق من أحداث. وهكذا وُلد التطرف.

 

السلطان المولى سليمان.. «مهندس» سلفية مغربية معتدلة

عندما جاء المولى سليمان إلى الحكم سنة 1797، وجد الحالة السياسية للمغرب مفككة. وكانت الزوايا تلعب فيها دورا كبيرا في ذلك الوقت، حتى أن بعض هذه الزوايا كانت بؤرا لشن تمرد ضد الدولة ورفض أداء الضرائب وتجييش الغاضبين.

هل كان المولى سليمان سلفيا؟ الوارد في كل المراجع المغربية الرسمية، وحتى في «الاستقصا» الذي يبقى أكبر مرجع مغربي جمع الأخبار والأحداث، أن المولى سليمان بمجرد ما أن جلس على العرش حتى بادر إلى تقييد أنشطة الزوايا، وقطع مع ظاهرة الأضرحة وهو ما اعتُبر تاريخيا حملة تطهيرية ضد «الطرقية»، وتأسيسا لأفكار سلفية حارب بها خصومه السياسيين.

بالإضافة إلى أن المولى سليمان بادر أيضا إلى قطع العلاقات مع أوروبا، في إطار ما سمي وقتها سياسة «الاحتراز» أو الانغلاق. وهو ما يطابق الأفكار السلفية لذلك الوقت، التي كانت تعتبر التعامل مع أوروبا مُجَرَّما.

ورث المولى سليمان بعض قرارات والده المولى محمد الثالث بن عبد الله، ابن المولى إسماعيل، وتراكمت عنده تداعيات الصراعات السياسية بين أبناء المولى إسماعيل، وأيضا صراعات العلماء، خصوصا وأن التيار السلفي المغربي وقتها كان حاضرا وله دعاماته.

فقد كان موسم الحج، مناسبة سنوية لانفتاح العلماء المغاربة على علماء المشرق، وقد أوصى المولى سليمان عددا من العلماء المغاربة بإحضار مؤلفات لعلماء من الشرق ومَوَّلَ نسخها لكي تحفظ في المكتبة المغربية.

ما كان يؤهل المولى سليمان لتعزيز السلفية في المغرب، درجته العلمية، بحكم أنه درس الفقه وتعمق فيه، وكانت له دراية كبيرة بالحقل الديني.

ورغم أن مدة حكم المولى سليمان لم تتجاوز سبع سنوات، إلا أنها كانت كافية لكي يترك بصمة كبيرة في الحقل الديني. فبحكم أنه كان في مصاف العلماء وضابطا للعلوم الشرعية ومتعمقا في تخصصات فقهية دقيقة، فقد كان مؤهلا لكي يفهم تركيبة الحقل الديني مبكرا، وأسس لسلفية مغربية معتدلة، رغم أنه حارب بها خصوم العلماء المقربين منه، سيما العلماء الذين درس على يدهم مثل القاضي حمدون.

كان لوجود المولى سليمان في فاس دور كبير في إطلاق سلفية مغربية من جامع القرويين، سوف يكون لها ما بعدها بالتأكيد في المراحل التاريخية اللاحقة.

 

السنوسي وأبو شعيب الدكالي.. «سلفيا» القرن 19

يبقى الكاتب والمؤرخ المغربي الحسن السائح، الذي وُلد سنة 1930 وعاش شخصيا تحولات الحركة الوطنية ونشأ في مناخ ميلاد الوعي السياسي المغربي، أحد أوائل من نظّروا للسلفية المغربية في قمة الغليان السياسي المغربي، وفي قمة نشاط رموز السلفية المغربية المعاصرين لبداية الاستقلال.

وهنا نورد جزءا مهما من مقال نادر نُشر لهذا المؤرخ في مجلة «دعوة الحق»، في عددها الثاني سنة 1957.

هذه القراءة والمعطيات الواردة في هذا الاقتباس، تبقى رهينة بسياقها الخاص الذي كُتبت فيه قبل 65 سنة، لكنها أيضا تفسر اليوم ملامح نشأة السلفية المغربية على الطريقة العصرية، قبل أن تتطور إلى ما صارت إليه.

والمثير أيضا أن ذ. حسن السائح كان أحد أوائل من حاولوا التوثيق لظهور السلفية مع بداية القرن التاسع عشر والعشرين، وهي فترة لا تتوفر فيها وثائق تشفي غليل الباحثين لمعرفة التحولات الحقيقية في الحياة الدينية للمغاربة، والسياق الذي ظهر فيه الجيل الأول من العلماء المغاربة الذين حاولوا إحياء ما كان قد تعزز في عهد المولى سليمان وخبا نسبيا قبل أن يعود من جديد إلى الواجهة.

يقول ذ. الحسن السائح:

«ورغم أن الحركة السلفية كان عليها أن تكون حركة أوسع من نطاق القوميات، فإن وجودها في عصر القوميات. والواقع أن الحركة السلفية المغربية عرفت المغرب قبل عصر الأفغاني بكثير، ولكنها لم تكن من الوضوح والنصاعة والاستعداد للعمل مثلما أصبحت عليه في ما بعد، ولذلك فما كادت الحركة السلفية المتأخرة بالشرق تصدع بأمرها حتى كان صداها في المغرب أكثر قوة وأشد تأثيرا، وحتى استجاب المغرب لندائها، وحمل لواءها، ولكن الحركة السلفية الفتية في المغرب لم تكن تجد من وسائل الدعاية والنشر ما كانت تجده أختها بالشرق، نظرا إلى الانحطاط الفكري العام وتكالب المستعمرين على خنقها في المهد والقضاء عليها وليدة قبل أن تشب…

لقد عرف المغرب الحركة السلفية لما حمل الحجاج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى المولى سليمان الذي أعجب بها وحاول نشرها بالمغرب، فألف رسائله الإصلاحية، وأنشأ خطبة أمر الخطباء بقراءتها على المنابر، ويحدثنا الزياني والناصري عن هذه الحركة بإسهاب لا محل لذكره هنا، ثم جاء عبد الله السنوسي من الشرق وكان أثريا سلفيا، واتصل بالمولى الحسن وحضر بنفسه دروسه بفاس، وكان السنوسي يدعو لإصلاح العقيدة وفتح باب الاجتهاد والأخذ بالسلفية، ولما كانت دعوته أقوى من عصره ثار العلماء في وجه دعوته ورشقوه بسهام النقد… وما كاد الشيخ محمد عبده يرفع عقيرته بهذه الدعوة في الشرق حتى كان لها صدى في المغرب، وتلهف المصلحون على ما كان ينشره ويذيعه من كتب رغم وطأة الرقابة، وأخيرا عزم الشيخ الإمام على زيارة المغرب، ولكن المنية عاجلته.

وجاء بعد هؤلاء محدث خطير ومصلح كبير وهو الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي عاصر محمد عبده، وأظن أنه اتصل به اتصال الأنداد، وكان أن بدأ حركته السلفية في عهد المولى عبد الحفيظ، وساعدته ذاكرته القوية وحافظته الجبارة ولهجته المتناسقة أن يخلب الألباب ويحير الأسماع، فنجح نجاحا منقطع النظير، وتبوأ منصب القيادة العاطفية والزعامة الدينية في هذه البلاد».

 

شيخ فاسي بعث السلفية من خلف أسوار «القرويين»

إذا كان فعلا العالم إدريس السنوسي الذي درّس في القرويين ودرس بها، صوفيا في البدء، ثم عمل على محاربة بعض الزوايا، فإن هذا لا ينفي عنه أنه كان يُقَدِّرُ رموز التصوف في المغرب، بل وينهل عن بعضهم العلم الذي اشتهر به في فاس.

لكن أهم ما ميز حياة هذا الأخير أنه رحل في رحلة طويلة لطلب العلم والبحث عن مراجع السلفية التي تشفي غليله ورغبته في الاطلاع، ووصل إلى الهند في إطار رحلته للتعلم في «مدرسة أهل الحديث».

بعض شيوخ إدريس السنوسي تم تعيينهم في دواوين وزراء الدولة المغربية في فترة حكم المولى الحسن الأول، وبعض تلامذته تعينوا في دواوين وزراء الدولة لاحقا، في القصر الملكي في فاس.

