الانتخابات التشريعية بين جاهزية الدولة ورهانات الأحزاب
الهيئات السياسية تعيد ترتيب أوراقها ووزارة الداخلية ترفع درجة الاستعداد

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، دخل المغرب مرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها الاستعدادات الإدارية مع الحسابات الحزبية والرهانات الدستورية، في واحدة من أهم المحطات الانتخابية خلال السنوات الأخيرة. ولم تعد التحضيرات تقتصر على الجوانب التقنية والتنظيمية، بل امتدت إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الأحزاب، واستنفار مؤسسات الدولة لضمان نزاهة الاقتراع، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى نسبة المشاركة، وقدرة الطبقة السياسية على استعادة ثقة الناخبين، بعد خمس سنوات من الولاية الحكومية الحالية.
وتأتي هذه الانتخابات في سياق داخلي وإقليمي استثنائي، يتسم باستمرار الأوراش الملكية الكبرى، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة الاستثمار، والإعداد لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، إلى جانب التحولات الجيوسياسية التي جعلت المغرب يعزز حضوره الدبلوماسي في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بعد توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، واتساع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي. ويضع هذا السياق البرلمان المقبل أمام مسؤوليات مضاعفة، باعتباره المؤسسة التي ستواكب تشريعيا ورقابيا هذه الأوراش، وستسهم في تنزيل السياسات العمومية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وتكتسي هذه الاستحقاقات بعدا سياسيا خاصا، بالنظر إلى كونها ستحدد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة، وستعيد رسم الخريطة الحزبية في ظل تنافس قوي بين الأحزاب المشكلة للأغلبية الحالية وأحزاب المعارضة، التي تسعى إلى استثمار حصيلتها السياسية ومواقفها داخل البرلمان لاستعادة مواقعها. كما ينتظر أن تشهد المرحلة المقبلة احتدام المنافسة داخل الأحزاب نفسها، مع انطلاق مشاورات توزيع التزكيات، والتي غالبا ما تشكل أحد أكثر الملفات حساسية داخل التنظيمات السياسية، بالنظر إلى الصراع على الدوائر الانتخابية ذات الحظوظ المرتفعة.
إعداد: النعمان اليعلاوي
رفعت وزارة الداخلية درجة جاهزيتها، بعدما فعلت اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الجهوية والإقليمية التي تضم ممثلين عن السلطات الترابية والنيابة العامة، وذلك تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى صيانة نزاهة وشفافية العمليات الانتخابية. كما يرتقب أن تعرف الإدارة الترابية حركة انتقالية واسعة في صفوف رجال السلطة، في إطار إعادة توزيع الموارد البشرية، وتعزيز جاهزية مختلف العمالات والأقاليم لمواكبة هذا الاستحقاق الوطني.
ولا يقتصر الرهان على توفير الضمانات القانونية والتنظيمية لإنجاح الاقتراع، بل يمتد إلى مواجهة عدد من الإشكالات التي رافقت الاستحقاقات السابقة، وفي مقدمتها ضعف المشاركة السياسية، وتراجع ثقة فئات واسعة من الشباب في العمل الحزبي، واستمرار النقاش حول تجديد النخب، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات والطاقات الجديدة لولوج المؤسسات المنتخبة. كما ينتظر أن تحضر بقوة قضايا تمثيلية النساء، ومحاربة المال الانتخابي، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين، باعتبارها من المؤشرات الأساسية التي يقاس بها مستوى التطور الديمقراطي.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى متابعون أن انتخابات 2026 لن تكون مجرد محطة دورية لتجديد مجلس النواب، بل اختبارا حقيقيا لقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على الارتقاء بالممارسة الديمقراطية، وتحويل التنافس الانتخابي إلى مناسبة لطرح البرامج والحلول الواقعية، بعيدا عن الشعبوية أو الخطابات الظرفية. كما ستشكل فرصة لتقييم حصيلة المرحلة السابقة، واستشراف أولويات المرحلة المقبلة، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تفرض وجود مؤسسات منتخبة قوية، وأغلبية منسجمة، ومعارضة فاعلة، بما يعزز ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي ويكرس مكانة الانتخابات كآلية أساسية للتداول المؤسساتي على تدبير الشأن العام.
تأمين الاستحقاقات.. رهان المرحلة
باشرت وزارة الداخلية منذ أسابيع تنفيذ سلسلة من الإجراءات التنظيمية والإدارية الرامية إلى تأمين مختلف مراحل العملية الانتخابية، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى ضمان نزاهة الاقتراع، وصيانة الإرادة الحرة للناخبين.
وفي هذا الإطار، تم تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب اللجان الجهوية والإقليمية التي يرأسها الولاة والعمال، وتضم الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك، من أجل مواكبة جميع مراحل العملية الانتخابية، ورصد أي خروقات محتملة والتدخل الفوري بشأنها.
وتناط بهذه اللجان مهمة السهر على التطبيق الصارم للقوانين الانتخابية، وضبط المخالفات المرتبطة بالحملات الانتخابية أو شراء الأصوات أو استغلال النفوذ، فضلا عن التنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان سير الاقتراع في ظروف عادية.
وفي السياق ذاته، تستعد وزارة الداخلية للإعلان عن واحدة من أكبر الحركات الانتقالية في صفوف رجال السلطة خلال السنوات الأخيرة، حيث ينتظر أن تشمل ولاة وعمالا وكتابا عامين وباشوات ورؤساء دوائر وقيادا، بعد عملية تقييم واسعة استندت إلى مؤشرات تتعلق بالحكامة وسرعة تنفيذ المشاريع، وجودة تدبير الشأن المحلي، والتفاعل مع المواطنين.
ويرى مراقبون أن هذه الحركة تندرج ضمن الاستعدادات الطبيعية للاستحقاقات المقبلة، وتهدف إلى تعزيز نجاعة الإدارة الترابية، وضمان حيادها الكامل خلال مختلف مراحل الانتخابات.
الأحزاب تدخل مرحلة إعادة ترتيب الأوراق
في المقابل، تعيش الأحزاب السياسية سباقا داخليا محموما استعدادا لدخول غمار الانتخابات، حيث تشهد العديد من التنظيمات اجتماعات متواصلة لحسم لوائح المرشحين وتوزيع التزكيات، وهي المرحلة التي تعتبر دائما الأكثر حساسية داخل الحياة الحزبية.
وتؤكد مصادر سياسية أن عددا من الأحزاب بصدد مراجعة معايير منح التزكيات، بعدما أظهرت التجارب السابقة محدودية الاعتماد على الأقدمية أو الولاءات التنظيمية فقط، إذ أصبح الحضور الميداني والقدرة على التواصل والكفاءة الانتخابية من بين أبرز المحددات المعتمدة في اختيار المرشحين.
كما تعرف بعض الدوائر الانتخابية منافسة قوية بين برلمانيين حاليين ووجوه جديدة تسعى إلى ولوج المؤسسة التشريعية لأول مرة، في حين اختارت أحزاب أخرى الدفع بكفاءات أكاديمية وخبرات اقتصادية ومدنية، في محاولة لتجديد صورتها أمام الرأي العام.
وتستعد الأحزاب أيضا للإعلان عن برامجها الانتخابية، التي يتوقع أن تركز على ملفات التشغيل والصحة والتعليم والسكن والاستثمار، إلى جانب قضايا الأمن الغذائي والمائي والانتقال الطاقي والرقمنة، وهي الملفات التي أصبحت تحتل صدارة اهتمامات المواطنين.
ويرى محللون أن قدرة الأحزاب على تقديم أجوبة عملية عن هذه التحديات ستكون عاملا حاسما في استقطاب الناخبين، خاصة في ظل ارتفاع نسبة الشباب داخل الهيئة الناخبة.
النساء والشباب في قلب الرهانات السياسية
من بين أبرز الملفات التي سترافق هذه الانتخابات، موضوع تعزيز مشاركة النساء والشباب داخل المؤسسات المنتخبة، في ظل استمرار النقاش حول تفعيل مبدأ المناصفة الذي نص عليه الدستور.
وفي هذا الإطار، أعلنت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب إطلاق «بارومتر» خاص بقياس تمثيلية النساء داخل الأحزاب السياسية، يروم تقييم مدى احترام هذه التنظيمات لالتزاماتها في مجال المناصفة، بعيدا عن الخطابات السياسية.
وسيعمل هذا المؤشر على قياس حضور النساء داخل الأجهزة القيادية للأحزاب، ونسب ترشيحهن في الدوائر الانتخابية، ومستوى الدعم الذي يوفر لهن خلال الحملات الانتخابية، فضلا عن تقييم مواقف الأحزاب من الإصلاحات القانونية المرتبطة بالمساواة.
كما يتواصل النقاش حول ضرورة فتح المجال أمام الشباب والكفاءات الجديدة، خاصة أن عددا من التقارير الوطنية والدولية دعت إلى تجديد النخب السياسية، وإشراك الأجيال الصاعدة في صناعة القرار.
ويرى مهتمون أن تجديد النخب أصبح ضرورة سياسية أكثر منه مجرد خيار تنظيمي، بالنظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب.
المال الانتخابي والرقابة القضائية
يبقى المال الانتخابي من بين أكثر القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، وهو ما دفع السلطات إلى تشديد إجراءات المراقبة، وتعزيز التنسيق بين وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة.
وينتظر أن تعرف فترة الحملة الانتخابية تعبئة واسعة لمختلف الأجهزة المكلفة بالمراقبة، من أجل رصد أي محاولات للتأثير غير المشروع على الناخبين، سواء عبر شراء الأصوات أو استغلال النفوذ أو استعمال وسائل الدولة في الدعاية الانتخابية.
كما ستتولى النيابة العامة تتبع مختلف الشكايات المتعلقة بالمخالفات الانتخابية، مع فتح الأبحاث وترتيب الآثار القانونية عند الاقتضاء، في إطار الحرص على حماية نزاهة العملية الانتخابية.
ويؤكد مختصون أن نجاح الانتخابات المقبلة لن يقاس فقط بنسبة المشاركة، أو توزيع المقاعد، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد المنافسة الشريفة، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
رهانات البرلمان المقبل
تتجاوز أهمية انتخابات 23 شتنبر مجرد اختيار 395 عضوا بمجلس النواب، إذ ستحدد ملامح الحكومة المقبلة، وسترسم توجهات السياسات العمومية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وسيكون البرلمان المقبل مطالبا بمواصلة تنزيل مشاريع كبرى، من بينها إصلاح التعليم، وتعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتعزيز الاستثمار، وتنزيل الميثاق الجديد للاستثمار، ومواكبة مشاريع كأس العالم لكرة القدم 2030، فضلا عن مواصلة الإصلاحات المرتبطة بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
كما سيواجه تحديات مرتبطة بالتحولات الدولية، خاصة في ظل استمرار التقلبات الاقتصادية العالمية، وارتفاع كلفة الطاقة، والتغيرات المناخية، وهو ما يتطلب مؤسسة تشريعية قادرة على مواكبة هذه التحولات عبر تشريعات فعالة ورقابة مؤسساتية قوية.
ويرى متابعون أن الرهان الحقيقي لم يعد فقط في تنظيم انتخابات تحترم المعايير القانونية، بل في إفراز نخبة سياسية قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة، وتعزيز ثقة المواطنين في العمل السياسي، وتحويل المؤسسة البرلمانية إلى فضاء حقيقي للنقاش العمومي وصناعة السياسات، بما ينسجم مع الدينامية الإصلاحية التي يقودها الملك محمد السادس، ويستجيب لتطلعات المغاربة في التنمية والعدالة الاجتماعية والحكامة الجيدة.
الدولة ترفع الدعم العمومي للأحزاب استعدادا لمعركة 23 شتنبر
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، دخلت الأحزاب السياسية مرحلة جديدة من الاستعدادات التنظيمية والمالية، في ظل توجه الدولة إلى رفع حجم الدعم العمومي المخصص لتمويل الحملات الانتخابية والأنشطة المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة. ويأتي هذا التوجه في سياق الرغبة في توفير شروط تنافس متكافئة بين مختلف الفاعلين السياسيين، وتعزيز شفافية تمويل الحملات الانتخابية، والحد من اللجوء إلى مصادر تمويل غير قانونية قد تؤثر في نزاهة العملية الانتخابية.
ويعتبر الدعم العمومي أحد أهم الآليات التي يعتمدها المغرب منذ سنوات لمواكبة الحياة الحزبية، حيث لا يقتصر على تمويل الحملات الانتخابية، بل يشمل أيضا المساهمة في تغطية مصاريف التسيير والتأطير السياسي والتكوين، غير أن الانتخابات التشريعية تظل المناسبة التي تعرف فيها الأحزاب أكبر حاجة إلى الموارد المالية بالنظر إلى ارتفاع كلفة التواصل والتنقل والتأطير الميداني.
تمويل عمومي لمواجهة ارتفاع كلفة الحملات
يرى متابعون أن رفع الدعم العمومي يأتي استجابة للتحولات التي عرفتها الحملات الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، والتي أصبحت أكثر كلفة بسبب توسع استعمال الوسائط الرقمية، وارتفاع نفقات التواصل والإشهار والتنقل، إلى جانب الحاجة إلى تأطير آلاف المترشحين والمراقبين عبر مختلف الدوائر الانتخابية.
كما أن الأحزاب السياسية، خصوصا المتوسطة والصغيرة، تعتمد بشكل كبير على التمويل العمومي لتغطية مصاريفها، في ظل محدودية الاشتراكات الداخلية وتراجع مواردها الذاتية، وهو ما يجعل الدعم العمومي أحد الضمانات الأساسية لاستمرار التعددية السياسية وعدم احتكار المنافسة الانتخابية من قبل الأحزاب الأكثر قدرة ماليا.
ويرتقب أن يتيح هذا الدعم للأحزاب إطلاق حملاتها في ظروف أفضل، مع التركيز على البرامج الانتخابية والتواصل مع الناخبين بدل الانشغال بتدبير الموارد المالية، خاصة في ظل اتساع الدوائر الانتخابية وتزايد متطلبات الحملات الحديثة.
ضوابط قانونية ورقابة صارمة على أوجه الصرف
رغم رفع قيمة الدعم، فإن صرف الأموال العمومية يبقى خاضعا لمنظومة قانونية دقيقة، تفرض على الأحزاب تقديم وثائق محاسباتية مفصلة تبرز كيفية صرف الاعتمادات الممنوحة لها، مع إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، الذي يتولى تدقيق الحسابات والتأكد من مطابقة النفقات للمقتضيات القانونية.
وتلزم النصوص التنظيمية الأحزاب بإرجاع المبالغ التي لم يتم تبرير صرفها، كما تفرض عقوبات في حال تسجيل اختلالات أو استعمال الدعم في غير الأغراض المحددة قانونا، وهو ما جعل تدبير التمويل العمومي يخضع خلال السنوات الأخيرة لمعايير أكثر صرامة وشفافية.
ويرى مختصون أن تشديد الرقابة على المال العمومي الموجه للأحزاب لا يقل أهمية عن رفع قيمته، لأن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان منافسة انتخابية نزيهة، وتعزيز ثقة المواطنين في نزاهة تمويل الحياة السياسية.
في المقابل، يضع رفع الدعم الأحزاب السياسية أمام مسؤولية مضاعفة في حسن تدبير الموارد المتاحة، واستثمارها في التأطير السياسي وتقديم برامج انتخابية مقنعة، بدل الاقتصار على الحملات التقليدية أو الإنفاق غير المنتج.
كما ينتظر أن يشجع التمويل الإضافي الأحزاب على توسيع حضورها الميداني، وتعزيز مشاركة النساء والشباب في الحملات الانتخابية، والاستثمار في وسائل التواصل الحديثة، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها السلوك الانتخابي، خاصة لدى الفئات الشابة.
ويؤكد متابعون أن قيمة الدعم، مهما ارتفعت، لن تكون العامل الحاسم في نتائج الانتخابات، بقدر ما سيكون حسن توظيفه في التواصل مع المواطنين، وإقناعهم بالبرامج والمرشحين، وإعادة بناء جسور الثقة التي تظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب مع اقتراب موعد الاقتراع.
رهان تخليق الحياة السياسية
يرتبط رفع الدعم العمومي كذلك بجهود الدولة الرامية إلى تخليق الحياة السياسية والحد من تأثير المال الخاص في المنافسة الانتخابية، إذ كلما ارتفعت مساهمة التمويل العمومي، تقلصت الحاجة إلى البحث عن مصادر تمويل خارجية قد تطرح إشكالات قانونية أو أخلاقية.
وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تفعيل اللجنة المركزية واللجان الجهوية والإقليمية لتتبع الانتخابات، وتشديد الرقابة على الجرائم الانتخابية، بما يعكس توجها نحو توفير بيئة انتخابية قائمة على الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام القانون.
وبينما تستعد الأحزاب لإطلاق حملاتها خلال الأسابيع المقبلة، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذا الدعم إلى أداة لتعزيز الديمقراطية التمثيلية، وإقناع الناخبين ببرامج سياسية واقعية، بدل أن يتحول إلى مجرد مورد مالي موسمي مرتبط بالمواعد الانتخابية.
إعادة انتشار واسعة بالإدارة الترابية استعدادا لانتخابات 2026
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، تتجه وزارة الداخلية إلى إطلاق واحدة من أكبر الحركات الانتقالية في صفوف رجال السلطة خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تندرج ضمن إعادة ترتيب الإدارة الترابية وتعزيز جاهزيتها لمواكبة مختلف الاستحقاقات الوطنية المقبلة. وتكتسي هذه الحركة أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع المرحلة التحضيرية للانتخابات، وما تفرضه من ضرورة توفير إدارة ترابية قادرة على تدبير مختلف المحطات الانتخابية في إطار من الحياد والنجاعة والالتزام الصارم بالقانون.
وتؤكد مصادر متطابقة أن الحركة المرتقبة لن تقتصر على التنقيلات الاعتيادية، بل ستشمل إعادة توزيع عدد مهم من رجال السلطة على مختلف العمالات والأقاليم، مع ترقية مسؤولين وإسناد مناصب جديدة لأطر أثبتت كفاءتها، مقابل إعفاء أو نقل مسؤولين آخرين بناء على نتائج تقييم الأداء، في إطار تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي أصبح أحد المرتكزات الأساسية في تدبير الموارد البشرية بوزارة الداخلية.
تقييم شامل للأداء قبل اتخاذ قرارات التنقيل
تأتي الحركة الانتقالية بعد أشهر من عمليات تقييم ميدانية باشرتها المصالح المركزية لوزارة الداخلية، شملت مختلف مستويات الإدارة الترابية، من الكتاب العامين للعمالات والأقاليم إلى الباشوات ورؤساء الدوائر والقياد. واعتمدت هذه العملية على مؤشرات متعددة، من بينها جودة تدبير الشأن المحلي، وسرعة تنزيل المشاريع التنموية، والتفاعل مع شكايات المواطنين، ومستوى التنسيق مع مختلف المتدخلين، إضافة إلى القدرة على مواكبة الأوراش الملكية الكبرى.
كما أخذت الوزارة بعين الاعتبار مدى التزام رجال السلطة بتنزيل التعليمات المركزية، وحسن تدبير الملفات ذات الطابع الاجتماعي والاستثماري، فضلا عن قدرتهم على تدبير الأزمات المحلية والحفاظ على الاستقرار داخل المجالات الترابية التي يشرفون عليها.
ويرى متابعون أن اعتماد آليات تقييم دقيقة قبل الإعلان عن الحركة الانتقالية يعكس توجها متزايدا نحو تدبير حديث للإدارة الترابية، يقوم على قياس الأداء بدل الاكتفاء بالأقدمية أو الاعتبارات التقليدية، بما يسمح بضخ كفاءات جديدة في عدد من المناصب الحساسة.
وتكتسب الحركة المرتقبة بعدا انتخابيا واضحا، بالنظر إلى تزامنها مع مرحلة الإعداد للاستحقاقات التشريعية، التي تتطلب تعبئة مختلف مكونات الإدارة الترابية لضمان حسن سير العمليات الانتخابية. فعمالات وأقاليم عديدة ستعرف تغييرات على مستوى المسؤولين الترابيين، بما يتيح توفير ظروف تنظيمية ملائمة لمختلف مراحل الاقتراع، من مراجعة اللوائح الانتخابية إلى تدبير الحملة الانتخابية والإشراف على مكاتب التصويت.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تفعيل اللجنة المركزية واللجان الجهوية والإقليمية لتتبع الانتخابات، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، بما يجعل الإدارة الترابية أمام مسؤولية مضاعفة خلال الأشهر المقبلة، سواء من حيث ضمان حيادها الكامل أو من حيث السهر على التطبيق الصارم للقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
كما ينتظر أن تساهم الحركة في تجاوز بعض الإشكالات المرتبطة بتدبير عدد من الأقاليم التي تعرف دينامية عمرانية وتنموية متسارعة، أو تلك التي تشهد تنافسا انتخابيا قويا، بما يعزز جاهزية الإدارة لمواكبة مختلف التطورات الميدانية.
ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز النجاعة الترابية
لا تنفصل الحركة الانتقالية المرتقبة عن الإصلاحات التي باشرتها وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة لتحديث الإدارة الترابية، عبر تعزيز ثقافة المردودية وربط تقلد المسؤوليات بنتائج ملموسة على أرض الواقع. فالحركة تشكل مناسبة لإعادة توزيع الكفاءات والاستفادة من الخبرات المتراكمة، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من الفعالية في تدبير الشأن المحلي.
ومن المرتقب أن تشمل الحركة مسؤولين بمختلف الدرجات، من كتاب عامين وباشوات ورؤساء دوائر وقياد، مع الحرص على تحقيق التوازن بين ضخ دماء جديدة والاستفادة من التجارب الميدانية الناجحة، خاصة في الأقاليم التي تشهد أوراشا تنموية كبرى أو تستعد لاحتضان مشاريع استراتيجية.
ويؤكد مهتمون بالشأن الإداري أن نجاح الانتخابات المقبلة لن يرتبط فقط بالإطار القانوني أو بدور الأحزاب السياسية، بل كذلك بمدى جاهزية الإدارة الترابية، باعتبارها الحلقة الأساسية في تنزيل مختلف الترتيبات التنظيمية واللوجستيكية المرتبطة بالاقتراع.
تتجاوز أهداف الحركة الانتقالية الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية، لتندرج ضمن رؤية أشمل تروم تحديث الإدارة الترابية وجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، سواء على مستوى تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، أو تنفيذ برامج الاستثمار العمومي، أو تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما تراهن وزارة الداخلية على هذه الحركة لتعزيز الحكامة الترابية، ورفع مستوى الأداء الإداري، وتطوير آليات القرب من المواطنين، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل الإدارة في خدمة التنمية والمواطن.
وفي ظل الرهانات السياسية والتنموية التي تنتظر المملكة خلال المرحلة المقبلة، تبدو الحركة الانتقالية المرتقبة أكثر من مجرد عملية تنقيل إدارية، إذ تمثل محطة لإعادة تشكيل الخريطة البشرية للإدارة الترابية، وإعدادها لمرحلة دقيقة ستتداخل فيها رهانات الانتخابات مع تحديات التنمية، بما يجعل الكفاءة والحياد والنجاعة عناصر حاسمة في تدبير الشأن الترابي خلال السنوات المقبلة.
لجان التتبع المركزية والجهوية.. آلية مؤسساتية لتحصين الانتخابات
تشكل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 محطة سياسية ودستورية مفصلية في مسار البناء الديمقراطي بالمغرب، ليس فقط لأنها ستفرز أغلبية برلمانية جديدة، وإنما لأنها تأتي في سياق يتسم بتسارع الإصلاحات الكبرى، وتنامي الرهانات المرتبطة بتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة. وفي هذا الإطار، جاء تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب اللجان الجهوية والإقليمية، تنفيذا للأمر المولوي السامي الموجه إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، ليؤكد أن الدولة اختارت الانخراط المبكر في تأمين مختلف مراحل العملية الانتخابية، واعتماد مقاربة استباقية تقوم على التنسيق بين الإدارة والقضاء، لضمان سلامة الاقتراع وصون الإرادة الحرة للناخبين.
تنسيق مؤسساتي مبكر لتأمين الاستحقاقات
لم يعد تدبير الانتخابات في المغرب يقتصر على مرحلة الحملة الانتخابية، أو يوم الاقتراع، بل أصبح عملية متواصلة تبدأ قبل أشهر من فتح صناديق التصويت، من خلال الإعداد الإداري والقانوني واللوجستيكي، ورصد كل المؤشرات التي قد تؤثر في نزاهة العملية الانتخابية. ومن هذا المنطلق، جاء الإعلان عن تفعيل اللجنة المركزية واللجان الجهوية والإقليمية، باعتباره خطوة استباقية تروم مواكبة جميع مراحل الانتخابات، منذ التحضير لها إلى غاية إعلان النتائج النهائية.
وتضم اللجنة المركزية ممثلين عن وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، بينما تتشكل اللجان الإقليمية من الولاة والعمال ووكلاء الملك والوكلاء العامين للملك، في حين أوكلت إلى اللجان الجهوية مهمة تنسيق وتتبع عمل اللجان الإقليمية. ويعكس هذا التنظيم إرادة واضحة في إرساء آلية مشتركة تجمع بين السلطة الإدارية والقضائية، بما يضمن سرعة التدخل في مواجهة أي تجاوزات أو اختلالات قد تمس بالمسلسل الانتخابي.
وتتمثل المهمة الأساسية لهذه اللجان في تتبع مختلف مراحل العملية الانتخابية، ورصد المخالفات التي قد تؤثر في سلامة الاقتراع، واتخاذ التدابير اللازمة فور توفر المعطيات، مع تحريك الأبحاث أو المتابعات القضائية كلما اقتضى الأمر ذلك، في احترام تام للاختصاصات المخولة لكل مؤسسة.
الأمر المولوي يؤسس لمقاربة جديدة
يحمل تفعيل هذه اللجان دلالات سياسية ودستورية تتجاوز الجانب التنظيمي، بالنظر إلى كونه جاء تنفيذا للأمر المولوي السامي الذي وجهه الملك محمد السادس إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، والذي شدد على ضرورة السهر على نزاهة الانتخابات وصيانة الاختيار الحر للناخبين.
ويعكس هذا التوجيه الملكي استمرار المقاربة التي اعتمدها المغرب خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية السابقة، والقائمة على جعل نزاهة الانتخابات مسؤولية مشتركة بين مختلف المؤسسات، وعدم الاكتفاء بالإجراءات القانونية التقليدية، بل اعتماد آليات عملية تضمن التدخل السريع كلما ظهرت مؤشرات على وجود تجاوزات.
كما يؤكد الأمر المولوي أن الانتخابات ليست مجرد موعد سياسي عادي، وإنما ركيزة أساسية لترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز الثقة في المسار الديمقراطي، وهو ما يجعل حماية العملية الانتخابية جزءا من الأمن الديمقراطي للمملكة.
ويرى متابعون أن هذه المقاربة تعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في المجال الانتخابي، من خلال الانتقال من معالجة المخالفات بعد وقوعها إلى رصدها والتدخل بشأنها في حينها، بما يقلص من فرص التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين.
مكافحة المال الانتخابي واستغلال النفوذ
من أبرز الأهداف التي تسعى إليها اللجان الجديدة التصدي لمختلف الممارسات التي تسيء إلى الانتخابات، وفي مقدمتها استعمال المال لاستمالة الناخبين، واستغلال وسائل الدولة أو النفوذ الإداري، أو ممارسة الضغوط على الناخبين والمرشحين، فضلا عن باقي الجرائم الانتخابية المنصوص عليها في القوانين المنظمة للاستحقاقات.
وتتيح البنية المشتركة لهذه اللجان إمكانية التنسيق الفوري بين السلطات الإدارية والنيابة العامة، بما يسمح باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة دون انتظار انتهاء العملية الانتخابية، وهو ما يشكل عاملا رادعا لكل من قد يحاول التأثير على نزاهة الاقتراع.
كما ينتظر أن تتابع اللجان مختلف الشكايات التي قد تتقدم بها الأحزاب السياسية أو المرشحون أو المواطنون، مع ضمان التعامل معها وفق المساطر القانونية، بما يعزز مبدأ المساواة بين جميع المتنافسين.
ويؤكد خبراء في القانون الانتخابي أن نجاح أي انتخابات لا يقاس فقط بنسبة المشاركة، أو بعدد الأحزاب المتنافسة، وإنما أيضا بمدى قدرة المؤسسات على فرض احترام القانون والتدخل السريع في مواجهة التجاوزات، وهو ما تراهن عليه الدولة من خلال هذه الآلية الجديدة.
الأحزاب شريك أساسي في تخليق الانتخابات
رغم الدور المحوري الذي تضطلع به مؤسسات الدولة، فإن نجاح الانتخابات يظل رهينا أيضا بمدى التزام الأحزاب السياسية باحترام قواعد المنافسة الشريفة. ولهذا نص البلاغ الصادر عقب تفعيل اللجنة المركزية على اعتماد مقاربة تشاركية، تقوم على عقد لقاءات دورية مع قادة الأحزاب السياسية كلما دعت الضرورة إلى ذلك، لإطلاعهم على سير الاستعدادات والاستماع إلى ملاحظاتهم واقتراحاتهم.
ويعكس هذا التوجه حرص السلطات على جعل الأحزاب طرفا أساسيا في إنجاح العملية الانتخابية، باعتبارها الفاعل المباشر في المنافسة السياسية، كما يفتح المجال أمام معالجة الإشكالات المحتملة بالحوار قبل تحولها إلى نزاعات، قد تؤثر على أجواء الاقتراع.
وفي المقابل، تظل الأحزاب مطالبة بتعزيز الديمقراطية الداخلية، واحترام معايير الشفافية في اختيار المرشحين، والابتعاد عن كل الممارسات التي قد تسيء إلى صورة الانتخابات، خاصة في ظل تنامي النقاش العمومي حول ظاهرة الترحال السياسي، واستقطاب الأعيان، واستعمال النفوذ المحلي خلال الحملات الانتخابية.
رهان الثقة قبل صناديق الاقتراع
تتجاوز أهمية اللجان المركزية والجهوية والإقليمية مجرد مراقبة الانتخابات، لتصبح إحدى الأدوات الرامية إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فخلال السنوات الأخيرة، برزت تحديات مرتبطة بتراجع المشاركة السياسية، خاصة في صفوف الشباب، وهو ما جعل مسألة نزاهة الانتخابات وشفافية تدبيرها من أبرز الرهانات المطروحة قبل استحقاقات 2026.
ويرى متابعون أن نجاح هذه اللجان لن يقاس فقط بعدد المخالفات التي ستتم معالجتها، بل أيضا بمدى قدرتها على ترسيخ قناعة لدى الرأي العام بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن جميع المرشحين يخضعون للقواعد نفسها، بعيدا عن أي تمييز أو انتقائية.
كما أن التنسيق المباشر بين الإدارة والقضاء من شأنه أن يختصر آجال التدخل، ويمنح العملية الانتخابية قدرا أكبر من المصداقية، خصوصا إذا تم التعامل بسرعة مع الشكايات والتجاوزات التي قد تسجل خلال مختلف مراحل الاقتراع.
وفي النهاية، تبدو استحقاقات 2026 أكثر من مجرد محطة لتجديد مجلس النواب؛ فهي اختبار جديد لقدرة المغرب على مواصلة تطوير نموذجه الانتخابي، وتعزيز الضمانات المؤسساتية الكفيلة بحماية الإرادة الشعبية. ويشكل تفعيل اللجان المركزية والجهوية والإقليمية إحدى أبرز ركائز هذا التوجه، بما تحمله من رسالة مفادها أن صيانة نزاهة الانتخابات أصبحت مسؤولية مؤسساتية مشتركة، وأن تخليق الحياة السياسية لم يعد خيارا، بل شرطا أساسيا لتعزيز الثقة في الديمقراطية وترسيخ دولة الحق والقانون.
صبري لحو*: “الانتخابات اختبار لقدرة الدولة والأحزاب على ترسيخ الثقة الديمقراطية”
.
كيف تقرؤون الدور الذي تضطلع به وزارة الداخلية في الإعداد للانتخابات التشريعية المقبلة؟
ينبغي بداية التأكيد أن وزارة الداخلية لا تعد فاعلاً سياسياً في العملية الانتخابية، وإنما هي المؤسسة الإدارية المكلفة، بموجب القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات، بضمان توفير الشروط اللوجستيكية والتنظيمية التي تسمح بإجراء اقتراع حر ونزيه. لذلك فإن دورها يتجاوز مجرد الإعداد التقني، ليشمل التنسيق بين مختلف المتدخلين، والسهر على احترام الآجال القانونية، وضبط اللوائح الانتخابية، وتجهيز مكاتب التصويت، وتأمين العملية الانتخابية في مختلف مراحلها.
وإذا تابعنا الاستعدادات الجارية، سنلاحظ أن وزارة الداخلية شرعت مبكراً في اتخاذ مجموعة من التدابير، سواء عبر تقييم أداء الإدارة الترابية، أو من خلال إعادة توزيع بعض المسؤوليات داخل جهاز رجال السلطة، وهي إجراءات تدخل في إطار التحضير الطبيعي لاستحقاق وطني بهذا الحجم. كما أن الحركة الانتقالية المرتقبة في صفوف رجال السلطة ينبغي فهمها باعتبارها آلية لتجويد الأداء الإداري وضمان أكبر قدر من الفعالية والحياد، وليس فقط باعتبارها حركة مرتبطة بالانتخابات.
كما أن ما يميز هذه المرحلة هو الحرص على تعزيز الثقة في المؤسسات المشرفة على الانتخابات. فالتجارب المقارنة تؤكد أن نجاح أي استحقاق انتخابي لا يرتبط فقط بنصوص القانون، بل أيضاً بمدى شعور الفاعلين السياسيين والناخبين بوجود إدارة انتخابية محايدة وقادرة على التدخل السريع لمعالجة أي اختلال محتمل. ومن هنا فإن وزارة الداخلية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتكريس مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، وضمان التطبيق الصارم للقانون بعيداً عن أي تأويل قد يمس بمصداقية العملية الانتخابية.
كما لا ينبغي إغفال أن الرهان لم يعد يقتصر على تنظيم اقتراع ناجح من الناحية التقنية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة المؤسسات على رفع نسبة المشاركة وتعزيز ثقة المواطنين في المسار الديمقراطي، وهو تحدٍ يقتضي انخراط جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم الإدارة الترابية، في توفير الظروف الملائمة لإجراء انتخابات تحظى بالثقة والقبول.
ما أهمية اللجان المركزية والجهوية والإقليمية لتتبع الانتخابات التي تم تفعيلها بتعليمات ملكية سامية؟
أعتقد أن تفعيل هذه اللجان يحمل أكثر من دلالة دستورية وسياسية. فمن الناحية القانونية، نحن أمام آلية مؤسساتية تقوم على التنسيق المباشر بين السلطة الإدارية والسلطة القضائية، بما يسمح بضمان سرعة التدخل في مواجهة أي تجاوزات قد تمس سلامة العملية الانتخابية. وهذا النموذج يعكس تطوراً في تدبير الانتخابات بالمغرب، لأنه يربط بين الوقاية والزجر في آن واحد، ويجعل تتبع العملية الانتخابية يتم بشكل متواصل منذ بداية التحضير لها إلى غاية الإعلان النهائي عن النتائج.
أما من الناحية السياسية، فإن هذه اللجان تبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة حريصة على حماية نزاهة الانتخابات باعتبارها أحد مرتكزات الشرعية الديمقراطية. فالتعليمات الملكية السامية التي وجهت إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة تؤكد أن تخليق الحياة السياسية وحماية إرادة الناخبين يشكلان أولوية وطنية، وأن أي محاولة للتأثير غير المشروع على نتائج الاقتراع ستواجه بالحزم الذي يفرضه القانون.
وتكمن أهمية هذه اللجان أيضاً في كونها لا تتحرك فقط عند وقوع المخالفات، وإنما تقوم بعمل استباقي يقوم على الرصد والمتابعة والتنسيق. فهي تواكب مختلف مراحل العملية الانتخابية، وتتابع الشكايات، وترصد المؤشرات التي قد تنذر بوجود ممارسات مخالفة، سواء تعلق الأمر باستعمال المال الانتخابي أو استغلال النفوذ أو أي خرق آخر للقوانين المنظمة للانتخابات.
ومن زاوية أخرى، فإن إشراك النيابة العامة داخل هذه اللجان يمنحها بعداً قانونياً وقضائياً مهماً، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالمراقبة، وإنما بإمكانية تحريك الأبحاث والمتابعات القضائية بشكل فوري كلما توفرت المعطيات اللازمة. وهذا يعزز الردع، ويمنح جميع الفاعلين السياسيين إحساساً بأن القانون سيطبق على الجميع دون استثناء.
وفي تقديري، فإن نجاح هذه اللجان سيكون رهيناً بمدى قدرتها على التحرك بسرعة وحياد، والتفاعل مع مختلف الشكايات، مع الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأحزاب والمرشحين، لأن الثقة في الانتخابات تبنى أساساً على الثقة في المؤسسات التي تشرف عليها.
كيف تنظرون إلى استعدادات الأحزاب السياسية للانتخابات، وإلى ظاهرة انتقال الأعيان والمنتخبين بين الأحزاب مع اقتراب موعد الاقتراع؟
الانتخابات بالنسبة للأحزاب ليست مجرد محطة تنظيمية، وإنما هي لحظة لإعادة بناء التوازنات الداخلية وإعادة ترتيب مواقع القوة. ولهذا نشهد، قبل كل استحقاق، حركية كبيرة داخل التنظيمات السياسية، سواء فيما يتعلق بإعداد البرامج الانتخابية أو اختيار المرشحين أو تدبير التحالفات المحتملة.
غير أن ما يلفت الانتباه في المشهد السياسي المغربي هو استمرار ظاهرة الترحال السياسي وانتقال عدد من المنتخبين والأعيان بين الأحزاب. وهذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تطرح في كل مرة أسئلة حول طبيعة الانتماء الحزبي، ومدى ارتباطه بالمشروع السياسي أو بالاعتبارات الانتخابية البحتة.
في كثير من الحالات، يصبح الحزب بالنسبة لبعض الأعيان مجرد وعاء انتخابي يضمن فرصاً أكبر للفوز، وهو ما ينعكس سلباً على صورة العمل الحزبي وعلى ثقة المواطنين في الأحزاب. فالديمقراطية لا تقوم فقط على حرية التنقل بين التنظيمات، وإنما أيضاً على وضوح المرجعيات والبرامج واستقرار الانتماءات السياسية.
في المقابل، لا يمكن تحميل المسؤولية للأفراد وحدهم، لأن الأحزاب مطالبة بدورها بإعادة الاعتبار للعمل السياسي المؤطر، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وإعطاء الأولوية للكفاءة والالتزام بدل الحسابات الانتخابية الضيقة. كما أن عليها أن تقدم برامج واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين، لأن الناخب اليوم أصبح أكثر وعياً وأقل قابلية للتأثر بالشعارات التقليدية.
وأعتقد أن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 لا يتعلق فقط بمن سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، وإنما بقدرة الأحزاب على تجديد نخبها، واستعادة ثقة المواطنين، وتحويل التنافس الانتخابي إلى تنافس حول المشاريع والبرامج، لا حول الأشخاص. فإذا نجحت الأحزاب في ذلك، فإنها ستكون قد أسهمت في ترسيخ الممارسة الديمقراطية، أما إذا استمرت منطق الحسابات الفردية والانتقالات الظرفية، فإن ذلك سيؤثر سلباً على جودة التمثيل السياسي وعلى صورة المؤسسات المنتخبة في نظر الرأي العام.
*محلل سياسي –باحث في القانون العام والعلوم السياسي






