
تناولت الكثير من الكتابات الأدبية المغرب موضوعا لها، حيث وقفت على تميزه الحضاري واختلاف أساليب العيش والعادات، وسمة التعدد التي ميزت المغرب في المجال الطبيعي على المستوى الجغرافي واللغوي والعمراني والإرث التاريخي، الذي مازال حيا في كل مظاهر الحياة المغربية. كانت هذه الكتابات عن المغرب قد أتت لأسباب سياحية صاحبتها حالة من الانبهار والشغف بالبلد وميزاته الاجتماعية والحضارية، وأخرى سياسية طابعها البحث والاستكشاف، في مظهر أدبي أو علمي، يخفي غاياته الاستعمارية.
نواف القديمي أوراق مغربية
كتب الكاتب والباحث السعودي عن رحلته إلى المغرب: «زيارتي إلى المغرب كانت الأولى بالنسبة إلي، ورغم أنني لم أكن أشعر بكثير من الحماس لتلك الزيارة، إلا أنه كان يُغالب هذا الشعور شغف ذهني لمعرفة كثير من تفاصيل الحالة الاجتماعية والثقافية والسياسية في المغرب، غير تلك التي نتابعها في وسائل الإعلام أو من خلال الكتب والدراسات، التي لا تكفي بالطبع لرسم مشهد دقيق وتفصيلي لطبيعة الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في المغرب…
… في الليل تبدو الدار البيضاء مشابهة لمعظم المدن الأوروبية، حيث تخف الحركة في الطرقات بعد الساعة التاسعة أو العاشرة بشكل ملحوظ، وتصبح المدينة هادئة وأكثر استرخاء… وبعد ساعة من التجوال أخبرنا حسام أنه يعرف مقهى جيدا جلس فيه عدة مرات سابقا، اتجهنا إلى هذا المقهى، الذي اكتشفت أن له حكاية بعد ذلك. وجلسنا على طاولة في أحد الأركان، واستمر تداعي الحكايات والنكات والقصص والنقاشات حول عدد من الموضوعات…
أيا كان السبب وراء قدومي إلى المغرب، فإن عدم رؤية بعض المواقع والتجول ببعض المدن الشهيرة يعد ناقضا من نواقض الرحلة. وكما أن الحج عرفة، فالمغرب هو مراكش، لذا قررت أن أذهب في يومي اللاحق لرؤية مدينة مراكش لبضع ساعات فقط، ومن ثم العودة إلى الدار البيضاء مساء في اليوم ذاته. من أفضل ما يلاقيه السائح في المغرب هو شبكة الخطوط الحديدية التي تصل إلى كل المدن الرئيسية تقريبا.
في الرحلة إلى مراكش
… بعد خروجي من جامع الكتبية توجهتُ مباشرة إلى ساحة الفناء. حين اقتربتُ من ساحة الفناء، وبدأتُ الولوج إلى محيطها، شعرت وكأنني أسير في مشاهد فيلم تاريخي قديم… اكتظاظ أعداد كبيرة من الناس وسط ساحة واسعة وممتدة، تحيط بها أبنية قديمة من كل الجهات، وعلى أطرافها مطاعم ومقاه شعبية، وفي ثناياها عشرات التجمعات والعروض الشعبية، وعربات المأكولات، والبهلوانيون، وبائعو الحيوانات، وعدد كبير من المغاربة والسياح من كل دول العالم، ومشاط وتوهج ينضحان من وجوه الجميع.
تجولتُ في كل نواحي الساحة، وقفتُ عند بعض العروض البهلوانية، وشربتُ عصيرا محليا غريبا من إحدى العربات، وصوّرتُ الحاوي وهو يعزف للأفاعي من بوقه لتتعالى وتقف مع كل مقطوعة جديدة. بعد ساعة من التجوال في ساحة الفناء، توجهت إلى العربات التي تجرها الأحصنة، واتفقتُ مع أحد السائسين على أن يتجول بي في أرجاء مراكش. اكتشفتُ أن لمراكش وجها شديد الحداثة، فنادق فخمة، وأسواق كبيرة، وشوارع واسعة… بعد مرور بعض الوقت من جولتي في مراكش الحديثة قلت للسائس، وكان اسمه كريم: ما لهذا تُشدّ الرحال يا كريم… أعدني إلى أزقة المدينة القديمة…
رأيتُ على أطراف مراكش القديمة سور المدينة الضخم، والمبني من الحجر الأحمر الداكن، وإحدى بوابات مراكش التاريخية… في أرجاء المدينة القديمة أحياء متعددة، لا يزال يسكن بها أكثر من مائة ألف إنسان، وفيها أزقة ضيقة لا يتسع بعضها لأكثر من عابر واحد، وعلى جانبي طرقاتها مبان قائمة منذ مئات السنين، وأسواق شعبية مكتظة تحوي كل التراث المراكشي الأصيل، ومطاعم ومقاه ودكاكين متنوعة.
روح مراكش الضاجة بالحياة
الظاهرة اللافتة في مراكش هي كثرة الدراجات النارية… أعدادها الكبيرة المتوقفة على جنبات الشوارع وبقرب الدكاكين… وكثافتها وهي تسير في الطرقات، ومنظر النساء حتى المحجبات، وهن يقدن دراجاتهن بكل أريحية، وهو أمر لا تكاد تراه في المدن المغربية الأخرى… اتجهتُ إلى وسط الساحة مجددا، ودخلت إلى مطعم شعبي مكشوف في وسط الساحة بعد أن راق لي شكله كثيرا، وسألت النادل إن كان هناك مأكولات مراكشية خالصة، فوضع لي بعضا منها على إحدى الطاولات الممتدة التي تستخدمها كل المطاعم وسط الميدان. بعد فراغي من الأكل، توجهت إلى أطراف الساحة، وألقيت بجسدي المنهك على مقعد خشبي في مقهى مرتفع يطل على المشهد الليلي المبهر لساحة الفناء، طلبت شايا مغربيا… وأخذت أملأ رئتي من الهواء المراكشي البارد، وأتأمل الساحة المشعة، وأكتبُ:
«كل العالم يتكثف في ساحة الفناء، صهيل خيول المرابطين، ووقع جيوش الموحدين، وضوضاء طبول الحرب، ودوي الحشود، وصخب المنادين، وصليل السيوف، والأسمال العتيقة، والعمائم المتمايلة، والوجوه المتوهجة، وناسخو الرقاع، والأفاعي المسترخية على أكتاف الحواة، وعازفو الأعواد القديمة، والراقصون على هتاف النصر، وبائعو الحيوانات الغريبة. ضجيج العالم القديم، ووهج الأبنية المغبرة الضاربة في عمق الزمن، كل شيء هنا يُشعرك أنك جزء من مشهد يتكرر بكل تفاصيله منذ قرون، وأن العولمة عجزت أن تفعل فعلها في هذه الجغرافيا المنزوعة من أعماق التاريخ. مواسم الضجر لا تحل في سماء ساحة الفناء، وقوافل المنهكين والمكدودين لا تعبر مسالكها ولا تطأ ترابها، وأزمنة التداعي والانكسار لا تتسرب إلى دواخل رجالات هذا الميدان المكتظ بالزهو والبهجة.
لا حل لتلك العيون الواجفة المرتعشة، التي ترتكب مزيدا من العثرات، وتلهث وراء الوجع، وتنوء بحمل ذهنها المتعب، سوى أن تحقن أوردة جسدها المهدور بجرعات من هواء ساحة الفناء، وتسكب على رأسها قطرات من ماء الأمل الذي ينهال على مسارب المدينة وأزقتها القديمة… عليها أن تتوسد حنين مراكش، وتجنح مع خيالها الخصب، وتتوارى خلف روحها الضاجة بالحياة
هنا حلم آثر الهوى أن يُطِيله».
نافذة:
مواسم الضجر لا تحل في سماء ساحة الفناء وقوافل المنهكين والمكدودين لا تعبر مسالكها ولا تطأ ترابها وأزمنة التداعي والانكسار لا تتسرب إلى دواخل رجالات هذا الميدان المكتظ بالزهو والبهجة





