
فرنسا تدخل على وقع احتجاجات لم تعد تشبه مجرد غضب طلابي عابر. فبعدما انطلقت الشرارة الأولى من المدارس في شتنبر، اتسعت دائرة الاحتجاج لتشمل مئات المؤسسات التعليمية، وخرجت المطالب من نقص المدرسين وتدهور ظروف الدراسة إلى الشارع، حيث تحولت بعض التحركات إلى مواجهات وأعمال تخريب وحرائق، فيما وجدت السلطات نفسها أمام آلاف الموقوفين ومئات المصابين وتحقيقات في استخدام القوة. وبينما يستعد الطلاب والجامعيون والنقابات لخوض «الفصل الثالث» من التعبئة، تحاول الحكومة احتواء غضب يتجاوز أسوار المدارس، في مشهد تتقاطع فيه أزمة التعليم مع الأمن والقضاء والسياسة. ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، لم يعد التحدي أمام السلطات مجرد إعادة فتح أبواب المدارس، بل منع تحول غضب جيل كامل إلى أزمة اجتماعية أوسع، في وقت بات الشارع الفرنسي أمام اختبار جديد لقدرة الدولة على الاستماع إلى المطالب، وضبط الاحتجاج والحفاظ على النظام في آن واحد.
سهيلة التاور
من المدارس المغلقة إلى الشوارع التي تشهد صدامات، ومن آلاف الموقوفين والجرحى إلى الحرائق والتخريب، تتسع دائرة الغضب في بلد لم يعد أمام احتجاج طلابي عابر، بل أمام أزمة تتقاطع فيها المدرسة مع الأمن والقضاء والسياسة. أمس الثلاثاء (6 أكتوبر) دخلت الحركة الاحتجاجية مرحلة جديدة مع «الفصل الثالث» من التعبئة، وسط دعوات إلى مشاركة واسعة للطلاب والجامعيين والنقابات، فيما تحاول الحكومة إعادة الهدوء إلى المدارس واحتواء غضب يتجاوز أسوار المؤسسات التعليمية. وبقيت نحو 590 ثانوية مضطربة يوم الاثنين، عشية التحرك الوطني الجديد، بينما تستعد السلطات لانتشار أمني واسع.
وما بدأ في 17 شتنبر من مدرسة في ضواحي باريس، احتجاجا على نقص المدرسين وتدهور ظروف الدراسة، تحول، خلال أسابيع، إلى واحدة من أكثر موجات الاحتجاج الطلابي اضطرابا في البلاد. ومع دخول الحركة أسبوعها الثالث، لم يعد السؤال، فقط، ماذا يريد الطلاب، بل إلى أين يمكن أن يصل هذا الغضب، وهل تستطيع الدولة إطفاء الحريق قبل أن يمتد إلى جبهات اجتماعية وسياسية أوسع؟
شرارة بدأت من المدارس أشعلت البلاد
انطلقت الاحتجاجات من مدرسة سان إكزوبيري الثانوية في كريتاييه بضواحي باريس، بعدما احتج مدرسون على نقص الموظفين والموارد التعليمية وظروف العمل. وسرعان ما انضم الطلاب إلى التحرك، قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى مؤسسات أخرى وتتحول المطالب المحلية إلى حراك وطني.
وخلف مشاهد الاحتجاج تقف قائمة طويلة من المطالب. فالطلاب يشتكون من نقص المدرسين وعدم تعويض الغياب بصورة منتظمة، واكتظاظ الفصول، وتدهور المباني المدرسية، وارتفاع درجات الحرارة داخل بعض الأقسام، وطول أيام الدراسة، فضلا عن القلق المتزايد بشأن المستقبل الدراسي والمهني.
ويحتل نظام «باركور سوب» للقبول الجامعي موقعا بارزا في الاحتجاجات، إذ يعتبره طلاب كثيرون مصدرا للضغط وعدم المساواة في الوصول إلى التعليم العالي. فيما ظهرت مطالب أخرى مرتبطة بالحياة اليومية داخل المؤسسات، من بينها تنظيم ساعات الدراسة والقيود على استخدام الهواتف.
وتؤكد النقابات التعليمية أن مطالب الطلاب تتقاطع إلى حد كبير مع مطالب المدرسين أنفسهم، لذلك أعلنت دعما للتحرك. وتقول «سي جي تي» إن الاحتجاجات تعكس غضبا بسبب نقص المدرسين والموظفين، واكتظاظ الفصول، وتدهور ظروف الدراسة وتقادم المؤسسات، إضافة إلى القلق بشأن مستقبل الشباب.
من احتجاج سلمي إلى صدامات وحرائق
لم يبق الاحتجاج في حدوده السلمية، ففي الأيام الأخيرة شهدت مدن فرنسية عدة مواجهات بين الطلاب وقوات الأمن، وأعمال تخريب وحرائق، وأضرارا طالت مؤسسات تعليمية، إلى جانب إصابات في صفوف الطلاب والعاملين في التعليم والشرطة.
وبحسب المعطيات الفرنسية الأخيرة، أصيب ما لا يقل عن 190 طالبا منذ بداية الحركة، فيما تعرض عدد من الإصابات لانتقادات شديدة بسبب خطورتها. فيما أصيب 78 من العاملين في قطاع التعليم، في وقت أعلنت وزارة الداخلية إصابة مئات من أفراد قوات الأمن، وفتحت هيئة التفتيش العام للشرطة الوطنية عشرة تحقيقات بشأن وقائع يحتمل أن تكون فيها الشرطة استخدمت القوة بصورة مخالفة للقواعد.
وتعرضت أكثر من عشرين مدرسة للحرق أو التخريب، فيما اضطرت السلطات إلى إغلاق مئات المؤسسات كليا أو جزئيا بسبب عدم توفر شروط السلامة. وكانت الحكومة أعلنت أن ما بين 400 و500 ثانوية قد تتوقف فيها الدراسة، في حين تجاوز عدد المؤسسات المضطربة في إحدى مراحل التصعيد الألف.
هكذا أصبحت المدرسة نفسها ساحة المواجهة، وأصبح استئناف الدراسة مرتبطا بقدرة السلطات على ضمان الأمن داخل محيط المؤسسات.
طالب يفقد يده.. والحريق السياسي يشتد
أكثر الأحداث إثارة للغضب وقع أول أمس الاثنين بمدينة لانس، حيث فقد طالب يبلغ 15 عاما يده بعد انفجار قنبلة يدوية كان التقطها، بحسب السلطات. وفتحت النيابة تحقيقا في الحادثة، بينما تحولت إصابة الطالب إلى رمز جديد في الجدل حول تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات.
لم تكن الحادثة معزولة عن سلسلة إصابات أثارت انتقادات متزايدة. إذ تعرض طالب آخر لإصابة خطيرة في عينه في مدينة تور، وأصيب ثالث في سان أوين لومون بكسر مزدوج في الفك، وسط تحقيقات في بعض هذه الوقائع.
هذه التطورات أشعلت موجة غضب حقوقية وسياسية، خصوصا أن جزءا كبيرا من المتظاهرين من القاصرين. واعتبرت منظمات حقوقية ونقابات أن الرد الأمني تجاوز في بعض الحالات الحدود المقبولة، وطالبت بخفض التصعيد وفتح حوار مباشر مع الشباب.
في المقابل تؤكد السلطات أن قوات الأمن تواجه أعمال عنف حقيقية، بينها إحراق منشآت وإلقاء الحجارة ومهاجمة عناصر الشرطة، وأن حماية المدارس والطلاب والعاملين فيها تفرض إعادة النظام إلى محيط المؤسسات.
وبذلك أصبحت الشرطة جزءا أساسيا من الأزمة، لا مجرد طرف مكلف بإنهائها.
آلاف الموقوفين.. والقضاء يدخل المواجهة
مع اتساع المواجهات، اتخذت الأزمة بعدا قضائيا أيضا. إذ تجاوز عدد المحتجزين منذ بداية الحركة 6 آلاف شخص، بينهم نحو 5 آلاف وضعوا رهن الحراسة النظرية، معظمهم من القاصرين.
هذا الرقم أثار نقاشا حادا حول كيفية تعامل الدولة مع القاصرين المشاركين في الاحتجاجات. ففي حين يرى منتقدو السلطات أن الاعتقالات الجماعية يمكن أن تزيد غضب الشباب وتدفع الحركة إلى مزيد من التصعيد، يرى آخرون أن صغر سن المتظاهرين لا يمكن أن يكون سببا للتغاضي عن أعمال العنف والتخريب.
ويذهب الطبيب النفسي للأطفال موريس بيرجيه والقاضي ألكسندر ستوبينسكي إلى أن غياب السوابق الجنائية لدى معظم الموقوفين لا ينبغي أن يحجب خطورة بعض الأفعال، سيما الاعتداء على الشرطة أو إحراق المؤسسات. وفي المقابل حذر عشرات المحامين من استخدام الحراسة النظرية على نطاق واسع بحق القاصرين، معتبرين أن الحرمان من الحرية يجب أن يبقى إجراء استثنائيا.
هكذا انتقلت الأزمة من الشارع إلى المؤسسات القضائية، وأصبح السؤال المتعلق بمسؤولية القاصرين وعواقب أفعالهم جزءا من المواجهة نفسها.
«الفصل الثالث».. فرنسا أمام تصعيد الثلاثاء
دخلت الاحتجاجات، أمس الثلاثاء، مرحلة جديدة.. حيث دعت المنظمات الطلابية والنقابات إلى تعبئة واسعة في أنحاء البلاد، مع انضمام الجامعيين والعاملين في قطاعات أخرى إلى التحرك.
وتتوقع السلطات مشاركة واسعة، ونشرت جهازا أمنيا مهما تحسبا لاضطرابات جديدة، بينما يتطلع منظمو الحركة إلى ما يسمونه «تقارب النضالات» بين طلاب المدارس الثانوية والجامعات والعمال. وأطلقت منظمات طلابية ونقابية منصة مشتركة تتضمن عشرة مطالب عاجلة، في محاولة لتوحيد مختلف مكونات الحركة.
وفي باريس ومدن أخرى، بدأت التحركات منذ الصباح، مع عودة أساليب إغلاق مداخل المدارس باستخدام حاويات القمامة والدراجات وغيرها من الوسائل. في الوقت نفسه دعا مكتب رئيس الوزراء إلى أن تبقى المطالب ضمن إطار «سلمي وقانوني وديمقراطي»، في محاولة لمنع تكرار مشاهد العنف التي شهدتها الأيام السابقة.
لكن الخطر الذي تخشاه السلطات أن يتحول «الفصل الثالث» إلى نقطة تجمع لمختلف أشكال الغضب الاجتماعي، وأن تتجاوز الاحتجاجات مطالب التعليم لتصبح مساحة أوسع للاحتجاج على السياسات الحكومية.
ثلاثة قادة.. وحراك بأكثر من وجه
لا تتحرك الاحتجاجات بقيادة واحدة أو ضمن اتجاه سياسي موحد. فقد برزت ثلاثة أسماء شابة تمثل تيارات مختلفة داخل الحركة.
رياض راني، رئيس الاتحاد النقابي لطلاب المدارس الثانوية، هو أحد أبرز الأصوات القريبة من اليسار. ويقر بأنه يساري، لكنه ينفي انتماءه الحزبي ويرفض اتهام الحركة بأنها مجرد أداة سياسية، معلنا رفضه للعنف.
أما ناتانايل كومباري، من حركة «التجديد الطلابي»، فيمثل توجها أكثر اعتدالا وقربا من الوسط السياسي، وهو عضو في حزب النهضة منذ 2024. ومع ذلك يدافع عن مطالب تحسين المدارس وزيادة الموارد ومعالجة نقص المدرسين، فيما يرفض أعمال العنف واتهام نظام «باركور سوب» بأنه أصل كل المشكلات.
أما بيير سورزا، رئيس جمعية «طلاب المدارس الثانوية»، فيمثل الاتجاه المؤسساتي داخل الحركة. ويرى أن ضعف التمثيل الديمقراطي للطلاب ومحدودية صلاحيات المؤسسات التي يفترض أن تنقل أصواتهم ساهمت في دفع الشباب إلى الشارع.
ويكشف اختلاف هؤلاء القادة أن الحراك ليس كتلة سياسية واحدة، وإنما حركة واسعة تجمع مطالب مشتركة وتيارات متباينة.
الحكومة تحاول إطفاء النار
أمام اتساع الأزمة، يحاول رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، استعادة زمام المبادرة عبر خطة من خمسة محاور.
وتشمل الخطة تسريع تعويض المدرسين الغائبين وشغل الوظائف الشاغرة، وتحسين المدارس والمرافق، وإعادة تنظيم أيام الدراسة، وتعزيز شفافية «باركور سوب»، ومنح الطلاب مساحة أكبر للمشاركة في الحياة المدرسية والقرارات التي تخصهم.
وطلب لوكورنو من السلطات التعليمية إعطاء الأولوية لتعويض الغيابات الطويلة وشغل الوظائف الشاغرة، داعيا إلى العمل مع المجالس الإقليمية لتجديد المؤسسات التعليمية وتحسين ظروف الدراسة، بما في ذلك مواجهة موجات الحر.
وتراهن الحكومة كذلك على التمويل، إذ أعلن لوكورنو أن مشروع موازنة 2027 يتضمن زيادة قدرها 1.2 مليار يورو لموازنة وزارة التعليم، لترتفع الاعتمادات إلى نحو 64 مليار يورو.
لكن المشكلة أن الحكومة تتحرك في وقت بات الغضب أوسع من مجرد أرقام في الموازنة. فجزء من الطلاب يقول إنهم يريدون أن يسمعهم أحد، وإنهم لا يحتجون من أجل الاحتجاج، بل لأنهم يرون أن مستقبلهم الدراسي والمهني أصبح مهددا.
أزمة مدرسة أم أزمة دولة؟
تتجاوز الأحداث حدود المدارس، ففرنسا أمام مشهد تتداخل فيه أزمة التعليم مع أزمة الثقة، والاحتجاج مع الأمن، والقاصر مع الشرطة والشارع مع القضاء.
المعلمون يقولون إن المدرسة تعاني منذ سنوات من نقص الموارد والموظفين. الطلاب يرون أن الدولة لا تستجيب بما يكفي لمطالبهم. النقابات تخشى من تدهور شروط التعليم والعمل. والمعارضة تتهم الحكومة باللجوء إلى القوة، بينما ترد السلطات بأن بعض الأطراف تحاول استغلال الاحتجاجات وتحويلها إلى مواجهة سياسية.
في الوقت نفسه تتسع دائرة التضامن، حيث انضمت النقابات التعليمية إلى الطلاب، وقررت منظمات جامعية المشاركة، فيما دعت أحزاب يسارية إلى النزول إلى الشارع، ما يمنح تحرك الثلاثاء بعدا يتجاوز الحركة الطلابية الأصلية.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، يصبح أي احتجاج اجتماعي واسع أكثر حساسية سياسيا، سيما إذا استمر في الانتشار أو التقى مع مطالب فئات أخرى.
فرنسا أمام اختبار مفتوح
فرنسا اليوم ليست أمام أزمة مدرسية فقط. إنها أمام مشهد مشتعل تتجاور فيه المدارس المغلقة مع الشوارع المتوترة، والإصلاحات الحكومية مع الاعتقالات، والمطالب المشروعة مع أعمال التخريب، والحق في الاحتجاج مع الحاجة إلى حماية المؤسسات.
ولا يمكن اختزال الحراك في العنف، ولا تبرير العنف باسم الحراك. فالمطالب المتعلقة بالمدرسين والمباني والاكتظاظ وظروف الدراسة ونظام القبول الجامعي موجودة فعلا، وتحظى بدعم واسع من النقابات التعليمية. وفي المقابل فإن إحراق المدارس أو الاعتداء على الشرطة أو تعريض الآخرين للخطر لا يمكن أن يصبح جزءا طبيعيا من الاحتجاج.
والأكثر حساسية أن معظم المحتجين من القاصرين، ما يضع الدولة أمام مسؤولية مزدوجة: حماية حق هؤلاء الشباب في التعبير، وحمايتهم أيضا من العنف، سواء صدر عن متظاهرين أو وقع أثناء تدخلات قوات الأمن.
أمس الثلاثاء دخلت فرنسا «الفصل الثالث» من احتجاجات الطلاب وهي تحمل حصيلة ثقيلة من الإصابات والاعتقالات والأضرار، فيما لا تزال مئات المدارس تعاني اضطرابات. وقد تكون قدرة الحكومة على فتح قنوات حوار حقيقية وتنفيذ إجراءات ملموسة عاملا أساسيا في تحديد اتجاه الأزمة خلال الأيام المقبلة.
لكن المؤكد أن النار، التي بدأت من أبواب المدارس، لم تعد محصورة داخلها. فقد خرج الغضب إلى الشارع، ودخل الأمن والقضاء والسياسة على خط المواجهة، وبدأت النقابات والجامعات بالانضمام إلى المشهد.





