
بعد أشهر من الحرب، لم تعد واشنطن أمام معركة عسكرية فحسب، بل أمام فاتورة تتسع على أكثر من جبهة. فالصواريخ الأمريكية تُستهلك بوتيرة كبيرة، ومخزونات الدفاع الجوي تحتاج سنوات لتعويضها والقوات والحلفاء يتحملون كلفة الاستنزاف، بينما لم تنجح الحرب في تحقيق أهداف حاسمة أو فرض نهاية واضحة على إيران. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يجد دونالد ترامب نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدا: كيف يواصل الضغط على طهران من دون العودة إلى حرب مفتوحة، وكيف يقدم للرأي العام مخرجا من صراع بات يشكل عبئا عسكريا وسياسيا متزايدا؟
من هنا جاء التحول نحو العقوبات والضغط الاقتصادي، في رهان على أن الوقت قد يفعل ما عجزت عنه القوة العسكرية، ويدفع إيران إلى التفاوض قبل أن تتحول الحرب إلى ورقة انتخابية ثقيلة على البيت الأبيض والجمهوريين.
سهيلة التاور
دخلت الحرب الأمريكية على إيران مرحلة مختلفة، بعدما أخفقت العمليات العسكرية والجهود الدبلوماسية في إنهاء الصراع أو انتزاع تنازلات حاسمة من طهران. وبعد أشهر من المواجهة، باتت كلفة الحرب أكثر وضوحا في المخزونات العسكرية الأمريكية والاقتصاد والحسابات السياسية، فيما تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام خيارات أضيق من تلك التي كانت متاحة عند اندلاع الحرب.
في هذا السياق تتجه واشنطن بصورة متزايدة إلى العقوبات والضغط الاقتصادي، في محاولة لدفع إيران إلى العودة إلى المفاوضات من دون فتح جبهة عسكرية جديدة.. لكن هذه الاستراتيجية لا تبدو مجرد تحول في أدوات الضغط على طهران، إذ تحمل أيضا بعدا سياسيا مرتبطا بالانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في نونبر.
وتقول مجلة «أتلانتيك» إن إدارة ترامب استقرت، بعد أشهر من الحرب، على حملة ضغط اقتصادي طويلة الأمد، تراهن من خلالها على إنهاك الاقتصاد الإيراني ودفع القيادة في طهران إلى التفاوض. غير أن نجاح هذه السياسة يتوقف بدرجة كبيرة على قدرة واشنطن على تضييق الخناق على الدول والشركات التي مازالت تدعم الاقتصاد الإيراني، وهو ما قد يضعها أمام مواجهة اقتصادية مع الصين وروسيا ودول أخرى.
الحرب تتحول إلى عبء انتخابي
منذ بداية الحرب، لم يستقر ترامب على هدف سياسي واضح يمكن أن يشكل نهاية للصراع. فقد تراوحت الأهداف الأمريكية بين الحديث عن تغيير النظام الإيراني ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، وصولا إلى أهداف أكثر محدودية، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز وإعلان الانتصار.
حتى هذا الهدف الأخير لم يتحقق بصورة كاملة، فما زالت إيران قادرة على تهديد حركة الملاحة في المضيق باستخدام المسيّرات والقوارب الصغيرة والصواريخ المحمولة، بما يعني أن السيطرة العسكرية على الممر لا تضمن بالضرورة عودة الملاحة إلى وضع مستقر.
ومع مرور الوقت، بدأ هذا الغموض يفرض ثمنا سياسيا على الإدارة الأمريكية. فالجمهوريون، وفقا لـ«أتلانتيك»، مارسوا ضغوطا على البيت الأبيض لإنهاء الحرب بعدما بدأت تداعياتها تظهر في الاقتصاد وتثير مخاوف بشأن فرص الحزب في الانتخابات المقبلة.
وفي الوقت نفسه أصبحت العقوبات أداة تحقق هدفين في آن واحد: مواصلة الضغط على إيران من جهة، وإظهار أن الإدارة تتحرك من جهة أخرى، من دون تحمل الكلفة السياسية لاستمرار عمليات عسكرية واسعة.
وتنقل المجلة، عن أحد مستشاري ترامب، أن الهدف هو «الصمود حتى انتخابات التجديد النصفي»، في إشارة إلى أن الحساب الانتخابي أصبح جزءا أساسيا من طريقة إدارة الحرب.
كلفة عسكرية تهدد حسابات ترامب
المشكلة لا تقتصر على السياسة، فالحرب استنزفت جزءا مهما من القدرات العسكرية الأمريكية، بعدما استخدمت واشنطن كميات كبيرة من صواريخ «توماهوك» ووسائل الدفاع الجوي والمسيّرات.
وتشير «أتلانتيك» إلى أن إعادة مخزونات صواريخ «باتريوت» و«ثاد» إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق سنوات، ما يعني أن آثار الصراع ستتجاوز بكثير موعد الانتخابات المقبلة.
ودفعت الولايات المتحدة ثمنا بشريا وميدانيا، فقد قتل 18 عسكريا أمريكيا، وتعرضت قواعد أمريكية في المنطقة لأضرار، بينما أمضت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» أكثر من 270 يوما متواصلة في البحر، وسط تقارير عن ضغوط على الإمدادات وتراجع المعنويات.
ويحد هذا الاستنزاف من هامش المناورة أمام ترامب، فإذا فشلت العقوبات في تحقيق أهدافها، فإن العودة إلى التصعيد العسكري لن تكون بالسهولة نفسها التي كانت عليها في بداية الحرب، خصوصا مع حاجة القوات الأمريكية إلى إعادة بناء مخزوناتها الدفاعية والهجومية.
وبذلك يبدو التحول نحو العقوبات أقرب إلى خيار فرضته ظروف الحرب من كونه خطة وضعت منذ البداية باعتبارها المسار الرئيسي لإنهاء الصراع.
طهران تراهن على إطالة المواجهة
في صحيفة «الغارديان»، يرى الكاتب رافائيل بير أن الحرب تحولت إلى «كارثة استراتيجية» للولايات المتحدة، وأن الصراع لم ينته، وإنما انتقل من حرب ساخنة إلى مواجهة أقل مباشرة تقوم على العقوبات والضغط الاقتصادي.
ويعتبر بير أن ترامب دخل الحرب على أساس افتراض إمكانية تحقيق انتصار سريع، لكنه وجد نفسه، بعد ستة أشهر، أمام إيران قادرة على الصمود والاستمرار في الضغط على المصالح الأمريكية وحلفائها.
وتقوم معادلة الاستنزاف بين الطرفين على فارق كبير في الكلفة، فإيران تستطيع تهديد الملاحة واستخدام أسلحة ووسائل منخفضة التكلفة نسبيا، بينما تنفق الولايات المتحدة ملايين الدولارات على صواريخ الاعتراض لحماية قواتها وقواعدها وحلفائها.
ومع استمرار هذا النوع من المواجهة، تصبح الحرب اختبارا للقدرة على تحمل الكلفة أكثر من كونها معركة تقاس فقط بعدد الضربات أو الأهداف العسكرية التي تم تدميرها.
ويحذر بير من أن استنزاف منظومات الدفاع الأمريكية قد تكون له تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط، سيما على أوكرانيا التي تعتمد على بعض أنظمة الاعتراض الأمريكية لحماية مدنها من الصواريخ الروسية.. وبالتالي فإن استمرار الحرب مع إيران يمكن أن يضغط على قدرة واشنطن على تلبية احتياجات جبهات أخرى.
حرب تهز ثقة الحلفاء بواشنطن
لا تقف آثار الحرب عند حدود الولايات المتحدة وإيران، فالحلفاء الأمريكيون، وفقا لبير، أصبحوا أكثر تشككا في موثوقية الحماية التي توفرها واشنطن، خصوصا في ظل صعوبة حسم الحرب واستمرار تعرض المصالح والقواعد المرتبطة بالولايات المتحدة للتهديد.
هذا يفتح ملفا أوسع يتعلق بصورة القوة الأمريكية نفسها، فكلما طال أمد الحرب من دون نتيجة حاسمة، ازدادت الأسئلة بشأن قدرة واشنطن على حماية حلفائها وردع خصومها في وقت واحد، سيما إذا كانت عمليات الاستنزاف تستهلك جزءا متزايدا من مخزوناتها العسكرية.
ترامب تحت ضغط الانتخابات
في الداخل الأمريكي، أصبحت الحرب عبئا سياسيا يصعب تجاهله، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يحتاج ترامب إلى منع الصراع من التحول إلى قضية انتخابية مركزية، خصوصا إذا ارتبطت الحرب بارتفاع التكاليف الاقتصادية أو باستمرار سقوط الجنود أو بغياب نتيجة واضحة يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها انتصارا.
من هنا تكتسب العقوبات أهمية تتجاوز بعدها الاقتصادي، فهي تسمح للبيت الأبيض بمواصلة الضغط على إيران، مع تقليص الظهور اليومي للحرب في المشهد السياسي، وتحويل المواجهة من ضربات عسكرية مباشرة إلى إجراءات مالية وتجارية أقل كلفة سياسيا.
هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة، فإذا صمدت إيران أمام العقوبات، فقد تستمر الأزمة إلى ما بعد الانتخابات. وإذا قررت طهران الرد بتصعيد جديد، فقد تعود الحرب بسرعة إلى واجهة الأخبار، وتجد الإدارة نفسها مضطرة إلى التعامل معها في قلب موسم انتخابي حساس.
في الحالتين لا تملك واشنطن ضمانة بأن الزمن سيعمل لصالحها، فإيران تراهن على قدرتها على تحمل الضغوط، بينما تراهن إدارة ترامب على أن العقوبات ستدفع طهران في النهاية إلى التفاوض.
ويجد ترامب نفسه، بعد أشهر من الحرب، أمام معادلة أكثر تعقيدا من تلك التي واجهها عند بدايتها: أهداف عسكرية لم تتحقق بصورة كاملة، ترسانة تحتاج سنوات لإعادة بنائها، كلفة بشرية وميدانية، حلفاء أكثر قلقا وانتخابات تقترب بسرعة.
لذلك تبدو العقوبات اليوم محاولة لتحويل الحرب من مواجهة عسكرية مكلفة إلى صراع اقتصادي طويل، يسمح لواشنطن بمواصلة الضغط على طهران من دون تحمل كلفة جولة عسكرية جديدة. غير أن العقوبات لا تمثل بالضرورة نهاية للحرب، فإذا لم تدفع إيران إلى طاولة المفاوضات، فقد تتحول إلى مرحلة جديدة من الاستنزاف، وإذا ردت طهران بتصعيد عسكري، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام الحرب ذاتها التي تحاول الآن إخراجها من دائرة الضوء.
هكذا لا يبدو أن السؤال المطروح أمام ترامب هو كيفية تحقيق انتصار سريع، بل كيفية الخروج من حرب لم تحقق أهدافا حاسمة، من دون أن تتحول كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية إلى عبء انتخابي أكبر. وبينما تراهن واشنطن على الوقت والعقوبات، تراهن طهران بدورها على الصمود، ليبقى مستقبل الصراع معلقا بين احتمال العودة إلى المفاوضات واحتمال استمرار حرب انتقلت من ساحات القتال إلى الاقتصاد والسياسة.





