حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف الأسبوع

هجرة الإسبان إلى المغرب … عندما هاجر “السبليون” نحو المملكة هربا من المجاعة والحرب

قد لا يعلم كثير من الجيل الجديد هذه الحقيقة التاريخية.. بعدما أصبح الوصول إلى إسبانيا حلما يداعب مخيلة كثير من الشباب، مهما كانت وسيلة السفر، ولو على متن قوارب الموت أو السباحة على الصدر.. لكن السابقين يعرفون أن الأمر كان مغايرا في الماضي، حيث كان المغرب ملجأ لكثير من الإسبانيين الهاربين من لهيب المعارك والمجاعات.

كان الإسبان يفضلون الهجرة إلى المغرب، أقرب يابسة خلف البحر، بحثا عن حياة أفضل، أو على الأقل بحثا عن ملاذ آمن.. فالوصول إلى المغرب كان متاحا في زمن لم يكن فيه ذكر للتأشيرات ولا الحرس المدني ولا هم يحزنون.

ولأن مدينة طنجة كانت منطقة تحت الوصاية الدولية فقد تحولت إلى قبلة، توافدت عليها العائلات الأندلسية بالخصوص، وأفواج الهاربين من لهيب الحرب الأهلية الإسبانية، سيما في الفترة ما بين 1936 و1939، إذ تروي الكتابات التاريخية حكاية قوارب الموت التي كانت تسير عكس ما نعيشه اليوم.

وقد نزل مئات الإسبان في شواطئ هذه المدينة الدولية، وكان هدفهم الخبز وبعض الحرية.. لهذا مارسوا مهنا مدرة لمال يكفي للعيش، وما أن كان الإسباني يستقر في طنجة حتى يبعث على الفور رسالة إلى أهله وأصدقائه تتضمن عبارة واحدة: “تعالوا إلى طنجة.. هنا يوجد خبز.. خبز كثير”.

لم تكن موجة الهجرة هاته الأولى من نوعها، فقد سبق لعدد كبير من العرب من أصول أندلسية واليهود الأندلسيين أن هاجروا إلى المملكة، بعد أن طردوا من إسبانيا والبرتغال سنة 1492.

كما أنه بعد انتهاء حرب تطوان أيضا، المعروفة أيضا باسم: “الحرب الإسبانية المغربية”، التي وقعت ما بين سنتي 1859 – 1860 في تطوان، قال المؤرخ الإسباني خوان باوتيستا فيلار، “بعد التوقيع على معاهدة الصلح بين إسبانيا والمغرب (معاهدة واد راس)، لجأ العديد من الفلاحين والحرفيين الإسبان إلى العمل في المدن الساحلية المغربية”. وخلال أواخر القرن التاسع عشر، زاد تدفق المهاجرين الإسبان إلى المغرب بشكل كبير، تفرقوا في مدن مختلفة..

 

حسن البصري

 

حين فتح المغرب موانئه أمام المهاجرين الإسبان

بعدما تقاسمت فرنسا وإسبانيا المغرب، وإعلان الحماية الإسبانية على أجزاء من المغرب سنة 1912، أصبحت الهجرة إلى بلاد المغرب مجرد “موضة” في إسبانيا، سيما حين أًصر المفاوض الإسباني على جعل شمال المغرب وصحرائه تحت الحماية الإسبانية، وباقي المناطق للفرنسيين.

لكن بعد هذه الفترة، أجبرت الحرب الأهلية في إسبانيا العديد من سكان شبه الجزيرة الإيبيرية، على مغادرة البلاد، بسبب الظروف المعيشية الصعبة في تلك المرحلة، واختار بعضهم التوجه إلى المغرب الذي كان الوضع الاقتصادي فيه جيدا، على الأقل مقارنة بالوضع في إسبانيا.

وبعد نيل المغرب لاستقلاله، وصل عدد سكان البلاد إلى ما لا يقل عن 11.6 مليون نسمة، 1.3 في المائة منهم من أصل إسباني، وهي النسبة التي تعادل عدد المغاربة في إسبانيا قبل خمس سنوات.

وبعد وفاة فرانسيسكو فرانكو، في 20 أكتوبر 1975، وإعلان الحسن الثاني في 6 من نونبر 1975 عن انطلاق المسيرة الخضراء، شعر الإسبان بنوع من التهديد، وقرروا العودة إلى وطنهم الأصلي، خصوصا وأن الوضع الاقتصادي في إسبانيا تحسن كثيرا في تلك المرحلة، فتضاءل عدد القادمين من الضفة الأخرى، سيما بعد 1982 حيث شهدت إسبانيا بعد المونديال طفرة نوعية كبيرة ساهمت في تراجع أعداد المهاجرين الإسبان وعودتهم إلى بلدهم.

يقول الكاتب الصحافي يونس جنوحي، في “الملاذ الآمن” إنه مع بداية الأزمة الاقتصادية التي أرخت بظلالها على الاقتصاد العالمي بداية من سنة 2007، وجد العديد من الإسبان أنفسهم مجبرين على الهجرة مرة أخرى نحو المغرب، على الرغم من أن المغرب عانى بدوره خلال تلك الفترة من صعوبات اقتصادية، وارتفعت نسبة الهجرة من إسبانيا إلى المغرب بحوالي 32 في المائة خلال الفترة ما بين سنتي 2008 و2012.

ومن تداعيات هذه الموجات من الهجرة، غير المتحكم فيها، إصرار شخصيات إسبانية على الاستقرار في المغرب، وجعله بلد الإقامة بل منهم من أوصى بدفنه في جوف تربة البلد الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، رغم أن أغلبهم توفاهم الله، ولم يبق منهم إلا قلة فقط يستعيدون ذكرياتهم المغربية بكثير من الحنين، خلال لقاءات جمعيات يتقاطع فيها المغبي بالإسباني.

في سنة 2021، نشرت صحيفة “لوس ريبليكانتي”، مقالا استقصائيا حول آثار وانعكاسات هجرة الإسبان من مختلف مناطق إسبانيا صوب المغرب، خصوصا الدار البيضاء، بحثا عن حياة أفضل. ونقلت قصصا لأسر هاجرت إلى المغرب وجعلت منه موطنها الثاني.

حسب “لوس ريبليكانتي”، التي نقلت قصص أسر إسبانية عبرت مضيق البوغاز لتستقر في المغرب، فإن هذه السرديات جعلتها تكتشف دور المملكة المغربية في انتشال العديد من المواطنين الإسبان من مستنقع الخوف والجوع.

 

كوبل إسباني خلد وجوده في طنجة ببناء مسرح سيرفانتيس

يعد مسرح سيرفانتيس الكبير بطنجة تحفة معمارية وتاريخية افتتح عام 1913. أنشأه الزوجان الإسبانيان مانويل بينيا وإيسبرانزا أوريانا، بعد أن وهبا أرضا كانت في ملكيتهما لبناء هذا المسرح الذي يشكل رمزا للهجرة الإسبانية بطنجة، وكان المالكان ينحدران من مدينة قادس الإسبانية، ويشتغلان في المدينة الدولية وتربطهما علاقة بالفن خاصة المسرح. لهذا اتفقا على بناء أكبر قاعة عروض بشمال المغرب، وكان يعد نموذجا للعلاقات الفنية المتميزة بين المغرب وإسبانيا.

عاش عصره الذهبي في خمسينيات القرن العشرين كأكبر مسارح شمال إفريقيا وأشهرها قبل أن يطوله الإهمال والعزلة لعقود طويلة.

وضع حجر الأساس للمسرح في 2 أبريل 1911 وافتتح رسميا عام 1913 بمدينة طنجة التي كانت تتميز بطابعها الدولي. بلغت طاقته الاستيعابية أكثر من 1400 متفرج، وتم تصميمه على طراز معماري فريد يعكس التنوع الثقافي.

استضاف كبار الفنانين العالميين، وفرق الفلامنكو، وعروض الأوبرا الشهيرة مثل مغني الأوبرا إنريكو كاروسو. لكن طاله الإهمال والإغلاق بعد أن تنازل المؤسسان عن ملكية المسرح للدولة الإسبانية عام 1928.

تم تصميم بناية المسرح من قبل المعماري الإسباني دييغو خيمينث أرمسترونغ الذي طالب مالكا الأرض وصاحبا المشروع باستيراد كافة مواد البناء من إسبانيا باستثناء الرمال، بينما أنجز الرسومات الزرقاء المميزة لقبة المسرح التشكيلي الإسباني فيديريكو ريبيرا بوساطو، فيما عهد إلى النحات الإسباني كانديدو ماطا كانياماكي بإنجاز المنحوتات الخارجية للواجهة، وتم أيضا تزيين البناية بعشرة آلاف مصباح استلهاما للمسرح الملكي بمدريد.

أطلق اسم “سيرفانتيس” على المسرح، الذي افتتح في 11 دجنبر 1913، تيمنا بالكاتب الإسباني الكبير ميغيل دي سيرفانتيس، حيث أصبح عنصرا أساسيا في الحياة اليومية للإسبان وباقي مكونات المجتمع الطنجي.

عهد لجماعة طنجة بإعادة ترميم وصيانة المبنى، فلجأت إلى المقاولات الإسبانية، للحصول منها على تصاميم متطابقة لتهيئة مسرح سيرفانتيس، التاريخي بالمدينة العتيقة لطنجة، رغم أن الجماعة أعلنت في وقت سابق أنها شرعت في عملية الإصلاح رفقة عدد من الشركاء، في الوقت الذي عرف المشروع تعثرات كبيرة، بالرغم من رصد مبلغ ملياري سنتيم لعملية تأهيله.

                           

باكيطا غورونيو.. سكرتيرة السلطان الهاربة من بطش فرانكو

حلت باكيطا غورونيو بالمغرب هروبا من جبروت نظام فرانكو، كانت تعتقد أن لجوءها لن يتعدى فترة زوال نظام عسكري، لكن القدر شاء أن تفضي حياتها في الرباط وتدفن في تربته. عاشت هذه الإسبانية ذات التوجه الجمهوري والعلماني، محنة حقيقية وهي تحاول الانعتاق من نظام صارم، خاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية، حيث فرت رفقة أسرتها متجهة إلى فرنسا، إلا أنها صادفت محنة أخرى حيث كانت لدى الفرنسيين تعليمات باعتقال الهاربين على اعتبار أنهم “أشخاص شيوعيون وفوضويون”. لكن الأكيد أنها كانت تنتمي إلى التيار الجمهوري وتعادي الفاشية ونظام فرانكو.

‏تقربنا باكيطا أكثر من هذه المحنة: “للتخفيف من حجم المعاناة وعدد المعتقلين الذين فروا من جحيم الحرب الأهلية، قام الفرنسيون بخطوة لتسهيل مغادرة البعض منا وإعطائهم تراخيص لذلك، إما في اتجاه المغرب أو إلى الجزائر. وقد اخترت اللجوء إلى المغرب رغم أنني لم أكن أرغب في ذلك، لكن لم يكن متاحا لي الاختيار. وقد اشترطوا علي لمنحي ترخيص المغادرة، مساعدتهم في الترجمة بينهم وبين الإسبان المحتجزين، على أساس أن مغادرتي ستكون لحضور جنازة ودفن أحد أقاربي في المغرب. هكذا وصلت إلى هذا البلد، الذي أصبح ملاذي وبلدي”.

