
تحت هذا العنوان تنطلق اليوم الخميس الموافق لـ15 أكتوبر 2026 أعمال الندوة الموسعة المخصصة لتكريم ذكرى الأديب التونسي الراحل حسونة المصباحي. ننشر هنا كلمة لمنسق الندوة الناقد المغربي شرف الدين ماجدولين، مع مجموعة من الصور الخاصة، من أرشيف مجلة «بانيبال» المعنية بترجمة الأدب العربي إلى الإنجليزية والإسبانية.
ينطلق «السفر» عند حسونة المصباحي (2025-1950) من تجربة شخصية كثيفة؛ إذ عاش الكاتب خارج بلده، تونس، سنوات طويلة، متنقلا بين مدن أوروبية عدة، وخاصة في ألمانيا وفرنسا. غير أن هذا الارتحال لا يتحول في نصوصه إلى مجرد سرد لوقائع كشف واستقصاء عابرتين، بل يتخذ طابعا تأمليا بجوهر تخييلي، حيث يصبح المكان قاعدة لتجلي الذات الكاتبة، ومختبرا لصوغ المفردات والمجازات والرؤى، ونحت الأسئلة الكبرى بصدد الوجود في العالم، والانتماء للأفق الكوني، وإبراز الهوية المتنقلة والاغتراب المؤبد…
لذلك، فإن أمكنة المصباحي ليست محايدة ولا صامتة، بل منحازة لترجماتها التخييلية، وناطقة بما يتخطى حظوظها في التمدن إلى ما حبلت به من أفكار ومعان، ونضحت به من أساليب في نصوص أدبائها ومفكريها؛ ذلك ما تنبئنا به نصوص حسونة، من: «الآخرون» إلى «وداعا روزالي» ومن «هلوسات ترشيش» إلى «يوميات ميونيخ» مرورا بـ: «يتيم الدهر» و«أشواك وياسمين» و«الرحلة المغربية» و«بحثا عن السعادة» وغيرها من النصوص النابضة بصور التِطْواحِ والتيه والتنقل بين مرافئ الأمكنة والمجازات والمعاني.
في كتاباته السردية والرحلية، يتعامل المصباحي مع المكان بوصفه كيانا مسكونا بالتباسات شتى، ذات ذاكرة وتقاسيم، مرزئة وأسية أحيانا، وضاجة بالوقائع الساخرة دوما. فالمدينة التونسية أو المغربية أو الأوروبية، على سبيل المثال، لا تُقدَّم باعتبارها حيزا لتذاوت أو مفارقة ظاهرة، بل بما هي سياقات مستعصية على الاستجلاء، تُقرأ من الداخل، عبر تفاصيلها اليومية، وشوارعها الخلفية، ومقاهيها الصغيرة، وسكانها الهامشيين. ومن خلال هذا الاشتغال الدقيق على غير المرئي، ينجح الكاتب في تفكيك الصور النمطية لفضاء العيش، الذي لا يقدم «الانتماء» بما هو طبق جاهز، واضعا بدلا منه رؤية إنسانية معقدة، تكشف التوترات والخيبات والوحدة التي تسكن هذا الفضاء أبدا.
أما «السفر في التعابير»، فتترجمه تنقلات الأسلوب التخييلي الذي يعتمده المصباحي، بين الرواية والقصة والرحلة والترجمة والنقد الأدبي، مع ما تتصف به لغته، في تلك المرافئ الأسلوبية جميعها، من اقتصاد ومباشرة، وروح تهكمية لا تذوي، ولا تفقد عمقها الشعري. إذ لا يفتأ حسونة يكتب نثرا مشبعا بحس التمثيل الصاعق، حيث تتداخل النبرة النقدية بسوداوية مخاتلة، والواقعية بالقلق الوجودي. تتجلى اللغة السردية لديه ليس بما هي أداة تصوير فحسب، بل باعتبارها حيزا لتشخيص السفر و«أسلبته»، تنتقل فيه الجملة من الذاتي إلى التكويني، ومن الحسي إلى المجرد. وهكذا يصبح التعبير نفسه شكلا من أشكال الترحال، بحثا عن معنى للعالم ومعنى للكتابة.
وغير خاف أن «المنفى» (الواقعي والمجازي) يحتل موقعا مركزيا في هذا السفر المزدوج، إذ يظهر في نصوص المصباحي لا من حيث هو قطيعة نهائية مع الوطن، بل باعتباره حالة بين- بين، تسمح بإعادة النظر في العلاقة بالأصل. فالكاتب لا يضحى رهينة لخطاب رثائي لوضع «النفي» و«الاقتلاع»، كما لا يسقط في المقابل في تمجيد مطلق لحالة التحرر من المراتع وقيودها، بل يقدم تجربة مركبة، يكون فيها الوطن حاضرا بوصفه ذاكرة وسؤالا، لا بوصفه يقينا مغلقا. ومن هنا، تتجاور في نصوصه أمكنة الطفولة التونسية مع شوارع المدن العربية والأوروبية بإبدالاتها المتغايرة، في تداخل زمني ومكاني يعكس تشظي الذات الحديثة. ومن ثم سرعان ما ستتجلى مفارقة الأصول عند حسونة المصباحي بوصفها سفرا ذهنيا واستعاريا، يتقاطع فيه الأدب مع الفلسفة والفن والتاريخ. فهو القارئ بامتياز، الذي تحضر في نصوصه طبقات كثيفة من خطابات النصوص الغائبة، مندمجة في النسيج السردي، لا بوصفها استعراضا معرفيا.
في المحصلة، يمكن القول إن تجربة حسونة المصباحي تمثل نموذجا لكتابة السفر بما هي ممارسة جمالية ووجودية في آن واحد. فهو لا يسافر ليصف الأمكنة، بل ليكتب ذاته من خلالها، ولا يكتب ليؤرخ للرحلة، بل ليحولها إلى سؤال مفتوح حول الإنسان والعالم. ومن خلال هذا السفر في التعابير والأمكنة، يقدم المصباحي نصوصا تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، مؤكدة أن الأدب، في جوهره، هو أسمى شكل للارتحال. لذا حين ارتأت مؤسسة منتدى أصيلة، في موسمها الثقافي الدولي السابع والأربعين، أن تستحضر تجربة الأديب الراحل حسونة المصباحي، في ندوة نقدية تستعيد منجزه وروحه الفذة، فليس فقط لأنه أحد أصدقاء مدينة أصيلة الكبار، والأديب الذي جمعته برائد المنتدى محمد بن عيسى أواصر تقدير وإعجاب، بل أساسا لما يمثله من قيمة إبداعية في الأدب العربي المعاصر؛ هو الروائي والقاص والناقد والمترجم والصحفي متعدد المواهب.





