
ليست أخطر تجارة في عصرنا هي تجارة السلاح أو المخدرات، بل تجارة الأوهام المغلفة بمصطلحات فلسفية براقة. يكفي أن تمنح فكرتك اسما أجنبيا، وأن تستشهد بفيلسوف عاش قبل قرنين، وأن تتحدث بنبرة الواثق الذي اكتشف سر الكون، حتى تتحول إلى نبي صغير على منصات التواصل، يوزع صكوك الوعي على جمهور يبحث عن إجابات سهلة لأسئلة معقدة. والمفارقة أن كثيرا من هؤلاء لا يبيعون الحقيقة، بل يبيعون مزاجهم الشخصي في لحظة معينة، ثم يسمونه مدرسة فكرية.
كم يبدو الإنسان شجاعا وهو يعلن أن الزواج مؤسسة انتهى تاريخ صلاحيتها، وأن الإنجاب فعل أناني، وأن الأسرة مجرد اختراع اجتماعي لتقييد الحرية. تبدو الجمل متماسكة، خصوصا عندما تُلقى وسط جمهور يصفق لكل ما يهدم المألوف. لكن المشكلة أن الحياة لا تمنح شهادات التخرج في الفلسفة، بل تمنح فواتير الكهرباء، وأقساط المدارس، وليالي المرض، ووحشة البيوت الفارغة، وحاجة الإنسان الدائمة إلى الانتماء. وهناك، تحديدا، يبدأ الامتحان الحقيقي.
المضحك أن أكثر من يتحدث عن التحرر من القيود، يصبح أول من يبحث عن الاستقرار عندما تتغير المرحلة العمرية. وأكثر من سخر من فكرة الأسرة، يكتشف فجأة أن صورة طفل يركض نحوه بعد يوم عمل طويل ليست مؤامرة اجتماعية، بل غريزة إنسانية يصعب إسكاتها بالشعارات. فجأة يختفي الخطاب الثوري، ويظهر ألبوم الزفاف، ثم صور العطلة العائلية، ثم النصائح عن التربية الإيجابية، وكأن الشخص نفسه لم يكن قبل سنوات يحاضر في عبثية كل ذلك.
علم النفس لا يستغرب هذه التحولات. فالإنسان بارع في تحويل ظروفه إلى قناعات، ثم تحويل قناعاته إلى عقائد. من يخاف الالتزام يصفه بالسجن، ومن يعجز عن العثور على شريك مناسب يعلن أن الحب خرافة، ومن يؤجل الإنجاب يكتشف فجأة فلسفة كاملة عن إنقاذ الكوكب من البشر. ليست كل هذه الأفكار خاطئة بالضرورة، لكنها كثيرا ما تكون تبريرات نفسية ترتدي ثياب الفكر. إنها آليات دفاع أنيقة، أكثر منها اكتشافات معرفية.
المشكلة لا تبدأ عندما يغير الإنسان رأيه، بل عندما يفرض رأيه المؤقت على الآخرين باعتباره الحقيقة المطلقة. هنا يتحول المثقف إلى بائع، والفكرة إلى سلعة، والاقتناع الشخصي إلى حملة دعائية. والأسوأ أن هناك دائما من يصدق. شاب يؤجل بناء حياته، لأنه اقتنع بأن الزواج عبودية، أو فتاة تزدري رغبتها الطبيعية في تكوين أسرة، لأنها تخشى أن تبدو أقل «تقدمية». وبعد سنوات، يكتشف الجميع أن صاحب النظرية نفسه غادر المسرح بهدوء، بينما بقي الجمهور يتجادل حول الشعارات التي تخلى عنها مؤلفها.
هذه ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت أكثر سرعة في زمن المنصات الرقمية. فالأفكار اليوم لا تحتاج إلى عقود حتى تنتشر، بل إلى مقطع قصير، وموسيقى مؤثرة، وبعض الاقتباسات المنسوبة خطأ إلى نيتشه أو دوستويفسكي. وهكذا يتحول المزاج الشخصي إلى تيار فكري، ويتحول الانطباع العابر إلى هوية، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أن الموضة الفكرية انتهت، وأن أصحابها انتقلوا إلى موضة أخرى لا تقل يقينا عن سابقتها.
الحياة، على عكس الإنترنت، لا تكافئ أكثر الآراء إثارة، بل أكثرها قابلية للعيش. ولذلك فهي لا تسأل الإنسان ماذا كتب، بل كيف عاش. لا تهتم بعدد المنشورات التي هاجم فيها الأسرة، بل بما إذا كان عاد يبحث عن الدفء عندما تعب. ولا تسأله كم مرة أعلن أن الحرية المطلقة هي الغاية، بل كم مرة احتاج إلى كتف يسنده حين ضاقت به الدنيا.
ربما لهذا تبدو الحكمة الحقيقية متواضعة إلى حد الملل. الحكيم لا يعلن نهاية مؤسسة عمرها آلاف السنين، بسبب تجربة شخصية فاشلة، ولا يحول نجاحه الفردي إلى قانون كوني. يعرف أن البشر مختلفون، وأن ما يصلح له قد لا يصلح لغيره، وأن الأفكار الكبيرة يجب أن تبقى دائما مفتوحة على احتمال الخطأ.
ليست الحياة هي التي تخون الشعارات، بل أصحاب الشعارات هم الذين يكتشفون متأخرين أن الإنسان أكثر تعقيدا من أي نظرية. فالواقع لا يهزم الأفكار الجيدة، لكنه يفضح الأفكار التي وُلدت أصلا لتبرير مرحلة مؤقتة أو خوف عابر. ولهذا يبقى أكثر المشاهد سخرية هو ذلك الذي يقف فيه بائع الوهم أمام المرآة، ليكتشف أن أول زبون صدّق بضاعته… كان هو نفسه.