يقول الباحث المختار الغربي في سيرة باكيطا، “لقد ساعدت اللغة الفرنسية هذه المدريدية، التي درست في باريس، عندما وصلت إلى الرباط حيث اشتغلت سنة ‏‏1944 سكريتيرة بالكلية ‏الإمبريالية، وهو ما أصبح يعرف حاليا بالمدرسة المولوية، ذات يوم صادفت طفلة صغيرة علمت أنها ابنة السلطان محمد الخامس، ففازت بعطفه وفتح لها باب قصره لتصبح سكرتيرة ولي العهد الأمير مولاي الحسن الذي سيصبح ملكا للبلاد”.

في هذا الصدد، تقول باكيطا في حوار صحافي: “لقد تعرفت على الأمير وهو في سن الـ14 سنة، وأول ما تكفلت به، هو تهييء دعوات مكتوبة لأصدقائه في المعهد، وكانوا ثمانية في المجموع بالقصر. وكان والده محمد الخامس صارما، حتى أنه في العطل كان يخصص له أستاذا لتدريسه”. وتضيف: “حينما حصل المغرب على الاستقلال كان من الضروري دمج قوات شمال المغرب وجنوبه، وكانت الحاجة ماسة إلى شخص يتقن اللغتين الإسبانية والفرنسية، فذكرت الأمير بأنني لاجئة سياسية، وهو أمر كان يعلمه، فأجابني بأنه ليست هناك مشكلة، لأن العاملين لديه لا علاقة لهم بفرانكو. هكذا كلفت بالمهمة كمترجمة لإدماج القوات العسكرية، ومن هنا عرض علي منصب سكرتيرته الخاصة”. ظلت ترفض السفر إلى إسبانيا في عهد فرانكو، كي لا يختم جواز سفرها الجمهوري بخاتم فرانكوي.

بعد تقاعدها ظلت تقيم في نفس الشقة، وحين توفي الحسن الثاني حاول صاحب العمارة إفراغها ورفع دعوى قضائية ضدها، فلجأت إلى القصر تشتكي من الضرر حيث تم إنصافها وأعطيت تعليمات بوقف الشكاية لاعتبارات إنسانية.

كانت باكيطا في آخر أيامها تقاوم أمراض الشيخوخة بعد أن تجاوزت حاجز المائة سنة، كانت تتصل بابنها الذي يعيش في براغ، وحيث إنها تزوجت مرة واحدة ثم انفصلت عن زوجها وظلت في شقتها رفقة خادمتها إلى أن توفيت.

 

خيسوس.. لاجئ إسباني تحول إلى بطل في مصارعة الثيران

في زمن الهروب من الحرب الأهلية الإسبانية، كان الإسبان البسطاء يقطنون الأحياء الفقيرة للمدينة ويمارسون مهنا تكفي بالكاد لبقائهم على قيد الحياة، سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي ضربت الجارة الإسبانية في عهد الجنرال فرانكو.

لم تكن وجهة بسطاء إسبانيا حين يعبرون البوغار هو الاستقرار في طنجة التي كانت تحت الحماية الدولية، بل كمنهم من فضل الاستقرار في المدن المجاورة كتطوان والعرائش وشفشاون، بينما استوطن آلاف الإسبان مدينة طنجة، حتى أصبح لهم حيهم ومسرحهم وفضاءاتهم.

في ظل السياق التاريخي برز شاب يدعى خيسوس كانيثاريس، “الذي كان إسكافيا في محل قرب سينما موريتانيا، وبريمو دياث، الذي جاء إلى طنجة مباشرة بعد نهاية الحرب الأهلية في إسبانيا، مثل كثير من الإسبان، وكان يسكن في منزل بشارع فاس”، كما ورد في “طنجة انتر”، هذا الفتى المشاغب عرف بشقاوته وكثرة منازعاته مع المغاربة المسلمين ومع اليهود، خاصة وأن لياقته البدنية كانت تسمح له بممارسة طقوس “الفتونة” في السوق الداخلي وطنجة البالية بالخصوص.