وقد كانت بصمة السلفية حاضرة بقوة لدى هؤلاء السلفيين المغاربة. إذ بدون وعي منهم، كانت أفكارهم السلفية تظهر بوضوح في الرسائل التي كانوا يكتبونها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنصب كاتب في ديوان الوزير. إذ كان هؤلاء الكتاب مكلفين بتدوين نصوص رحلات وسفريات سفراء مغاربة إلى أوروبا، وتوثيق زيارات سفراء أجانب إلى المغرب. وكانوا دائما ما يعقدون مقارنات بين المغرب وتلك الدول الأوروبية وسفرائها، ويكون الوازع الديني حاضرا لديهم بقوة. بل هناك من فسر تفوق الدول الأوروبية، خصوصا بريطانيا وفرنسا، في مجال المواصلات واستعمال السيارات وخطوط الهاتف والتلغراف، بأنه نعيم دنيوي زائل، مثل ما وقع مع الكاتب عبد الله الفاسي، الذي وثق لرحلة السفارة المغربية إلى أوروبا في القرن التاسع عشر، وكان يصف جنسيات الدول الأوروبية بـ«الكفار»، وهو ما يفسر أن الوازع الديني كان حاضرا بقوة عنده حتى عندما كان في مهمة دبلوماسية. بل إن أعضاء السفارة المغربية رفضوا مصافحة زوجات وزراء بريطانيا، وقبلوا على مضض تناول وجبة العشاء، خلال حفل أقيم على شرف البعثة المغربية، وكادوا يتسببون في أزمة دبلوماسية بدل إنجاح المهمة الدبلوماسية التي جاؤوا من أجلها.

هذه السلفية التي كانت تسيطر على أفكار تلاميذ القرويين الذين اشتغلوا في الإدارات المغربية، وُلدت خلف أسوار الجامعة الأقدم في التاريخ. وقد كان إدريس السنوسي أحد أهم من مارسوا الدعوة السلفية في فاس خلال القرن التاسع عشر، بعد عودته من رحلة طلب العلم التي أخذته إلى الهند.

كان هذا في زمن المولى عبد العزيز، أي بعد سنة 1894، وقد اتُهم السنوسي بأنه كان متعصبا نوعا ما في ممارسة دعوته في أوساط طلبته القدامى الذين صاروا موظفين مخزنيين، وهو ما جعل عددا من الوزراء يثورون ضده، سيما وأن بعض أفكاره لم تكن تناسب طموحات بعض الوزراء تزامنا مع ظاهرة «المحميين»، حيث كانت هناك دعوات إلى تكفير المغاربة الذين حصلوا على «باصبورات» دول أوروبية ليحتموا بها ضد القوانين المغربية.

وحسب بعض الإفادات التاريخية، فإن إدريس السنوسي كاد ليقتل على يد معارضيه لولا أن القصر تدخل لحمايته منهم، وبقي إلى آخر حياته تحت رعاية السلطان.

لكن ما كاد السنوسي يتوقف عن نشاطه حتى ظهر أبو شعيب الدكالي، الذي أشار إليه المؤرخ الحسن السائح، ليبدأ هو الآخر دعوته السلفية في المغرب، بعد أن عاد محملا بكثير من الحماس من جامعة الأزهر في القاهرة، وكانت وقتها الحركة الوطنية المغربية على وشك أن تولد. وهناك مصادر تؤكد أن أبرز تلامذته محمد بن العربي العلوي، أحد مؤسسي الحركة الوطنية والذي لقبه المغاربة بـ«شيخ الإسلام»، ومن أقرب الشخصيات السياسية إلى الملك الراحل محمد الخامس.

 

هل كان زعماء الحركة الوطنية سلفيين؟

رغم الحزازات والخلافات السياسية التي قد يثيرها ذكر اسم سياسي من طينة علال الفاسي، إلا أن هذا الخلاف لا يتجاوز السياسة. وعندما يتعلق الأمر بمؤلفاته واجتهاداته التنظيرية، فليس هناك خلاف بين المثقفين والمؤرخين على أن علال الفاسي كان أحد رواد الفكر المغربي المعاصر.

المناخ الذي جاء فيه علال الفاسي، على اعتبار أنه قاد أكبر حزب سياسي في المغرب خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي كانت عصيبة جدا بطبيعة الحال، ساهم في إثراء نقاش عمومي مغربي مبكر. إذ كانت المنشورات التابعة للحركة الوطنية تساهم في خلق نقاش عام مغربي منذ بداية ثلاثينيات القرن الماضي، وهي مرحلة مبكرة جدا في الحقل السياسي المغربي.

