
يسرا طارق
حين نحتك ببعضنا، نحن المغاربة، ونحن ننتظر دورنا لقضاء حاجة إدارية أو تسوقية أو طبية، أو نحن نقتعد كرسينا في حافلة أو قطار، حين نحتاج لتزجية الوقت، ومقاومة ذلك الصمت المحتقن الذي يملأ المكان، نبادر بعضنا دوماً بنفس السؤال: من أين؟
نحتاج، قبل التواصل في ما بيننا، لمعرفة الانتماء الجغرافي لمن نحدثه؛ هذا هو المفتاح الأول الذي نحتاجه: معرفة المكان. والمغرب مليء بالأمكنة المتنوعة، وحول كل مكان شكّل المغاربة مسبقات، وأفكاراً، ومسكوكات. وحين تجيب محاورك وتمنحه اسم مدينتك أو دوارك أو قبيلتك، لا تبقى أنت هو أنت بل تذوب في جماعة لها تاريخ وصفات ومآثر ومثالب أيضاً. سيجاملك محاورك بمديح مسقط رأسك، وسيقول فيه كلاماً جميلاً، لكن هذا لا يجعلك تتناسى بأنه يدير في نفسه مساوئ أصلك ومخازيه. لا يرتاح محدثك إلا بعد أن يضعك في إطار رغم أنفك، فلأنك ريفية، مثلاً، ينبغي أن تجسدي كل الصفات الحقيقية والمتوهمة عن الريف. لأنك ريفية تحاورين غريبة رمت الظروف بكما جنباً إلى جنب، عليك أن تتحدثي عن كل الكليشيهات المرتبطة بالريف: سخونة الرأس، التضامن في الصواب والخطأ، الفجائع، التهريب، الحشيش، مليلية، عبد الكريم الخطابي، الشريف أمزيان… وعلى محاورتك هي أيضاً أن تتحدث من داخل الإطار الذي فرض عليها؛ هي أيضاً ستتحدث إن كانت سوسية عن الزعفران، والحلي، وزيت أرغان وفضائله، وعن دور القرآن، وشطارة السوسي في التجارة، وعن المختار السوسي، وبنسعيد آيت إيدر… إلخ.
يبدأ تلصص المغاربة من هنا، من هذه الحاجة الملحة لمعرفة الحالة المدنية لمن نحاوره، حتى أننا نُخضع بعضنا لاستنطاقات طويلة ومرهقة لجمع كم من المعلومات التافهة التي لا نحتاجها أبداً. لم نتعلم، لا في بيوتنا، ولا في المدرسة ولا في الشارع، أن نحترم خصوصية بعضنا البعض، وأن نقدر الآخرين كذوات مستقلة ينبغي أن لا نعرف عنها إلا ما تسمح لنا هي بمعرفته. شحنتنا القبيلة وعصبيتها بهذا الحرص شبه المرضي على معرفة من معنا ومن ضدنا، من يشبهنا وبيننا وبينه أواصر دم أو عيش مشترك، ومن لا يشبهنا وبيننا وبينه خلاف وتشاحن.
عاش المغرب في تاريخه الطويل اقتصاد الندرة، فالخيرات قليلة والمراعي لا تكفي كل القطعان؛ وعلى الجماعات والأفراد أن ينافسوا بعضهم وبشراسة من أجل حيازة ما يبقيهم أحياء. سياقات السباقات المحمومة من أجل البقاء تولد هذه الحاجة المزمنة لمراقبة الآخرين وجمع الأخبار عنهم. ثم، ولأن اقتصاد الندرة يترتب عن غياب الإنتاجية، فشعب انتظر لقرون الأمطار سيبحث عن ما يملأ به وقته، وما هو متاح له هو حياة الناس.
ليس التلصص مهنة من لا مهنة لهم، ولا هو عيب يقتسمه من فاتهم قطار التعليم والترقي الاجتماعي؛ إنه شريعة يخلص لها الجميع: الغني والفقير، المثقف والأمي، الكبير والصغير، لأنه مرض اجتماعي أكثر منه نقيصة فردية. لا شيء يدفئ صالوناتنا وجلساتنا الحميمة أكثر من اغتياب الآخرين، وإخراج ملفاتهم والتدقيق في كل صغيرة وكبيرة… نحن شعب نمّام، لنعترف بهذا، ويلزمنا طريق طويل لنعرف أن أول درج في احترام حقوق الآخرين، هو احترام خصوصيتهم وحياتهم الشخصية.





