حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

وعود حكومة المنصوري وانتظارات المغاربة

تعهدت بتعبئة 390 مليار درهم لتنزيل البرنامج الحكومي

بين وعود الحكومة الجديدة بتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، وتعهداتها بتعبئة 390 مليار درهم لتنزيل برنامجها، برزت خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلسي البرلمان ملامح توافق داخل الأغلبية، بشأن أولوية تحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإحداث فرص الشغل، مقابل انتقادات حادة من المعارضة التي شككت في وضوح الرؤية السياسية والإصلاحية للحكومة، وسجلت غياب إجراءات عملية وآجال زمنية دقيقة لتنفيذ الالتزامات. وبينما أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أن برنامجها يستند إلى أرقام وتمويلات فعلية، كما تصدرت قضايا محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتخليق الحياة العامة، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، واجهة النقاش البرلماني. وإذا كانت الأغلبية قد أعلنت دعمها للبرنامج والتزامها بإنجاحه، فإن المعارضة اعتبرت أن عددا من التعهدات الانتخابية لم يجد طريقه إلى البرنامج، محذرة من استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات المواطنين، وهكذا تحول النقاش إلى اختبار مبكر لمدى قدرة الحكومة على تحويل الأرقام والوعود إلى سياسات عمومية ملموسة، تجعل الإنجاز والمحاسبة معيارين أساسيين لقياس نجاحها. 

مقالات ذات صلة

 

إعداد: محمد اليوبي ــ النعمان اليعلاوي

 

أكدت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن الحكومة ستعتمد إجراءات «فعلية وفعالة وواقعية»، مدعومة بأرقام وتمويل حقيقي لتنفيذ برنامجها، وأوضحت المنصوري، في معرض ردها على مداخلات الفرق والمجموعات البرلمانية، خلال جلسة عمومية بمجلس المستشارين خصصت لمناقشة البرنامج الحكومي، أن الالتزامات الحكومية «لا تقتصر على إعلان النوايا»، بل تستند إلى إجراءات انبثقت من الإنصات للمواطنين والتواصل معهم على المستوى الترابي، سيما بشأن مستقبل الشباب وأوضاع المسنين والنساء والقدرة الشرائية.

 

حماية القدرة الشرائية للمواطنين

في جوابها عن الملاحظات المتعلقة بمستوى الطموح الذي تحمله هذه الالتزامات، أبرزت أن المغرب يتوفر على موارد بشرية وطبيعية، ومؤسسات قوية، واستقرار وبنيات تحتية، تؤهله لتحقيق طموحات كبيرة، معربة عن ثقتها في قدرة الحكومة على بلوغ الأهداف التي حددتها، وشددت المنصوري على الطابع السياسي للحكومة، باعتبارها ثمرة رؤية مشتركة بين أربعة أحزاب وطنية تجمعها قيم ومرجعيات ديمقراطية متقاربة، وتؤمن بالحوار والقرب من المواطنين والإنصات إلى انتظاراتهم.
وفي هذا السياق، أكدت أن تخليق الشأن العام والممارسة السياسية يشكل السبيل لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، سيما المنتخبة منها، معتبرة أن النزاهة «ليست مجرد شعار، بل ضرورة للمجتمع»، وأن أحزاب الأغلبية اتفقت على التصدي لتضارب المصالح في أقرب وقت.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، أبرزت المنصوري أن القدرة الشرائية تتأثر بالتحولات الجيوسياسية، لكنها ترتبط كذلك بالتدبير الوطني الذي يمكن تحسينه، مشددة على رفض الحكومة اغتناء فئات على حساب أخرى، وأكدت، في المقابل، دعم الحكومة للاستثمار وتشجيع المقاولات وتبسيط المساطر واستبدال التراخيص بدفاتر التحملات، بالنظر إلى دور المقاولات في إحداث فرص الشغل وتحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار.
وبخصوص التشغيل، جددت رئيسة الحكومة التأكيد على الطموح إلى إحداث مليون منصب شغل وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، ورفع النسبة المتعلقة بتشغيل النساء إلى 21,2 في المائة في أفق سنة 2031.
وبخصوص الحوار الاجتماعي، شددت المنصوري على استمرار الحوار والإنصات إلى النقابات والشركاء الاجتماعيين، والوفاء بالالتزامات المتخذة، مشيرة إلى برمجة 50 مليار درهم لهذا الغرض سنة 2027. كما أكدت، في السياق ذاته، مواصلة ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره ورشا ملكيا هيكليا يتجاوز الزمن السياسي، ويندرج ضمن المشاريع المرتبطة بالاستراتيجية الوطنية للبلاد.
من جهة أخرى، أكدت رئيسة الحكومة أن تدبير التنمية بالعالم القروي سيقوم على الالتقائية وإشراك مختلف المتدخلين على المستوى الترابي، من ولاة وعمال ورؤساء جماعات وجهات، موضحة أن الإنصات للحاجيات ينبغي أن ينطلق من الميدان، وأن تتولى الحكومة وضع التصور السياسي، على أن يجري التنفيذ على المستوى الترابي.
وبشأن المغاربة المقيمين بالخارج، أكدت المنصوري أنهم شركاء في تنمية الوطن، معلنة عزم الحكومة تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج في أقرب وقت، من خلال تقديم النصوص اللازمة، لتصبح محاورا لهذه الفئة. كما أبرزت أهمية الرقمنة في تقريب الخدمات من مغاربة الخارج، بما يشمل الخدمات القنصلية وباقي المؤسسات ذات الصلة بهم.