كان علماء مغاربة مشهود لهم بالكفاءة، ينشطون بقوة مُبدين رأيهم في ما يقع من تطورات سياسية في البلاد. بل إن بعضهم كانوا مقربين من القرار، ويشغلون مناصب سامية في القضاء ويعملون مستشارين، خصوصا للمولى يوسف سنة 1912، وبعده السلطان محمد بن يوسف، الذي وصل إلى الحكم سنة 1927.

أحد أبرز هؤلاء العلماء، نجد عبد الحي الكتاني، وهو أحد المتنورين المغاربة الأوائل الذين نافسوا علماء المشرق، وناقشوا مسألة السلفية المغربية الجديدة.

وقبل أن تُعلن القطيعة بين عبد الحي الكتاني والقصر الملكي، وينضم إلى تيار الباشا الكلاوي المطالب بإسقاط السلطان مولاي يوسف، فقد كان الكتاني ضيفا دائما على قاعة العرش، ويلتقي بالسلطان رفقة عدد من العلماء بشكل دوري للتداول في الأمور السياسية وتقديم الاستشارات. وهو ما كان يُقلق الإقامة العامة الفرنسية.

هذا المعطى تؤكده وثائق الأرشيف الفرنسي التي تناولت العلاقة بين القصر والعلماء المغاربة.

لكن المثير أن هؤلاء العلماء السلفيين المغاربة، كانوا متنورين. إذ إن عبد الحي الكتاني الذي كانت له اجتهادات ومؤلفات اعترف بها المشارقة قبل المغاربة، وعلال الفاسي الذي لم ير مانعا في تعلم اللغة الفرنسية، كانا من دعاة التجديد وتكوين نواة حركة وطنية، رأت النور في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي وانبثقت منها تيارات مثل الحزب الوطني وحزب الاستقلال وحزب الشورى. وكلها أحزاب توزع عليها السلفيون المغاربة ودعموها بالأفكار والمال، وقد دفع بعضهم ثمن اختياراته الوطنية بالسجن والنفي. ورغم أن بعضهم لم يكونوا يصفون أنفسهم صراحة بـ«السلفيين»، إلا أنهم كانوا متأثرين بالتيار السلفي، وكانت أفكارهم سلفية إلى درجة أن بعضهم أعلنوا القطيعة مع الصوفية ودخلوا معهم في نقاشات فكرية حادة.

بالإضافة إلى هؤلاء، نجد العلامة شيخ الإسلام الفقيه العربي العلوي، والذي كان أيضا من رموز السلفية المغربية، ومن مؤسسي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان جل أعضائه يساريين، أمثال المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم وغيرهم.. إلا أن الاختلاف الفكري لم يمنع شيخ الإسلام، الذي تفقه في العلوم الشرعية والحديث، من الانضمام إلى تجربة سياسية حركت المشهد السياسي المغربي في نهاية الخمسينيات.

إلا أن اللافت، أن هؤلاء السلفيين المغاربة كانوا متنورين، إذ كانوا من أوائل من دعا إلى ضرورة تدريس البنات ودافعوا عن حقوق النساء قبل الاستقلال وبعده. حتى أن مواقف السلطان محمد بن يوسف في أربعينيات القرن الماضي، والتي كانت تقدمية، كانت تحظى بدعم علماء القرويين الذين كانوا سلفيي الهوى، ومُعجبين بأفكار الحركة الوطنية في الوقت نفسه. هذه الأفكار كانت من قبيل السماح للفتيات بالدراسة وحماية حقوق النساء والدراسة بأوروبا. وقد أورد مؤرخ المملكة، عبد الهادي التازي، في مذكراته الشخصية أنه حضر موقفا في أربعينيات القرن الماضي، أثناء استقبال السلطان محمد الخامس لبعض العلماء، وكان بينهم سلفيون، ولم يعارضوا دعوته إلى السماح للبنات بولوج المدارس التي كانت من صميم إنجازات الحركة الوطنية المغربية.

السلفية المغربية لطالما كرست نفسها لمقاومة المستعمر بالدرجة الأولى، وتطهير الفكر وتصحيح الظواهر الاجتماعية السلبية.. كيف إذن تغيرت السلفية المغربية، لكي تصير لاحقا مقرونة بالتشدد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى