
تحولت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أول أمس الاثنين، إلى ساحة للمزايدات السياسية حول من يملك أسبقية المطالبة بمحاربة الفساد، بعدما أعاد النقاش بشأن إخراج قوانين تجريم الإثراء غير المشروع ومحاربة تضارب المصالح وتبييض الأموال فتح جراح قديمة بين الأحزاب السياسية، وكشف حجم التنافس حول هذا الملف الذي ظل لسنوات طويلة حاضرا في الخطابات والبرامج الانتخابية، دون أن يجد طريقه إلى التشريع والتنفيذ.
وبين مطالب فريق حزب الاستقلال بتفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟»، الذي رفعه منذ ستينيات القرن الماضي، دون تحقيقه على أرض الواقع، رغم تحمل الحزب لمسؤولية قيادة الحكومة والمشاركة في حكومات متعاقبة، وتأكيد الفريق الاشتراكي أنه سبق أن تقدم بمقترحات تشريعية في الموضوع، وتمسك نواب العدالة والتنمية بمساءلة الحكومة عن سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، بدا واضحا أن محاربة الفساد تحولت إلى موضوع للتنافس الحزبي على امتلاك المبادرة والسبق السياسي.
لكن المفارقة أن هذا التنافس يعيد إلى الواجهة سؤالا محرجا يتعلق بمصداقية الأحزاب نفسها، وبمدى استعدادها لمراجعة حصيلتها عندما كانت في موقع المسؤولية، بدل الاكتفاء بتقديم الدروس للآخرين. وفي هذا السياق، يبرز حزب العدالة والتنمية الذي سبق الحكومة في الأسبوع الأول من ولايتها، بتقديم مقترحات قوانين تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع ومحاربة تضارب المصالح، وكأن الحزب لم يسبق له أن قاد الحكومة في ولايتين، ورفع شعار «محاربة الفساد» في حملته الانتخابية التي قادته إلى رئاسة أول حكومة، بعد دستور 2011.
لقد كان الحزب أمام فرصة سياسية ومؤسساتية لترجمة شعاراته إلى قوانين وإجراءات عملية، لكنه لم ينجح في إخراج هذه النصوص التي يطالب بها اليوم، واكتفى بإطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي رصدت لها ميزانية قدرت بنحو 1.8 مليار درهم، وتضمنت 239 مشروعا موزعا على عشرة برامج، وكان الوزير المنتدب المكلف بالوظيفة العمومية آنذاك، محمد مبديع، يتولى تقديم تفاصيلها والإعلان عن برامجها.
وفي مفارقة تثير الاستغراب، فإن مبديع الذي كلفه رئيس الحكومة الأسبق، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، بتنزيل هذه الاستراتيجية، يوجد اليوم خلف قضبان السجن، بعدما أدانته محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بالسجن النافذ لمدة 13 سنة في ملف يتعلق بـ«الفساد» بجماعة الفقيه بن صالح، التي ظل يترأسها لمدة تقارب 30 سنة.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اختزال مسؤولية تعثر محاربة الفساد في حزب واحد أو حكومة بعينها، لأن هذا الورش ظل يتعثر عبر ولايات حكومية متعاقبة، كما أن الأحزاب التي تتنافس اليوم على أسبقية تقديم المقترحات، سبق أن تحملت المسؤولية في هذه الحكومات.
لقد آن الأوان لكي تتوقف الأحزاب عن تحويل محاربة الفساد إلى ورقة للمزايدة السياسية، وأن تخضع جميعها للمساءلة عن ماضيها، قبل أن تقدم نفسها اليوم باعتبارها صاحبة الحل، وبذلك تحول هذا الملف إلى مادة للاستهلاك السياسي كلما احتدم التنافس بين الأغلبية والمعارضة، ثم تعود القوانين إلى رفوف الانتظار بمجرد انتهاء الجلسات البرلمانية.
إن الفساد لا يحتاج إلى مزيد من الخطب والشعارات، وإنما إلى إرادة سياسية تترجم الالتزامات الحزبية إلى تشريعات ملزمة وآليات رقابة مستقلة ومحاسبة فعلية، دون انتقائية أو استثناء.