 

وعود والتزامات بالأرقام

في معرض تقديمها للمعطيات المالية المرتبطة بالالتزامات الحكومية، أوضحت رئيسة الحكومة أن مجموع النفقات سيبلغ 390 مليار درهم، تساهم فيها الميزانية العامة للدولة بـ314 مليار درهم، فيما تأتي 76 مليار درهم من مصادر خارج الميزانية العامة.
وأوردت، ضمن هذه النفقات، 108 مليارات درهم للحماية الاجتماعية، و93 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية، و57 مليار درهم لبرنامج التنمية المجالية المندمجة، و30 مليار درهم لإدماج الشباب، و26 مليار درهم لتطوير البنيات التحتية.
كما أكدت استهداف نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة، وعجز في حدود 3 في المائة، وتضخم بنسبة 2 في المائة، مع العمل على ألا تتجاوز المديونية 62 في المائة في أفق سنة 2031، مشيرة إلى تعبئة موارد جبائية إضافية تقارب 240 مليار درهم، بالاستناد إلى النمو الاقتصادي والزيادة المرتقبة في المداخيل الضريبية والجمركية.

الأغلبية تدافع عن البرنامج الحكومي

أكدت فرق الأغلبية بمجلس النواب، يوم الخميس الماضي، على الحضور القوي للبعد الاجتماعي في البرنامج الحكومي، مشددة على ضرورة ضمان نجاعة تنفيذه، من خلال ترجمة الالتزامات إلى إجراءات عملية ذات أثر ملموس على حياة المواطنين.
وأشادت هذه الفرق، في جلسة عمومية خصصت لمناقشة البرنامج الحكومي، بما تضمنه هذا البرنامج من تدابير لتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتجويد الخدمات العمومية، سيما في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، إلى جانب تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ودعم إدماج الشباب، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح.
وفي هذا الإطار، أكد فريق الأصالة والمعاصرة أن «العرض السياسي الذي تقدمه الحكومة الجديدة، والذي يجد مرتكزاته في البرنامج الحكومي، يقوم على الديمقراطية الاجتماعية التي تجمع بين إنتاج الثروة والتوزيع المنصف لثمارها»، مسجلا أن هذه الرؤية «ينبغي أن تجد ترجمتها في نموذج الدولة الاجتماعية المتضامنة».
وأبرز الفريق النيابي أن «العدالة الاجتماعية والحكامة الجيدة وجهان لمشروع مجتمعي واحد»، موضحا أنه «لا يمكن بناء دولة اجتماعية متضامنة دون حماية المال العام، ولا يمكن ترسيخ الثقة في المؤسسات دون ربط المسؤولية بالمحاسبة».
ودعا في هذا السياق إلى فتح ورش تشريعي ومؤسساتي يقوم على ثلاثة إصلاحات أساسية، تتمثل في استكمال الإطار التشريعي لمكافحة الإثراء غير المشروع، واعتماد قانون خاص للوقاية من تضارب المصالح وتدبيره وزجر مخالفاته، فضلا عن مراجعة وتحديث المنظومة القانونية القائمة للتصريح الإجباري بالممتلكات.
واعتبر الفريق أن «المرحلة السياسية الحالية تضعنا أمام مسؤولية تتجاوز حدود التنافس الحزبي والحسابات الظرفية»، داعيا إلى ترسيخ «ديمقراطية يكون فيها لصوت المواطن أثر، وللبرنامج السياسي معنى»، باعتبار ذلك الأفق السياسي الذي ينبغي أن يؤطر مشروع الدولة الاجتماعية المتضامنة، خلال الولاية الحكومية الحالية.

 

محاربة الفساد والريع
ثمن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية ما تضمنه البرنامج الحكومي من تدابير وإجراءات شملت «الحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك وصمود الأسر، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى، ودعم وتقوية أدوار المرفق العمومي في إطار دولة الرعاية وتعزيز السيادة الاستراتيجية».
واعتبر الفريق أن هذه المرتكزات، المستمدة من البرامج الانتخابية التي تقدمت بها الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي، تنطلق من «النجاعة العمومية كمنظور شامل وفلسفة للتدبير الحكومي، غايتها تحقيق الأثر المباشر والملموس على حياة المواطنات والمواطنين، وفق هندسة حكومية قائمة على الفعالية والتكامل والالتقائية والانسجام».
وأعرب الفريق عن اعتزازه بمضامين هذا البرنامج الحكومي الذي وصفه بالطموح والواقعي، معلنا انخراطه المسؤول في إنجاح التجربة الحكومية ودعمها، من أجل التنزيل السليم للإصلاحات والمضامين والتعهدات الواردة في البرنامج، وتعزيز المكتسبات المهمة التي حققتها المملكة تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.
من جانبه، أكد الفريق الاشتراكي أن الالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي «تؤسس للثقة بالحكومة وبمجلس النواب، وتعد تعاقدا سياسيا مع المواطنات والمواطنين»، مضيفا أن «التعاقد يكتمل بالإنجاز، وبالوضوح حين يتأخر الإنجاز، وبالمراجعة حين لا تحقق الإجراءات أثرها».
وسجل الفريق أن تدابير البرنامج الحكومي تجد ترجمتها في مشروع قانون المالية، معتبرا أن الميزانية هي الاختبار العملي للأولويات، وفيها تحدد الإجراءات التي سيشرع في تنفيذها، والموارد المرصودة لها والفئات والجهات المستفيدة منها.

 

تصحيح الاختلالات

أشاد الفريق الدستوري الاجتماعي الديمقراطي بالأولويات السبع التي يرتكز عليها البرنامج الحكومي، معربا عن مساندته المسؤولة للحكومة من أجل الوفاء بها. وسجل الفريق أن البرنامج «يتسم بالواقعية في لغته وأرقامه، ويأخذ بعين الاعتبار التراكمات والإنجازات والاستراتيجيات والبرامج الجاري تنفيذها والتي تتجاوز في مداها الولاية الحكومية الحالية».
وثمن الفريق الدستوري الاجتماعي الديمقراطي إرادة الحكومة في «تصحيح الاختلالات من بطء في الإنجاز وعدم الالتزام بالحدود الزمنية لبعض الإصلاحات»، مشيرا، في هذا الإطار، إلى ورش الجهوية المتقدمة وميثاق اللاتمركز الإداري باعتبارهما رافعتين أساسيتين لتحقيق العدالة الترابية.
أما فريق التقدم والاشتراكية فسجل بدوره تفاعله الإيجابي مع مضامين البرنامج الحكومي، مبرزا أنه يتقاطع مع القضايا الأساسية التي يطرحها، وأهمها أولوية المسألة الاجتماعية، وما يقتضيه الوضع من إصلاحات من شأنها تقليص الفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وأكد الفريق أن البرنامج ينطلق من «ترصيد المكتسبات وإحداث القطائع مع أعطاب السياسات العمومية، كما يستحضر التحديات والسياقات الصعبة بمنطق العزم على تحويلها إلى فرص، وليس بمنطق التبرير»، مضيفا أنه «يجسد الإرادة المشتركة للأغلبية في إعطاء نفس جديد للإصلاح».

 

انتقادات المعارضة

اعتبرت فرق المعارضة بمجلس النواب أن البرنامج الحكومي يفتقر إلى رؤية إصلاحية واضحة، مسجلة غياب مؤشرات دقيقة وآجال زمنية مضبوطة لتنزيل الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية. وأكدت الفرق ذاتها أن هذا البرنامج يفتقد إلى الإجراءات العملية، منتقدة التناقض الحاصل بين الوعود الانتخابية والهندسة الحكومية التي عرفت تغييب قطاعات استراتيجية.
وتقاطعت رؤى الفرق والمجموعة النيابية عند انتقاد تجاهل البرنامج الحكومي لورش تخليق الحياة العامة، سيما «التراجع الواضح» عن الالتزامات المتعلقة «بمحاربة الفساد والريع»، وإقصاء موضوع «الإثراء غير المشروع» ومواجهة «تضارب المصالح».
وفي هذا الصدد، سجل فريق التجمع الوطني للأحرار افتقار الحكومة لـ«هوية سياسية واضحة»، معتبرا أن البرنامج أنجز على عجل. وانتقد الفريق منطق «المحاصصة والترضيات» في تشكيل الحكومة على حساب الكفاءة، معربا عن أسفه لتراجع التمثيلية النسائية وعدم احترام مبدأ المناصفة، ومسجلا، في السياق ذاته، غيابا مقلقا لقطاعات وقضايا حيوية في البرنامج الحكومي، شملت الجالية المغربية، والأشخاص في وضعية إعاقة والاقتصاد غير المهيكل.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لفت فريق التجمع الوطني للأحرار الانتباه إلى المفارقة بين «الأريحية الماكرو-اقتصادية التي ورثتها الحكومة» و«التراجع عن التزاماتها الانتخابية الجوهرية»، موضحا أن استلام مقاليد التدبير في ظل تراجع التضخم إلى أقل من 1 في المائة، وتسجيل معدل نمو يقارب 5 في المائة، وانخفاض عجز الميزانية إلى 3 في المائة، كان يقتضي تقديم برنامج أكثر طموحا.
إلى جانب ذلك انتقد الفريق افتقار البرنامج لسياسات استباقية في مجال تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية، وتغييب التوجهات الخاصة بتنمية المناطق الجبلية والحدودية، فضلا عن إغفال التدابير المتعلقة بتطوير اقتصاد الرعاية الاجتماعية.

غياب تصور سياسي واضح

اعتبر فريق العدالة والتنمية أن البرنامج الحكومي يخلو من تصور سياسي واضح أو رؤية إصلاحية متكاملة للتعاطي مع الأوراش الاستراتيجية الكبرى، معتبرا أن «التناول السطحي» لورش اللاتمركز الإداري لا ينسجم مع العناية الخاصة التي يوليها الملك محمد السادس لهذا الملف الحيوي المرتبط بالتنمية الترابية.
وحذر الفريق من أن «الصمت الحكومي حيال تخليق الحياة العامة يعكس افتقارا حقيقيا لإرادة القطع مع الريع، مما يضعف مصداقية المؤسسات ويزعزع ثقة المواطنين فيها». وعلى مستوى الهندسة الحكومية، رصد الفريق تراجعا عن الوعود الانتخابية وإغفالا لقطاعات ذات أولوية من قبيل حقوق الإنسان، وتنمية العالم القروي وشؤون مغاربة العالم، ما أفرز «تركيبة هجينة تفتقد للانسجام».
ولفت فريق «البيجيدي» الانتباه إلى قصور البرنامج في تقديم رؤية استراتيجية مندمجة لمعالجة قضايا الشباب الذين يمثلون ثلثي المجتمع، وغياب خطة واضحة للنهوض بالرياضة الوطنية باعتبارها رافعة للتنمية الشاملة.

إعلان نوايا

وصف الفريق الحركي البرنامج الحكومي بكونه مجرد «إعلان نوايا» تنعدم فيه الإجراءات العملية والأرقام المضبوطة. وعلى المستوى الاقتصادي، نبه الفريق إلى غياب تدابير ملموسة لحماية القدرة الشرائية في ظل غلاء الأسعار، داعيا إلى التحلي بالشجاعة لتسقيف أسعار المحروقات.
وشدد الفريق على ضرورة تعميم الدعم الاجتماعي على الفئات الهشة دون شروط معقدة، وفك العزلة عن العالم القروي وتوفير الخدمات الأساسية من ماء وتطبيب، متأسفا، في الوقت ذاته، لتأخر التنزيل الفعلي لورش الأمازيغية الذي ما يزال، حسب الفريق، حبيس الشعارات رغم الميزانيات المرصودة له.
أما المجموعة النيابية لتحالف اليسار فأبرزت أن البرنامج الحكومي افتقر لمؤشرات قياس الأداء والأجندة الزمنية المحددة لتنفيذ الالتزامات، معتبرة أن ربط التنفيذ بشرط «الواقعية التنفيذية والاستدامة المالية» يشكل تنصلا مسبقا من المسؤولية وتراجعا عن الوعود الانتخابية للأغلبية.
وفي الشق الاجتماعي والاقتصادي، انتقدت المجموعة غياب إجراءات حاسمة لخلق مناصب الشغل والحد من البطالة والتراجع عن مجانية الخدمات الأساسية، مؤكدة أن إصلاح الصحة والتعليم والجامعة يقتضي ضمان مجانيتها والرفع من المنح.
ودعت المجموعة النيابية، كذلك، إلى إقرار عدالة جبائية بفرض ضريبة تصاعدية على الثروة والريع والأرباح الاحتكارية لتمويل الحماية الاجتماعية، مع ضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وإصلاح نظام التقاعد بما يصون كرامة المتقاعدين دون رفع السن أو خفض المعاشات، فضلا عن التنزيل الفعلي للمناصفة وللحقوق الدستورية للأمازيغية ولمغاربة العالم.

البعد الاجتماعي في برنامج حكومة المنصوري..  وعود بتحسين القدرة الشرائية وأسئلة حول آليات التنفيذ

لم يقتصر البعد الاجتماعي في البرنامج الحكومي الذي عرضته فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر الجاري على مواصلة أوراش الحماية الاجتماعية، بل امتد إلى مجموعة من الالتزامات المرتبطة بتحسين القدرة الشرائية، وإصلاح أنظمة التقاعد، ومراجعة الضريبة على الدخل، وضبط أسعار المواد الأساسية، وتجويد الخدمات العمومية. وهي إجراءات تضع الحكومة أمام اختبار اجتماعي حقيقي، عنوانه مدى قدرتها على نقل الوعود المعلنة من مستوى التصريح السياسي إلى تدابير يشعر المواطنون بأثرها في حياتهم اليومية.

وتكتسي هذه الالتزامات أهمية خاصة في ظل استمرار انشغال الأسر المغربية بتكاليف المعيشة، وتزايد الانتظارات المرتبطة بالدخل والخدمات الصحية والتعليمية، فضلا عن مطالب الفئات الهشة بتحسين أوضاعها الاجتماعية. وبينما يقدم البرنامج الحكومي هذه الملفات باعتبارها جزءا من مسار ترسيخ الدولة الاجتماعية، فإن تقييمه سيظل مرتبطا بوضوح الإجراءات، وتحديد آجال تنفيذها، وتوفير الموارد المالية اللازمة لها.

 

الدعم الاجتماعي والقدرة الشرائية

يبرز رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر ضمن أبرز التعهدات الاجتماعية للحكومة الجديدة، التي أعلنت عن التوجه نحو الرفع التدريجي للمبالغ الممنوحة للأسر المستفيدة، من مستويات تبدأ من 500 درهم لتصل إلى ألف درهم شهريا عند نهاية الولاية الحكومية. ويترافق ذلك مع التوجه نحو مراجعة آليات الاستهداف، بما يسمح بتحسين تحديد الأسر المستحقة بناء على وضعيتها الاجتماعية ودخلها الفعلي.

ويطرح هذا الالتزام سؤالا أساسيا يتعلق بالجدول الزمني للزيادة، وكيفية توزيعها على سنوات الولاية، والفئات التي ستشملها، فضلا عن المعايير التي ستعتمدها الحكومة لتقييم أثرها. فرفع الدعم إلى ألف درهم بحلول نهاية الولاية لا يعني بالضرورة أن الأسر ستلمس تحسنا مماثلا في قدرتها الشرائية، خصوصا إذا استمرت أسعار المواد الأساسية والخدمات في الارتفاع.

كما أعلنت الحكومة عن إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية للأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورة مسكنها الرئيسي 100 درهم، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي، أو التنقل إلى الإدارات. ويستهدف هذا الإجراء تخفيف جزء من الأعباء عن الأسر المعنية، لكنه يقتضي توضيح شروط الاستفادة، وكيفية تحديد المستحقين، والآليات التي ستضمن وصول التعويض إلى الفئات المستهدفة فعليا.

وفي ملف الأسعار، يتضمن البرنامج توجها نحو ضبط مسالك التوزيع ومحاربة المضاربة والاحتكار، مع العمل على تأمين عرض المنتجات الأساسية. غير أن أثر هذه التدابير لن يقاس بمجرد الإعلان عنها، بل بمدى انعكاسها على الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك، وبقدرة السلطات على مراقبة حلقات الإنتاج والتوزيع والحد من الاختلالات التي قد ترفع كلفة السلع دون مبرر واضح.

 

إصلاح التقاعد والضريبة على الدخل

يمتد البرنامج الاجتماعي إلى ملف التقاعد، من خلال الالتزام بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا، إلى جانب تمكين الأرملة من الاستفادة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، عوض النسبة المعمول بها حاليا. كما تعهدت الحكومة بإطلاق إصلاح شامل لأنظمة التقاعد بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.

وتكتسي هذه الإجراءات أهمية بالنسبة إلى المتقاعدين والأرامل الذين يواجهون صعوبات في مواجهة تكاليف المعيشة، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشا حول شروط تنزيل الإصلاح وضمان استدامة أنظمة التقاعد. فرفع المعاشات لا ينفصل عن الوضعية المالية للصناديق، كما أن نجاح الإصلاح يتطلب توضيح آثاره على حقوق المنخرطين والمساهمات وشروط الاستفادة، تفاديا لتحويله إلى مجرد التزام اجتماعي يصعب الوفاء به.

وفي الاتجاه نفسه، يتضمن البرنامج إصلاحا تدريجيا للضريبة على الدخل بهدف تحسين الدخل الصافي للأجراء، سيما ذوي الأجور المنخفضة، وتشجيع التشغيل المصرح به. غير أن الأثر الفعلي لهذا الإجراء سيظل رهينا بالتفاصيل التي ستعتمدها الحكومة، وحجم التحسن الذي ستستفيد منه مختلف شرائح الأجراء، ومدى قدرة الزيادة في الدخل الصافي على مواكبة تطور الأسعار.

 

الصحة والتعليم والسكن.. رهانات الخدمات العمومية

لا ينحصر البعد الاجتماعي في التحويلات المالية والدعم المباشر، بل يشمل أيضا تحسين جودة الخدمات العمومية. ففي قطاع الصحة، تعهدت الحكومة بمعالجة الخصاص على المستوى الترابي، وإصلاح أقسام المستعجلات، وإرساء منظومة معلوماتية صحية موحدة. أما في التعليم، فقد حددت هدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول 2031، مع العمل على تحقيق «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030.

وتضع هذه الأهداف الحكومة أمام تحدي تقليص الفوارق بين المناطق، سواء تعلق الأمر بالولوج إلى العلاج، أو بجودة التعليم. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الاجتماعية بالأرقام المعلنة وحدها، بل بمدى توفر الطبيب والتجهيزات والأدوية، وتحسن ظروف التعلم، وتراجع الهدر المدرسي، خصوصا في المناطق القروية والأحياء التي تعاني نقصا في الخدمات.

وفي مجال السكن، يتضمن البرنامج إطلاق برنامج للسكن القروي يستهدف بناء أو تأهيل 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، مع تخصيص دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسر المؤهلة، إلى جانب مواصلة الجهود الرامية إلى القضاء على السكن غير اللائق وتطوير عروض جديدة للكراء. وهي تعهدات قد تساهم في تحسين ظروف العيش، شريطة تحديد معايير الاستفادة، وضمان وصول الدعم إلى الأسر التي تحتاج إليه فعليا.

كما يحتل إدماج الشباب موقعا ضمن الالتزامات الاجتماعية، من خلال برنامج وطني يرتقب إطلاقه ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين العدد نفسه من أول تجربة مهنية، فضلا عن رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج. ويستهدف هذا التوجه فئة واسعة من الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل، لكنه سيحتاج إلى تنسيق بين مؤسسات التكوين والمقاولات، حتى لا تتحول فرص التدريب إلى تجارب مؤقتة لا تقود إلى عمل مستقر.

 

الاختبار الحقيقي في التنفيذ والتمويل

رغم تعدد الالتزامات الاجتماعية الواردة في البرنامج، فإن الإشكال الأساسي يتمثل في مدى وضوح آليات تنفيذها، والآجال المحددة لكل إجراء، والموارد المالية التي ستخصص له. فالإعلان عن رفع الدعم أو إصلاح التقاعد أو تحسين الخدمات الصحية والتعليمية يحدد وجهة السياسة الحكومية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

كما أن عددا من الإجراءات، مثل إعادة تنظيم مسالك توزيع المنتجات ومحاربة الاحتكار وإحداث منصات جهوية، يحتاج إلى وقت وإصلاحات مؤسساتية قبل أن تظهر نتائجها على الأسعار. وفي المقابل، تنتظر الأسر إجراءات قريبة الأثر، خصوصا في ظل الضغوط التي تتحملها ميزانياتها اليومية.

وكانت رئيسة الحكومة قد أكدت، خلال عرض البرنامج، أن مسؤولية الحكومة ستقاس بالنتائج المحققة في الحياة اليومية للمواطنين، وشددت على ضرورة تحويل التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ.

وبناء على ذلك، فإن الرهان الاجتماعي لحكومة المنصوري لن يتوقف عند حجم الوعود التي تضمنها البرنامج، بل سيمتد إلى قدرتها على تحديد الأولويات، وتوفير التمويل، ونشر مؤشرات واضحة لتتبع الإنجاز. فبين الطموح المعلن وانتظارات المواطنين مسافة لا يمكن تقليصها إلا بإجراءات ملموسة، تتيح للأسر أن تلمس تحسنا في دخلها، وفي جودة الخدمات التي تتلقاها، وفي قدرتها على مواجهة تكاليف المعيشة.