يتحدث العربي لكناوي وهو من عدول المدينة السابقين الذين عايشوا تلك الحقبة الزمنية وواكبوها وهم أطفال، عن خيسوس المرعب فيقول: “بدأ إسكافيا وقيل إنه اعتقل بعد أن ضرب يهوديا بمطرقة في محله وحين أغمي عليه غرس في مؤخرته بضعة مسامير بسادسة غريبة عجلت باعتقاله وإغلاق محله، منذ ذلك الحين أصبح حارسا في مسرح سيرفانتيس”.

يقال إن خيسوس كان يمارس شذوذه على صاحب الحانة، أو كما يقول الإدريسي “سقط أحدهما في شرك الآخر”. اشتغل الإسباني “فيدورا” عند “الإنجليزي”، لكن وليام وخلافا لكل التوقعات قرر كتابة الحانة باسم رفيق آخر فغضب الإسباني وقيل إنه كان يتبول على قبر وليام كلما شرب حد الثمالة”.

شعر الفتى الإسباني بالخذلان والتنكر، وتمنى لو أن وليام تحول إلى حذاء قديم ليغرس فيه مساميره بوحشية، إلا أن إسبانيا آخر يدعى لويس ماروكيخانو، اقترح عليه الاشتغال في “ساحة الثيران” التي كانت تشهد إقبالا كبيرا من طرف الجالية الإسبانية على لعبة الثيران، حيث كانت مدرجاتها تسع لـ11 ألف متفرج، وقدمه لأحد القائمين على الملعب الذي رحب به ومكنه من عمل في الفضاء يتلاءم ومؤهلاته البدنية، حين عينه مكلفا بمأكل ومشرب الثيران، وكان يبدل جهدا كبيرا في إنزالها من الشاحنات، بل كان يقضي سحابة يومه في مرسى طنجة لانتظار وصول دفعات “الطوروس”.

ولأن خيسوس كان قويا ومرعبا فإن النجم المصارع تعهد بتعليم رفيقه وحارسه مبادئ هذا النوع الرياضي، مقابل حمايته والوقوف إلى جانبه بعد أن داع صيته طنجة وامتد صداه إلى إسبانيا حيث رافقه مرارا لخوض نزالات في الأندلس.

يقول العربي إن خيسوس كان يتمرن على رياضة مصارعة الثيران بشكل غريب، حيث شوهد وهو يتبادل النطحات مع ثور هائج في إحدى المستودعات الخلفية لـ”بلاصا طورو”، وهو ما حوله إلى أسطورة من أساطير هذا الملعب إلى جانب آخرين.

“كان هناك أيضا من بين مصارعي الثيران البارزين في طنجة مانولو بيرنال، والذي كان يسكن في شارع إشبيلية ويمتلك والده مخبزة في شاطئ البلايا، وبيبيتو ميدينا، كان أيضا واحدا من أبرز المصارعين.

وعندما بدأ الإسبان، والأجانب عموما، نزوحهم من مدينة طنجة، بعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، قلت عروض مصارعة الثيران في الساحة، وخلال مطلع سنة 1970 أقفلت ساحة الثيران بطنجة نهائيا، حينها غادر خيسوس المدينة من غير رجعة.

 

غويتيسولو.. روائي حمل لقب “خوان المراكشي”

لم يكن الروائي الإسباني خوان غويتسولو يظن أن هروبه من سلطات كتالونيا بسبب انتقاداته اللاذعة للنظام ستحوله إلى لاجئ أدبي في المغرب. فبعد توقف في باريس نصحه أحد زملائه بزيارة المغرب والبحث في سيرة الروائي جان جيني، والبحث في الحضارة العربية والإسلامية.

بعد أن عاش لفترة في مدينة العرائش، اختار خوان مدينة مراكش مستقرا له، حيث تابع دراساته وكتاباته عن الحضارة العربية والإسلامية، مفضلا الاستقرار في عمق المدينة الحمراء التي سيقضي بها حوالي خمسة وثلاثين سنة، في مسكنه بدرب سيدي بولفضايل بالقنارية.

قال الكاتب والسياسي عبد الحق عندليب، في حفل تأبينه إن الفقيد عشق مراكش وأحب أهلها وتعلق بحضارتها وثقافتها العريقة، “كأنه بهذا التعلق يريد العودة بثقافته الأم الإسبانية إلى مهدها وروافدها الضاربة في عمق الحضارة والتراث المغربي”. تجلى اهتمام غويتيسولو بالمغرب والحضارة العربية والإسلامية في كتب أبرزها “مشكلة الصحراء”، و”إسطنبول العثمانية”، ورواية “مقبرة”، وكتاب “من دار السكة إلى مكة”.

نال خوان غويتيسولو العديد من الجوائز الإسبانية والعالمية بينها جائزة “خوان رولفو” لآداب أميركا اللاتينية والكاريبي، والجائزة الوطنية للآداب الإسبانية، لكنه رفض جائزة مالية بقيمة مليون دولار من معمر القذافي بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في جماهيرية العقيد. وأطلق اسمه على مكتبة “معهد سيرفانتس” في طنجة تكريما له، وسط مطالب بوضع تذكار له في جامع لفنا فضاؤه المفضل.

في الرابع من يونيو 2017، رحل الكاتب العالمي خوان غويتسولو، إلى دار البقاء في صمت، وبناء على وصيته، تقرر دفنه في مدينة مراكش التي وصفها بـ”مسقط قلبه”، حيث قال في أيامه الأخيرة إنه سيموت سعيدا بانتزاع مكانة لجامع لفنا كفضاء للتراث الإنساني، بعد مرافعاته لدى منظمة اليونسكو.

ومن الأعمال التي لا يمكن أن ينساها المغاربة والعرب والمسلمين دفاعه المستميت على مغربية صحرائنا من خلال ما كتبه في هذا المجال، حيث تعد من المراجع المهمة التي يجب الاستدلال بها، وكذلك دفاعه عن المطالب العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني.

وحسب رواية الأديب محمد الضويوي، فإن الفقيد كان يفضل أن ينادى عليه باسم “خوان المراكشي”، ولحبه لمدينة مراكش وسكانها أعلن أمام ملك إسبانيا وهو يتسلم جائزة “سيرفانتيس” أنه يتشرف بإهداء هذه الجائزة إلى سكان مدينة مراكش الذين احتضنوه بحنوهم ومودتهم ورحبوا بشيخوخته المتعبة.

طالب رفاق الراحل أن توضع للراحل “غويتيسولو” مجموعة من الكتابات في ساحة جامع الفنا، وأن يسمى فضاء تراثي باسمه سواء في جامع الفنا أو في غيرها من فضاءات مراكش.

 

الدوق طوفار.. إسباني وهب قصره لمدينة طنجة

الموضوع الذي حاولت الصحافة في إسبانيا إثارته، يتعلق بعقار كان يمتلكه “دو طوفار”، لكن بموجب وصيته قبل وفاته، تحولت ملكيته إلى المجلس الجماعي لطنجة. هذا العقار كلف الإسبان مبلغا كبيرا لترميمه، وهو عبارة عن قصر أصبح مهملا.

يقع القصر في منطقة الباسك وتكلفت بلدية منطقة فيكتوريا بترميمه، حيث تجاوزت تكلفة بعض الإصلاحات لواجهته حتى لا تسقط على رؤوس المارة أكثر من 100 ألف أورو.

والمثير، أن القصر كان قد عرض للكراء قبل سنوات، وعبر أثرياء ومستثمرون إسبان عن استعدادهم لتقديم عرض لمسؤولي طنجة لاكترائه، لكنهم لم يتوصلوا بأي رد بهذا الخصوص من المجالس السابقة.

لنعد الآن إلى هذا الرجل. اسمه الكامل “الدوق طوفار إيكناسيو دو فيكيروا إي ميلغار”، وهو سليل أسرة إسبانية ثرية، زهد في حياة الجاه في بلاده إسبانيا، وتعلق قلبه بمدينة طنجة والتي اختارها إقامة شبه دائمة له، أيام كانت منطقة دولية خلال الأربعينيات وبداية خمسينيات القرن الماضي.

وعندما أحس “طوفار” بدنو أجله، أوصى بتحويل ثروته الضخمة وجميع ممتلكاته إلى مؤسسة مكافحة السرطان الأمريكية، بحكم أنه لم ينجب أبناء، وفي حال امتنعت هذه المؤسسة عن الحصول عليها فإنه يحول كل شيء إلى ملكية مدينة طنجة، هدية منه إلى سكانها الذين ربطته ببعضهم علاقات إنسانية وطيدة جدا.

وفعلا توفي الدوق طوفار سنة 1953، وقامت مؤسسة مكافحة السرطان الأمريكية بالتنازل عن حقها في الوصية، لكن ما لم ينتبه إليه معارف الدوق، أن الأمريكيين عندما تنازلوا عن حقهم في تنفيذ الوصية، حولوا ملكية قصر “طوفار” في طنجة وقصره في إسبانيا وبقية ممتلكاته الأخرى، إلى الحكومة الإسبانية.

وفي سنة 1956، مع استقلال المملكة المغربية وضع ملف ممتلكات هذا الأرستقراطي الإسباني على الرف، إلى أن حلت سنة 1960، حيث تقرر أن تتنازل الحكومة الإسبانية عن هيمنتها على ممتلكات مواطن يحمل جنسيتها، بل وينتمي إلى إحدى أعرق الأسر الإسبانية، وتم تنفيذ وصيته بأن منحت كل ممتلكاته للمسؤولين في ذلك التاريخ عن تسيير مدينة طنجة.

التوقيت الذي أثارت فيه الصحف الإسبانية موضوع بناية الدوق “طوفار”، والتي تحتوي على مجموعة من الشقق والغرف، ليس بريئا بالتأكيد. ففي عز الخلاف الدبلوماسي بين البلدين تمت إثارة موضوع عقار منسي، شأنه شأن آلاف العقارات المنسية في مدن مغربية كثيرة، كان ملاكها الأجانب يعيشون في المغرب. فما بالك ببناية توجد فوق التراب الإسباني تركها صاحبها هدية إلى المغاربة.

 

أشهر أحياء المهاجرين الإسبان في المغرب

نزح الكثير من الأندلسيين والموريسكيين نحو الثغور المغربية، وبالضبط إلى ثغور منطقة الريف، التي شهدت سلسلة من الهجرات الإسبانية، ابتداء من القرن الثامن الميلادي، قبل وبعد سقوط غرناطة.

حسب الباحث أحمد الحمصي، فقد تعدد الهجرات الغسبانية إلى المغرب، وكان دافعها الأول المجاعة التي ضربت جنوب إسبانيا، سنة 745 ميلادية، حيث شدت الكثير من العائلات الأندلسية الرحال إلى الريف، المنطقة التي كانت تعرف حينها رواجا اقتصاديا.

تمت الهجرة الثانية في عهد الأدارسة، مع متم بناء مدينة فاس. وذلك حينما ثار الحدادون والفقهاء على الخليفة الحكم بن هشام بقرطبة، وتسمى هذه الثورة بثورة الربض. بيد أن الحكم استطاع القضاء على هذه الثورة، فسعى إلى طرد من بقي من الفقهاء خارج الأندلس، فسافر هؤلاء إلى المغرب، حيث نزلوا في مدينة فاس، وأسسوا: “عدوة الأندلس”.

المرحلة الثالثة، تبتدىء من سنة 1483، وذلك قبل سقوط مدينة غرناطة، حيث هاجر الكثير من الأندلسيين إلى الريف، وجبالة، وغمارة، حيث استقر غالبيتهم بمدينة شفشاون، إذ احتضنهم الأمير مولاي علي بن راشد، وأحدثوا فيها حومتي الخرازين، وريف الصبانين.

وتبتدىء الهجرة الرابعة زمنيا، بسقوط آخر ملوك بنو الأحمر بغرناطة سنة 1493. وتتحدد بهجرة أبي عبد الله الصغير إلى مليلة وغساسة بمنطقة الريف.

أما المرحلة الخامسة، فترجع إلى قرار الملكة إيزابيل، القاضي بطرد مسلمي الأندلس سنة 1600، حيث هاجرت كثير من الأسرالأندلسية إلى شمال المغرب، فأنشأت حومة الطرانكات بتطوان، وحومة السوق بشفشاون. بينما الهجرة السابعة وليست الأخيرة، كانت ما بين سنتي 1609 و1610، وذلك حينما أصدر الملك فيليبي الثالث مراسيم لطرد بقية مسلمي إسبانيا.

نتج عن هذه الهجرات صوب المغرب، انتقال أسر عريقة إلى المغرب، على غرار عائلة أحيجتان أو حجي. ولم تقتصر هذه الهجرة الأندلسية والموريسكية على المغرب فحسب، بل امتدت إلى الجزائر وتونس وليبيا ومصر..

وحسب الباحث حسن الفكيكي، فإن الأندلسيين: “كانوا يتركون ديارهم إلى بلاد المغرب في جماعات، تستقر كل واحدة منها بمدينة من المدن المغربية، فسكان مالكا اختاروا مدينة باديس، وأهل مرية مدينة تلمسان بالجزائر، وأهل الجزيرة الخضراء مدينة طنجة، وأهل طريفا مدينة سلا، ومدينة آسفي وأزمور… واستأذن المنظري في تعمير مدينة مرتيل، وبناء مدينة تطوان”.

هناك مجموعة من الأسر الأندلسية التي استقرت بالريف الأوسط، وخاصة في مدينة الحسيمة ومنطقة بني ورياغل، ومايحيطهما من مناطق وقبائل. وأغلب الأسر الأندلسية التي نزلت بهذه المناطق هي من مدينة مالكا الإسبانية. والسبب في ذلك أن مالقة كانت قريبة من شواطىء الريف الأوسط. ومن أهم هذه الأسر الأندلسية النازحة، نذكر منها: أسرة المالقي نسبة لمالكا، وابن الأحمر التي استقرت في مليلية، والطريس بتطوان..

وفي هذا السياق، يضيف حسن الفكيكي: “يمكن لنا الوقوف على أهمية تلك الهجرة، إذ إن السلطات الإسبانية وضعت رهن إشارة ابن الأحمر عشر سفن، لنقل ابن الأحمر، وقواده، ومن كان معه من القضاة والفقهاء والأطباء والعلماء والحكماء”.

وفي مدينة الناظور، كثير من العائلات التي تحمل اسم “أزواغ”، وتعني هذه الكلمة الأمازيغية “الأحمر”. ويعني هذا أن ثمة العديد من سكان بني الأحمر قد استقروا بمدينة مليلية والناظور، واندمجوا في المجتمع الأمازيغي.

كان حي “باريو” مالاكة في الجهة الغربية لمدينة تطوان، في فترة الحماية الإسبانية، ملاذا للمهاجرين الإسبان، كما استطونه النازحون من الريف ومن مناطق جبالة عموما، وإسبان عائدون من شبه الجزيرة الإيبيرية. وقبله كانت حومة البلاد وحومة العيون، التي كانت تسمى ربض الأندلس، وحي الطرنكات، مقصدا للموريسكيين.

ويوجد أكثر من تجمع سكني يسمى ّ”درب سبليون” سواء في درب السلطان بالقرب من سينما الملكي، وهناك “درب سبليون” في مراكش بحي كليز غير بعيد عن سينما بالاص، واستوطنه الإسبانيون.

وفي الرباط، كانت قصبة لوداية ملاذ الموريسكيين، وكانت تعرف بقصبة الأندلس، في الوقت الذي شهدت سلا أكثر من حومة للموريسكيين.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى