
يونس جنوحي
التطورات التي عرفتها الأحداث في فرنسا، أول أمس الأحد، لم تكن لتخطر على بال أكثر المحللين الفرنسيين تشاؤما بشأن المستقبل.
فرنسا فوق صفيح ساخن. البلد الذي برعت معامله بعد الحرب العالمية الثانية في صناعة أشهر أنواع «الطناجر»، يطبخ أزمة اجتماعية على نار هادئة، داخل قِدر مقاوم للالتصاق.
المظاهرات تحولت إلى أحداث عنف. الحقوقيون يتهمون السلطات باستفزاز المتظاهرين، ويتمسكون بأن الأمر كله يتعلق بأزمة اجتماعية، حولتها التدخلات الأمنية إلى «غضب عارم ضد الدولة». عنوان يصلح لكتاب في علم الدراسات الاجتماعية، العِلم الذي أسس له علماء الاجتماع الفرنسيون وتُرجمت مؤلفاتهم العلمية إلى اللغات الحية، يقف عاجزا عن التأصيل لما تعرفه فرنسا هذه الأيام.
إن الأمر يتعلق بامتداد تاريخي لما كان يعرف سابقا بـ«جماعة اليد الحمراء».
وهي جماعة إرهابية فرنسية مارست نشاطها في المغرب في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، و«ازدهر» نشاطها أكثر ما بين 1953 ونونبر 1955.
استقطبت منظمة «اليد الحمراء» الإرهابية الفرنسيين المتعصبين المقيمين في الدار البيضاء على وجه الخصوص، إذ كان المعمرون الفرنسيون الذين يملكون محلات البقالة والحانات على طول شارع محمد الخامس الحالي، بدءا من محيط محطة قطار المسافرين في حي «بيلفيدير»، والذي يعبر قلب الدار البيضاء النابض وصولا إلى المدينة القديمة، كلهم أعضاء نشيطين فيها.
مهمة «اليد الحمراء» كانت وضع لائحة بأسماء المغاربة الذين يجب اغتيالهم. وكلما نفذت الخلايا السرية للمقاومة عملية في الدار البيضاء، تخرج «اليد الحمراء» في اليوم الموالي وتدعو علانية إلى اغتيال شخصيات مغربية، ويعتدي أفرادها على المارة العُزل.
أعضاء «اليد الحمراء» كانوا يحتفظون بالسلاح خلف ثلاجات المحلات وأقبية المنازل، ولا يترددون في استعماله والتأكد من دقة التصويب في أجساد الأبرياء من المغاربة.
هؤلاء الفرنسيون جاؤوا إلى المغرب مُشبعين بذكريات الحرب العالمية الأولى، وتحفظ ذاكرتهم مشاهد دموية، لم يكن لديهم أي مانع من تكرارها في المغرب.
كانت جماعة «اليد الحمراء» تخرج علانية، بحماية من البوليس، لاعتراض طريق موكب الجنائز في طريقها إلى مقبرة «أهل فاس»، التي توجد أطلالها اليوم على مقربة من مسجد الحسن الثاني، وكأن أفرادها يذكرون المغاربة بأن دفن الموتى المغاربة في بلادهم لن يتم إلا بموافقة فرنسا.
هؤلاء المتعصبون خسروا المعركة ضد المغرب والمغاربة، وغادروا صاغرين في السفن عبر ميناء الدار البيضاء، وبرا إلى طنجة، ومنها إلى فرنسا، بلدهم الأصلي. وهناك خفت نشاطهم «الإرهابي».
لم يحدث أن تبرأت فرنسا من أنشطة «اليد الحمراء» في المغرب، رغم أن رموز التنظيم كانوا معروفين في الدار البيضاء، وكانوا يخرجون لتهديد المغاربة بوجه مكشوف، بل إن بعضهم ممن كانوا يملكون محلات تجارية، في شارع محمد الخامس حاليا، لم يكونوا يترددون في إعلان توفرهم على السلاح، ويعلقون بنادق على أبواب المحلات، تماديا في ممارسة سياسة الترهيب، واستفزاز المغاربة.
لكن الظاهر أن أحفاد أعضاء الجماعة لا يزالون يحملون جينات أجدادهم، وهاهم يعتدون على المتظاهرين من أبناء جِلدتهم، ويوفرون لقوات الأمن غطاء لقمع المظاهرات.
الفرنسيون يقولون إن البلاد تحتاج إلى انتعاشة جديدة، ولمَ لا إلى جمهورية سادسة!
أعمال التخريب الحالية تكشف ذلك الوجه الذي حاولت فرنسا إخفاءه لسبعة عقود متواصلة.. «الحرية، الإخاء، والمساواة»، شعار فرنسا التاريخي الذي رسخه الفرنسيون أكثر بعد ميلاد الجمهورية الفرنسية الخامسة سنة 1958، لم يعد يصلح الآن إلا ليزين واجهات المؤسسات، أما جدرانها فلم تعد تحمل سوى العبارات العنصرية في حق الدولة، وفي حق المتظاهرين أيضا.