المنصوري: البرنامج الحكومي تعاقد سياسي ومؤسساتي يستند للثقة الملكية

أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أن البرنامج الحكومي «تعاقد سياسي ومؤسساتي يستند إلى الثقة الملكية السامية، وإلى الإرادة التي عبر عنها المواطنات والمواطنون في انتخابات 23 شتنبر 2026»، مضيفة أن «مسؤوليته تقاس بالنتائج المحققة في حياتهم اليومية».
وأوضحت المنصوري، خلال تقديمها للبرنامج الحكومي أمام البرلمان، في جلسة مشتركة، الاثنين الماضي، أن الحكومة تدرك حجم المسؤولية ودقة المواعد المقبلة، مشددة على الالتزام بـ«الإنصات، وقول الحقيقة بشأن الإمكانات والإكراهات، وترجمة التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ».
وقالت في هذا الصدد إن نجاح الحكومة في ذلك يرتبط «بتعاوننا مع البرلمان، واحترام أدواره التشريعية والرقابية والتقييمية، وحسن تدبير الزمن السياسي والتشريعي، أغلبية ومعارضة، كل من موقعه».
ولفتت رئيسة الحكومة إلى أن هذه الولاية «تمثل محطة فاصلة في المسار الإصلاحي الذي يقوده الملك منذ 27 سنة؛ يجمع بين استقرار الدولة وتحديث المؤسسات وتوسيع الحقوق وانتظام الانتخابات وتداول المسؤولية»، مذكرة بأن دستور 2011 كرس الاختيار الديمقراطي، وربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج الانتخابات، وأقر استقلال القضاء، وعزز مكانة البرلمان، وأقر المناصفة وكرس الحكامة والمشاركة المواطنة وربط المسؤولية بالمحاسبة والتوازن والتعاون بين السلط.
من جهة أخرى، سجلت أن الجهوية المتقدمة فتحت أفقا واسعا لتنمية تنطلق من الجهات، مشيرة إلى أن هذا التراكم جعل من المغرب نموذجا يجمع بين الاستقرار والإصلاح، تعتبر فيه الملكية الدستورية ضامنة لاستمرارية الدولة ووحدتها، ويشكل الاختيار الشعبي أساس تشكيل الأغلبية وتحمل المسؤولية.
وامتدادا لهذا المسار، تضيف المنصوري، تندرج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر الماضي، والتي أكدت نضج الممارسة الديمقراطية المغربية، والاحتكام لصناديق الاقتراع، مشيرة إلى أن المغاربة عبروا بهذه المناسبة عن تطلعهم إلى حماية قدرتهم الشرائية، وفتح آفاق للشباب، وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، وتقليص الفوارق المجالية، وتأمين حاجيات البلاد من الماء والطاقة والغذاء.
وشددت على أن الأغلبية ستعمل على تحويل هذه الانتظارات إلى سياسات واضحة، في إطار التعاون والتوازن بين السلط، والانفتاح على الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والترابيين.
من جانب آخر، أكدت رئيسة الحكومة أن المملكة حققت إصلاحات ومشاريع كبرى، وعززت حضورها الإفريقي والدولي وقدرتها على مواجهة الأزمات، غير أن ثمار التقدم لم تصل بالشكل نفسه إلى جميع الفئات والمجالات. وظل الشغل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والعدالة المجالية في صدارة الانتظارات.
لذلك، تقول المنصوري: «نريد الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى جودة الخدمة، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها وأثرها»، معتبرة أن السنوات الخمس المقبلة فرصة للحفاظ على المكتسبات واستكمال الأوراش وتصحيح الاختلالات، وتركيز موارد الدولة على أولويات يلمس المواطن أثرها في عمله وعيشه وتعليم أبنائه وعلاجه وسكنه ومجاله الترابي.
وخلصت رئيسة الحكومة إلى أن «مهمة الحكومة، إلى جانب مختلف الفاعلين، هي تحويل هذه الفرص إلى دافع حقيقي لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية«.

ثلاثة أسئلة لمحمد جدري⃰:

 

«ثمة اختلاف في الخطاب واستمرار الغموض في الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية»

 

. ما المستجدات التي حملها برنامج الحكومة في البعد الاقتصادي؟

 

قبل الإجابة عن هذا السؤال، من الضروري تقديم قراءة عامة تسمح بمقارنة التصريح الحكومي، أو البرنامج الحكومي للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، بالبرامج الحكومية السابقة.

أعتقد أن البرنامج الحكومي للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، مقارنة على الأقل بالبرنامج الحكومي لحكومة عزيز أخنوش، يتضمن مجموعة من النقاط التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.

أولى هذه النقاط، وهي أساسية، تتعلق بالبعد السياسي للبرنامج الحكومي. فإذا كان برنامج حكومة عزيز أخنوش كان ذا طابع اقتصادي واجتماعي وتدبيري ومحاسباتي إلى حد كبير، فإن البرنامج الحكومي الجديد يتضمن بعدا سياسيا افتقدناه خلال السنوات الخمس الماضية. فهو يتحدث عن محاربة الفساد والريع والإثراء غير المشروع، وعن تضارب المصالح، وحقوق الإنسان والحريات. وهي قضايا غابت، إلى حد كبير، عن البرنامج الحكومي السابق.

أما النقطة الثانية فتتمثل في أن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري استفادت، على ما يبدو، من التجربة السابقة لحكومة عزيز أخنوش، خصوصا في ما يتعلق بوضع برنامج حكومي يتضمن عددا كبيرا من المؤشرات وآليات دقيقة لتتبع الإنجاز وتقييم الحصيلة.

نتذكر أن حكومة عزيز أخنوش اعتمدت برنامجا قائما على ما عُرف بـ«الالتزامات العشرة». أما البرنامج الحكومي الجديد فيرتكز على سبع أولويات، من دون أن يحدد بوضوح المؤشرات التي ستعتمدها الحكومة لتنزيل هذه الأولويات وقياس مدى تحقيقها.

وبالتالي لا يتضمن البرنامج الجديد مؤشرات دقيقة ومحددة يمكن أن تشكل أساسا لمساءلة الحكومة عند تقديم حصيلتها. ونجد، في المقابل، لغة إنشائية وعبارات فضفاضة تتعلق بمجموعة من القضايا التي يمكن تحقيق الحد الأدنى منها، أو بلوغ مستويات متقدمة في تنفيذها من دون وجود معايير واضحة تسمح بقياس النتائج.

أعتقد أن من صاغ البرنامج الحكومي للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري استحضر، منذ البداية، مرحلة تقييم الحصيلة الحكومية، ولذلك تجنب وضع التزامات دقيقة يمكن أن تتحول لاحقا إلى أساس لمساءلة الحكومة بشأن ما لم تنجزه. وهذا ما واجهته حكومة عزيز أخنوش، التي وضعت مجموعة من المؤشرات الزمنية والاقتصادية والاجتماعية، وحددت أهدافا مرتبطة بفئات مستهدفة ومجالات معينة، الأمر الذي جعل حصيلتها قابلة للتقييم والمحاسبة وفق تلك الالتزامات.

وبناء على ذلك، أرى أن البرنامج الحكومي للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري يستجيب، في حده الأدنى، لانتظارات وتطلعات الشباب والمواطنات والمواطنين المغاربة.

 

– ما المؤشرات الاقتصادية التي حملها البرنامج الحكومي؟

في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، من الضروري الوقوف عند الأهداف والمؤشرات التي تضمنها البرنامج الحكومي، من أجل تقييم مدى طموحها وقدرتها على تحقيق التحول الاقتصادي المنشود.

حدد البرنامج الحكومي متوسط النمو الاقتصادي في 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2031، مع استهداف معدل تضخم في حدود 2 في المائة، وعجز في الميزانية لا يتجاوز 3 في المائة وتقليص المديونية إلى 62 في المائة.

عند مقارنة هذه الأرقام بمرتكزات النموذج التنموي الجديد، الذي تحدث عن تحقيق «سرعة ثانية» للتنمية خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2030، تقوم على بلوغ معدلات نمو تتراوح بين 6 و7 و8 في المائة، يتضح أن البرنامج الحكومي الجديد لا يتضمن، في تقديري، طموحا اقتصاديا كبيرا.

ففي حين نسجل حاليا معدلات نمو تتجاوز 4 في المائة، كان بإمكان الحكومة اعتماد أهداف أكثر طموحا، من قبيل استهداف نمو بنسبة 4 في المائة في بداية الولاية، مع العمل على بلوغ 6 أو 7 في المائة في نهايتها.. لكنها اختارت تحديد سقف للنمو في حدود 5 في المائة، وهو معدل قريب من المستويات التي يمكن للاقتصاد المغربي تحقيقها في الظروف الراهنة.

وتشير التوقعات، بحسب المعطيات التي استند إليها البرنامج، إلى إمكانية إنهاء السنة بمعدل نمو يبلغ 4.7 في المائة، ما يجعل الهدف الحكومي المحدد قريبا من المستوى المتوقع أصلا.

وينطبق الأمر نفسه على عجز الميزانية، إذ يُرتقب أن يبلغ هذه السنة 3 في المائة، وهو المستوى الذي تستهدف الحكومة الحفاظ عليه، ما يعني أنها لا تضع أمامها تحديات كبيرة في ما يتعلق بتقليص العجز أو خفض المديونية. أما معدل التضخم المستهدف، والمحدد في 2 في المائة، فيظل رهينا بمجموعة من العوامل التي لا تتحكم فيها الحكومة بشكل كامل، من قبيل التساقطات المطرية والجفاف وأسعار النفط في الأسواق العالمية.

بناء على ذلك أرى أن المؤشرات الاقتصادية التي اعتمدتها حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تظل أقرب إلى الأهداف المحافظة منها إلى التحديات الاقتصادية الكبرى.

وتبرز مسألة أخرى تتعلق بالاستثمار العمومي، فالبرنامج الحكومي يتحدث عن تحسين الاستثمار، إلا أن التجربة السابقة أظهرت أن ارتفاع حجمه إلى مستويات قياسية تجاوزت 380 مليار درهم لم ينعكس بالقدر الكافي على إحداث فرص الشغل. لذلك، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار العمومي، بل، كذلك، بمدى قدرته على تحفيز الاقتصاد وخلق مناصب شغل مستدامة.

في ما يخص التشغيل، يتحدث البرنامج عن إحداث ما يقارب مليون منصب شغل، غير أن تفصيل هذا الهدف يثير عددا من التساؤلات بشأن طبيعة المناصب المعلن عنها ومدى استدامتها. إذ يتضمن البرنامج 360 ألف منصب شغل مرتبطة بتنظيم كأس العالم، من دون توضيح كاف بشأن ما إذا كانت هذه المناصب دائمة أم مؤقتة، إلى جانب 250 ألف منصب في القطاع الصناعي، و270 ألف منصب في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، و80 ألف منصب في القطاع الفلاحي و40 ألف منصب في القطاع الرياضي.

هنا ينبغي الانتباه إلى أن بعض هذه القطاعات متداخلة، فتنظيم كأس العالم والأنشطة الرياضية يمكن أن يساهما في خلق فرص شغل في الصناعة والفلاحة والخدمات. لذلك يتعين توضيح منهجية احتساب هذه المناصب لتفادي احتمال تداخل الأرقام أو احتساب بعض فرص الشغل أكثر من مرة.

أضف إلى هذا أن دعم المقاولات يستدعي بدوره مزيدا من التدقيق. فعندما تتحدث الحكومة عن دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ينبغي التمييز بين هذه الفئات، لأن حاجياتها وإمكاناتها تختلف بشكل كبير. فالمقاولة الصغيرة جدا قد تحتاج إلى صفقة عمومية بقيمة 50 ألف درهم أو 100 ألف درهم لضمان استمرار نشاطها، في حين قد تدير المقاولة المتوسطة مشاريع بمئات الملايين من الدراهم.

ومن ثم، فإن سياسة الدعم ينبغي أن تراعي خصوصية كل فئة، عوض التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة. ينطبق ذلك أيضا على هدف تخصيص 30 في المائة من حجم الاستثمار أو الطلبيات العمومية لهذه المقاولات، إذ سيكون من الصعب على عدد من المقاولات الصغيرة الاستفادة من هذه الفرص إذا لم تتمكن من الحصول على التمويل البنكي اللازم لتغطية تكاليف المشاريع.

فالمقاولة الصغيرة لا تستطيع، في كثير من الأحيان، تمويل مشروع يمتد لثلاثة أو ستة أشهر من مواردها الذاتية، ثم انتظار صرف مستحقاتها من مؤسسة عمومية أو قطاع وزاري أو جماعة ترابية. لذلك فنجاح هذا التوجه يقتضي توفير آليات تمويل وضمانات وتسهيلات بنكية ملائمة.

خلاصة القول إن البعد الاقتصادي في البرنامج الحكومي لا يزال، في تقديري، فضفاضا في عدد من جوانبه، ويحتاج إلى مزيد من التفصيل، سيما في ما يتعلق بمؤشرات النمو، واستدامة فرص الشغل، وفعالية الاستثمار العمومي وآليات دعم المقاولات، حتى تصبح الأهداف المعلنة قابلة للقياس والتقييم والمساءلة.

 

– هل ترجم البرنامج مبدأ الحكومة الاجتماعية؟

في ما يخص البعد الاجتماعي، نلاحظ أن البرنامج الحكومي يتضمن مجموعة من الوعود والإجراءات التي تهم تحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطنات والمواطنين، غير أنه لا يقدم توضيحات كافية بشأن كيفية تنفيذ هذه الالتزامات، والجدول الزمني لتنزيلها، ومصادر تمويلها والآثار المنتظرة منها.

فعلى مستوى الأجور والضرائب، يتحدث البرنامج عن الزيادة في الأجور وإعادة النظر في الضريبة على الدخل، من خلال مراجعة بعض الشرائح الضريبية، إلى جانب إعفاء الدخول السنوية التي لا تتجاوز 60 ألف درهم من الضريبة، أي ما يعادل 5 آلاف درهم شهريا. غير أن الإشكال المطروح يتمثل في غياب تفاصيل دقيقة بشأن كيفية تنزيل هذه الإجراءات، والفئات التي ستستفيد منها وانعكاساتها الفعلية على القدرة الشرائية.

الجانب المتعلق بالحوار الاجتماعي يثير، أيضا، تساؤلات بشأن حجم الاعتمادات المالية المعلن عنها. إذ ورد رقم يناهز 50 مليار درهم سنويا، وهو مبلغ ضخم يصعب، في تقديري، تخصيصه بالكامل للحوار الاجتماعي خلال سنة 2027، خصوصا إذا استحضرنا أن حكومة عزيز أخنوش أعلنت عن تعبئة نحو 45 مليار درهم لتنفيذ التزاماتها في هذا المجال على امتداد خمس سنوات. لذلك يتعين توضيح طبيعة هذا المبلغ، وما إذا كان يتعلق بالاعتمادات السنوية أو بالكلفة الإجمالية لمجموعة من التدابير الاجتماعية.

أما بخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، فيتحدث البرنامج عن مواصلة هذا الورش، مع الحفاظ على مبالغ الدعم التي تتراوح بين 500 درهم ومستويات أعلى بحسب الحالات، في أفق نهاية الولاية الحكومية، إلى جانب مراجعة معايير الاستفادة، مع التركيز على دخل الأسر بدلا من الاعتماد على مؤشرات أخرى. غير أن هذه الالتزامات تحتاج بدورها إلى توضيح المعايير المعتمدة، وكيفية احتساب الدعم والفئات التي ستشملها المراجعة.

أعتقد أن البعد الاجتماعي حاضر في البرنامج الحكومي، غير أن السؤال الأساسي يتعلق بمدى استجابته للانتظارات العاجلة للمواطنين. فالقدرة الشرائية تشكل اليوم أحد أبرز مصادر القلق لدى الأسر المغربية، وهي تنتظر إجراءات ملموسة خلال المائة يوم الأولى، وليس مجرد وعود مؤجلة إلى نهاية الولاية.

في المقابل يظل البرنامج، في عدد من جوانبه الاجتماعية، عاما وإنشائيا، ولا يقدم تفاصيل كافية بشأن آليات التنفيذ. فمحاربة الوسطاء والمضاربين والمحتكرين، وإحداث شركات أو مؤسسات جهوية، كلها إجراءات قد يتطلب تنزيلها سنة أو سنتين، وربما أكثر، قبل أن تظهر آثارها الفعلية على حياة المواطنين.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع المغاربة الانتظار سنة أو سنتين حتى يلمسوا تحسنا حقيقيا في قدرتهم الشرائية، في ظل الضغوط المتزايدة على تكاليف المعيشة والإنتاج؟

وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى العوامل الخارجية، سيما تقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية، وما يمكن أن يترتب عنها من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن البرنامج الحكومي يتضمن توجها اجتماعيا واضحا على مستوى الخطاب والوعود، لكنه لا يقدم، بالقدر الكافي، تفاصيل عملية بشأن آليات التنزيل ومصادر التمويل والجدول الزمني لتنفيذ الإجراءات. وهذا ما يجعل التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس فقط الإعلان عن الالتزامات الاجتماعية، بل تحويلها إلى تدابير ملموسة يشعر المواطن بأثرها المباشر على حياته اليومية.

 

⃰متخصص في الاقتصاد – رئيس مرصد العمل الحكومي

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى