حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

العضلة النائمة

يعتقد البعض أن الصالة الرياضية مجرد مكان ترفع فيه الأثقال وتنخفض فيه نسبة الدهون، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير. فالصالة الرياضية ليست مؤسسة رياضية بقدر ما هي مختبر اجتماعي مفتوح، يمكن لمن يتأمل تفاصيله أن يكتب أطروحة كاملة في علم الاجتماع، ورسالة ماستر في علم النفس وربما رواية عاطفية أيضاً.

يكفي أن تجلس دقائق قليلة في إحدى الصالات الرياضية المغربية لتكتشف أنك أمام مجتمع مصغر يعيد إنتاج كل التراتبيات والرموز والسلوكيات الموجودة خارجه. هناك من يدخل الصالة وكأنه في مهمة عسكرية لإنقاذ الاقتصاد الوطني، يحمل قارورة ماء بحجم خزان نفطي وسماعات تكفي لتوجيه طائرة مدنية، ويتحرك بين الأجهزة بجدية عالم فيزياء نووية على وشك اكتشاف جسيم جديد.

في المقابل هناك فئة أخرى جاءت إلى الصالة الرياضية لأسباب لا علاقة لها بالرياضة إطلاقاً. فبعضهم يتعامل مع الاشتراك الشهري كأنه تذكرة دخول إلى معرض اجتماعي دائم. ساعة كاملة أمام المرآة، عشر دقائق من التمارين، ومئات الصور التي تثبت للأصدقاء أن رحلة بناء العضلات تسير بنجاح، حتى لو كانت العضلة الوحيدة التي تطورت فعلاً هي عضلة التصوير.

الأمر الأكثر إثارة هو أن الصالة الرياضية تكشف الفوارق الطبقية بطريقة أكثر وضوحاً من كثير من المؤشرات الاقتصادية. فطريقة اللباس، ونوعية الأحذية، والعلامات التجارية المعلقة على القمصان وحتى نوعية المكملات الغذائية الموضوعة بعناية فوق المقاعد، كلها إشارات اجتماعية صامتة تقول أكثر مما تقوله الكلمات. بعض الناس يرفع الأثقال وبعضهم يرفع مكانته الاجتماعية أمام الآخرين.

أما على المستوى النفسي، فالصالة الرياضية تشبه جلسة علاج جماعي غير معلنة. هناك من جاء ليهزم السمنة، وهناك من جاء ليهزم الاكتئاب وهناك من يحاول الانتقام من حبيب سابق عبر اكتساب عضلات إضافية. عدد كبير من المشتركين لا يطاردون الوزن المثالي بقدر ما يطاردون نسخة أفضل من أنفسهم، لذلك لا غرابة أن ترى شخصاً يحتفل بخسارة كيلوغرام واحد وكأنه فاز بجائزة نوبل.

ومن أكثر التحولات إثارة في المجتمع المغربي انتشار الصالات الرياضية المختلطة بشكل واسع. قبل سنوات فقط، كان مجرد تصور وجود نساء ورجال يتدربون في المكان نفسه كافياً لإطلاق نقاشات أخلاقية لا تنتهي. أما اليوم فقد أصبح المشهد عادياً إلى درجة أن أغلب الناس لم يعودوا يلاحظونه أصلاً.

هذه الظاهرة ليست مجرد تغيير في أنماط الاستهلاك الرياضي، بل تعكس تحولات ثقافية أعمق. فالمرأة المغربية الحديثة لم تعد تعتبر العناية بصحتها الجسدية ترفاً أو فعلاً يحتاج إلى تبرير اجتماعي. كثير من النساء أصبحن يخصصن وقتاً وجهداً ومالاً لأنفسهن دون الشعور بالذنب الذي كانت بعض الخطابات التقليدية تحاول فرضه. الحشومة التي كانت تمنع المرأة من الجري أو حمل الأوزان الثقيلة تراجعت أمام قناعة أبسط وأكثر عقلانية: الصحة ليست فضيحة والرياضة ليست خروجاً عن التقاليد.

والمفارقة أن كثيراً من الرجال، الذين كانوا ينظرون بريبة إلى هذه الظاهرة، وجدوا أنفسهم لاحقاً يتدربون بجانب النساء بشكل طبيعي جداً، منشغلين في الغالب بمحاولة إكمال مجموعة تمارين إضافية أو إخفاء آلام العضلات التي تهاجمهم في اليوم التالي.

لكن لا يمكن الحديث عن الصالات الرياضية دون التطرق إلى أكثر فصولها طرافة: قصص الإعجاب والحب الصامت. فالصالة الرياضية ربما تكون المكان الوحيد الذي يمكن أن يقع فيه شخص في الإعجاب دون أن يعرف حتى اسم الطرف الآخر. نظرات متبادلة قرب جهاز المشي، ابتسامة عابرة عند حامل الأثقال، أو مساعدة تقنية بسيطة في تعديل وضعية تمرين، لتبدأ في المخيلة قصة رومانسية كاملة قد لا تتجاوز في الواقع ثلاث كلمات.

بعض العلاقات تبدأ فعلاً داخل الصالات، وبعضها تبقى حبيسة تبادل النظرات لأشهر طويلة. والسبب بسيط: الجميع يدّعي أنه جاء من أجل الرياضة فقط، بينما يعرف الجميع أن البشر يحملون معهم فضولهم العاطفي أينما ذهبوا.

في النهاية تبدو الصالة الرياضية مكاناً لتقوية العضلات، لكنها في الواقع مرآة تعكس المجتمع بكل تناقضاته. فيها الطموح والغرور، والانضباط والاستعراض، والتحرر والمحافظة، والصحة والبحث عن القبول الاجتماعي. إنها، ببساطة، نسخة مصغرة من العالم الخارجي، مع فارق وحيد: هنا تُرفع الأثقال علناً، بينما تُخفى الأعباء النفسية والاجتماعية بعناية أكبر.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى