حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

رؤساء جهات بدون اختصاصات

تحويل وكالات تنفيذ المشاريع إلى شركات لصرف 1200 مليار

شرعت لجنة الداخلية بمجلس النواب، في مناقشة مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، قدمه عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، وهو ما أثار تخوفات في صفوف النواب البرلمانيين من تهميش دور المنتخبين في ممارسة الأدوار والاختصاصات المنوطة بهم في إطار ورش الجهوية المتقدمة، خاصة أن المشروع يتضمن تعديلا جوهريا سيتم بموجبه سحب صلاحيات تنفيذ المشاريع من رؤساء الجهات، من خلال إحداث تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، ويتولى الولاة تعيين المديرين العامين لهذه الشركات.

 

إعداد: محمد اليوبي- النعمان اليعلاوي

 

يندرج هذا المشروع في صميم الرؤية الملكية المتبصرة الرامية إلى إرساء جهوية متقدمة قوية ومنتجة، قادرة على مواجهة تحديات التنمية ومعالجة أوجه النمو غير المتكافئ، والتفاوتات المجالية، كما يهدف إلى إرساء إطار قانوني ومؤسساتي كفيل بضمان التنزيل الأمثل والفعال للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، عبر ثلاثة محاور كبرى تتعلق بآليات التنفيذ، واختصاصات الجهات، ومواردها المالية.

وفي ما يخص آليات التنفيذ، سيتم تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، بما يتيح الجمع بين متطلبات الحكامة والرقابة العمومية، ومرونة التدبير ونجاعة الأداء، بهدف الرفع من جودة الإنجاز وتسريع وتيرة التنفيذ، أما في ما يتعلق بالاختصاصات فإن هذا الإصلاح يشكل مناسبة لتدقيق وإعادة توزيع اختصاصات الجهة بين ما هو ذاتي وما هو مشترك، مع التركيز على دور الجهة كرافعة أساسية للتنمية الاقتصادية.

وفي ما يخص الموارد المالية، يرمي هذا المشروع إلى تقوية القدرات المالية للجهات، من خلال الرفع من سقف الاعتمادات المرصودة بميزانياتها، بما يمكنها من ممارسة اختصاصاتها على الوجه الأكمل، ويعزز استقلاليتها المالية، ويضمن مساهمتها الفعلية والمنتظمة في تمويل وتنفيذ برامج التنمية الترابية المندمجة.

 

 

تعديلات قانون الجهات

من أبرز التعديلات الواردة في المشروع، تدقيق وإعادة توزيع اختصاصات الجهة بين ما هو ذاتي وما هو مشترك، مع التركيز على دور الجهة كرافعة أساسية للتنمية الاقتصادية، حيث تم توسيع مجالات تدخلها لتشمل دعم الاستثمار المنتج، وتعبئة وتثمين العقار، وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتعزيز الجاذبية السياحية، إضافة إلى الانخراط في مشاريع الطاقات المتجددة.

وفي موازاة ذلك، أعاد المشروع ضبط آليات إعداد برنامج التنمية الجهوية، باعتباره الوثيقة المرجعية لسياسات الجهة، حيث ألزم المجالس بإعداده داخل آجال محددة، مع ضرورة ضمان استمرارية المشاريع السابقة واعتماد مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الفاعلين. كما ربط البرنامج بالإمكانيات المالية الحقيقية، في محاولة للحد من إنتاج برامج طموحة على الورق، لكنها محدودة الأثر على أرض الواقع.

وينص المشروع على تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، حيث ستتولى هذه الشركات مهام تنفيذ مشاريع التنمية وتقديم الدعم التقني والهندسي، مع إمكانية إنجاز مشاريع لفائدة الدولة أو جماعات ترابية أخرى في إطار تعاقدي.

وحسب المشروع، فإن الجهة ستحتفظ بالأغلبية في رأسمال هذه الشركات، مع فتح الباب أمام مساهمة مؤسسات عمومية أخرى، في صيغة تهدف إلى تعبئة موارد إضافية وتعزيز الشراكات. كما يؤكد على مبدأ الاستمرارية القانونية، حيث يتم تحويل الوكالات القائمة إلى شركات دون إحداث شخص معنوي جديد، بما يضمن استمرارية المشاريع وعدم تعطيلها.

وعلى مستوى الحكامة، يمنح النص لمجلس إدارة الشركة صلاحيات واسعة تشمل تحديد التوجهات الاستراتيجية، والمصادقة على البرامج والميزانيات، ووضع نظام الصفقات، في حين يتولى المدير العام، المعين بقرار من وزارة الداخلية، التدبير اليومي للشركة وإعداد التقارير الدورية. هذا الترتيب يثير نقاشا حول التوازن بين الاستقلالية الجهوية والإشراف المركزي، خاصة في ظل استمرار دور وزارة الداخلية في تعيين المسؤولين التنفيذيين.

 

تقوية القدرات المالية للجهات

يرمي هذا المشروع إلى تقوية القدرات المالية للجهات، من خلال تخصيص اعتمادات مالية للجهات بموجب قوانين المالية، تتجلى في رصد الدولة للجهات نسبا دائمة من حصيلة الضرائب والرسوم، حددها المشروع في 5 بالمائة من حصيلة الضريبة على الشركات، والنسبة نفسها من حصيلة الضريبة على الدخل، و20 بالمائة من حصيلة الرسم على عقود التأمين، وتضاف إليها سنويا اعتمادات مالية من الميزانية العامة للدولة، على ألا يقل مجموع هذه التحويلات المرصودة لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم سنويا، ابتداء من السنة المالية 2027.

ويضع المشروع إطارا دقيقا لتدبير موارد الشركات الجهوية، حيث ينص على إدراج اعتمادات مالية مخصصة لها ضمن ميزانية الجهة، مع إمكانية اللجوء إلى التمويل عبر القروض وفق ضوابط محددة. كما يفرض الفصل المحاسبي بين المشاريع المنجزة لفائدة الجهة وتلك المنجزة لفائدة الدولة أو أطراف أخرى، بهدف تعزيز الشفافية وتفادي تداخل الموارد.

ولتعزيز جاذبية الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع، أقر المشروع حزمة من الامتيازات، من بينها إعفاءات ضريبية تشمل الضريبة على الشركات، وتسهيلات في نقل الممتلكات من الوكالات السابقة، وهي إجراءات تروم تمكين هذه المؤسسات الترابية المنتخبة من الانطلاق بسرعة وتحقيق الفعالية المطلوبة في تنفيذ المشاريع.

أما على مستوى المراقبة، فقد أخضع النص الشركات الجهوية لافتحاص سنوي من طرف المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، مع إمكانية تدخل المجلس الأعلى للحسابات، إضافة إلى إلزامية إعداد تقارير دورية حول تنفيذ المشاريع.

ومن بين المستجدات التي تعكس توسيع أدوار الجهة، تمكينها من المساهمة في تمويل مشاريع وطنية داخل ترابها، حتى وإن لم تكن ضمن اختصاصاتها الذاتية، وهو ما يعزز منطق التكامل بين السياسات العمومية.

 

تخوفات من تهميش المنتخبين

خلال المناقشة العامة للمشروع، حذر نواب برلمانيون من تقليص صلاحيات رؤساء الجهات وتهميش دور المنتخبين في تدبير الشأن الترابي، معتبرين أن أي تعديل ينبغي أن يظل وفياً لجوهر الجهوية المتقدمة القائمة على تعزيز الديمقراطية المحلية، وليس تقليص صلاحيات الفاعل المنتخب لصالح آليات تقنية أو مركزية في اتخاذ القرار، داعين إلى تمكين المجالس المنتخبة من صلاحيات حقيقية، بما يضمن التوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية ومقتضيات الشرعية الديمقراطية.

كما حذر نواب المعارضة من تقليص أدوار المجالس المنتخبة، أو حصرها في مهام المصادقة والمناقشة فقط، مع إسناد التنفيذ بشكل كامل للشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع، ما من شأنه أن يخلق اختلالا في توازن الحكامة الترابية، مؤكدين أن هذا التوجه قد يضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤثر على وضوح المسؤوليات بين الفاعلين الترابيين، بما ينعكس سلبا على نجاعة البرامج التنموية. ودعا نواب المعارضة إلى ضرورة إعادة الاعتبار للدور السياسي والتنموي للمنتخبين، عبر تمكينهم من صلاحيات فعلية في التتبع والمراقبة والمبادرة، وليس فقط في مرحلة اتخاذ القرار.

 

وزير الداخلية يبدد التخوفات

في رده أكد وزير الداخلية أن تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات لم يأتِ لتقييد المنتخبين، بل لتقويم اختلالات دامت عشر سنوات، مشددا على أن الجهة تظل العمود الفقري للتنمية في المملكة، لكن تنزيل اختصاصاتها يحتاج إلى واقعية وتنسيق محكم، بعيدا عن الارتجالية، وأوضح لفتيت أن مشروع القانون الجديد تم إعداده بتنسيق كامل مع رؤساء الجهات، ونفى وجود أي نية لتقليص صلاحيات المنتخبين، أو المساس بمبدأ التدبير الحر للجهات.

وأشار لفتيت إلى أن التدبير الحر بشكل مطلق قد يفرز مبادرات غير مقبولة، وتحدث في هذا الصدد عن مبادرات أطلقها بعض رؤساء الجهات، وتدخلت وزارة الداخلية لإلغائها، من قبيل رئيس مجلس جهة اقترح إحداث شرطة للطيران، ورئيس جهة آخر اقترح تعميم المنح الجامعية على جميع الطلبة الذين ينتمون إلى الجهة التي يترأسها، وقال لفتيت إن وزارة الداخلية «كانت مجبرة على التدخل بعنف أحيانا لضبط مثل هذه الأمور»، وأضاف: «نحن ملزمون بدعم التدبير الحر، ولو وجدت طريقة تجعل الوالي لا يتدخل في البرامج لفعلت ذلك، لكن الواقع يفرض أن يعمل المنتخب والوالي معا لضمان النجاح».

وبخصوص تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، أوضح وزير الداخلية أن السبب وراء عدم منح رؤساء الجهات صلاحيات تعيين المديرين العامين للشركات التي سيتم إحداثها، هو ضرورة اختيار كفاءات من مستوى عال، لأن البرامج التي ستشتغل عليها هذه الشركات تفرض أن يكون مديروها في مستوى عال من التكوين والخبرة، لكي ينجحوا في تنفيذ المشاريع المقترحة.

وأكد لفتيت أثناء تقديمه لمشروع القانون التنظيمي أن هذا المشروع يجسد إرادة واضحة للانتقال بالجهوية المتقدمة إلى مرحلة النضج المؤسساتي والنجاعة العملية، من خلال إصلاح متكامل يطال الاختصاصات وآليات التنفيذ ومنظومة التمويل، وأضاف أن «هذا التعديل يهدف إلى رفع التحديات القائمة وبناء نموذج جهوي قادر على مواكبة التحولات والاستجابة لتطلعات المواطنين، والمساهمة الفعلية في تحقيق تنمية عادلة ومتوازنة».

وأوضح أن المشروع يهدف في عمقه الاستراتيجي إلى إرساء إطار قانوني ومؤسساتي متكامل، كفيل بضمان التنزيل الأمثل والفعال للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وذلك تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى اعتماد جيل جديد من هذه البرامج.

وأبرز أن المشروع ينبني على رؤية إصلاحية متكاملة تعالج الإكراهات القائمة، وتعيد بناء منطق تدخل الجهة بما يمكنها من الاضطلاع بدورها كفاعل تنموي حقيقي، وذلك من خلال تدقيق اختصاصاتها وتوجيهها نحو مجالات ذات قيمة مضافة وملاءمتها مع التحولات الاقتصادية والرقمية، فضلا عن تقوية أدوات تنفيذها وتعزيز مواردها المالية، في إطار حكامة ترابية قائمة على الالتقائية والنجاعة.

 

تأخر في إخراج النصوص القانونية

أفاد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات بأن اللجان الموضوعاتية بين المؤسساتية المحدثة من طرف وزارة الداخلية، حصرت 18 مجالا ضمن الاختصاصات الذاتية للجهات وثلاثة مجالات ضمن الاختصاصات المشتركة تتطلب تدخلا تشريعيا أو تنظيميا، لتحديد نطاق هذه الاختصاصات، أو حدود تدخل مختلف الفاعلين العموميين، لتدارك تداخل مهامهم مع اختصاصات الجهات.

غير أنه، وباستثناء مشروع المرسوم المتعلق بإعداد تصميم النقل داخل الدائرة الترابية للجهة، الذي يوجد قيد الدراسة على مستوى وزارة الداخلية، لم يتم بعد حصر جميع النصوص القانونية المتعلقة بمجالات تدخل القطاعات الوزارية ذات الصلة باختصاصات الجهات، التي تقتضي التتميم أو التعديل في إطار الملاءمة التشريعية والتنظيمية.

وجدير بالذكر أنه في إطار أشغال هذه اللجان تم إعداد مسودة الأجندة التشريعية والتنظيمية، التي حددت مجموعة من السيناريوهات المتعلقة بالتدخل التشريعي أو التنظيمي على مستوى النصوص القطاعية وكذا على مستوى القانون التنظيمي المتعلق بالجهات ونصوصه التطبيقية، غير أنه وإلى غاية شهر أكتوبر 2024 لم يُحسم بعد في التوجه الذي سيتم اعتماده بالنسبة إلى كل اختصاص وتحديد النصوص التشريعية والتنظيمية التي سيتم تعديلها أو ملاءمتها، ذلك أن مشروع هذه الأجندة لا يزال قيد الدراسة من طرف اللجان الموضوعاتية.

وتستلزم هذه المرحلة التنسيق الوثيق مع القطاعات الوزارية المعنية، لضمان انخراطها الكامل في ورش الملاءمة التشريعية والتنظيمية، بهدف تسريع تفعيل اختصاصات الجهات الذاتية والمشتركة، وإيجاد حلول فعالة للإشكاليات المرتبطة بها، وذلك في أفق تعديل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية عند الاقتضاء.

 

اللاتمركز الإداري

يُشكل اللاتمركز الإداري دعامة أساسية للجهوية المتقدمة، إلا أن ترسيخ ثقافة نقل الاختصاصات التقريرية من المركز إلى المستوى الترابي يتطلب بذل المزيد من الجهود، وذلك من خلال الإسراع في تجسيد الميثاق الوطني للاتمركز الإداري على أرض الواقع. في هذا السياق، لم يتجاوز معدل إنجاز خارطة الطريق المتعلقة بالميثاق المذكور 36 بالمائة إلى غاية منتصف أكتوبر 2024، مقابل 32 بالمائة خلال الفترة نفسها من سنة 2023، كما تبقى وتيرة نقل وتفويض الاختصاصات ذات الأولوية، المتعلقة بالاستثمار إلى المصالح اللاممركزة، غير كافية، حيث لم تتجاوز نسبتها، حسب جواب رئاسة الحكومة، 38 بالمائة في منتصف أكتوبر 2024، وقد تم تفويض 19 اختصاصا فقط من أصل 50.

وفي ما يتعلق بتوزيع هذه الاختصاصات حسب القطاعات، وحسب معطيات الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، فقد بلغت نسبة نقل أو تفويض الاختصاصات 100 بالمائة في قطاعات الداخلية، والفلاحة، والتنمية المستدامة، والسياحة، و80 بالمائة في قطاع النقل واللوجستيك. في المقابل، لم يتم بعد نقل أو تفويض أي اختصاص من طرف سبعة قطاعات حكومية (الاقتصاد والمالية، والتجهيز والماء، والأمانة العامة للحكومة، والمياه والغابات، والانتقال الطاقي، والصحة والحماية الاجتماعية، والصيد البحري)، حيث لا تزال وضعية هذه الاختصاصات إما في طور التفويض، أو غير مفوضة بعد.

ويرجع هذا إلى تأخر إصدار النصوص القانونية اللازمة لنقل أو تفويض بعض الاختصاصات، حيث يتطلب التفويض مراجعة أو إعداد أو إصدار بعض النصوص التشريعية والتنظيمية، كالنصوص التطبيقية للقانون رقم 08.22 المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية، وذلك لتفويض الاختصاصات المرتبطة بمنح التراخيص لمزاولة بعض المهن في مجال الصحة، أو تعديل المرسوم الملكي رقم 330.66 الصادر بتاريخ 21 أبريل  1967 المتعلق بسن نظام عام للمحاسبة العمومية؛ أو إصدار المرسوم المتعلق بالمياه المخصصة للاستعمال الغذائي، وكذلك تأخر إحداث التمثيليات الإدارية القطاعية أو المشتركة على المستوى الجهوي، مما أدى إلى تأخير تفويض بعض الاختصاصات لهذه التمثيليات، سيما في مجالات الصيد البحري والانتقال الطاقي، بالإضافة إلى عدم توفر المصالح اللاممركزة على الكفاءات اللازمة لتدبير القرارات المشمولة بالتفويض، حسب إفادات القطاعات الوزارية المعنية.

لفتيت: تعديل قانون الجهات يروم النجاعة وتعزيز الموارد المالية

 

أكد عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، أن مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، يندرج ضمن إرادة إصلاحية واضحة تروم الارتقاء بورش الجهوية المتقدمة إلى مرحلة جديدة عنوانها النضج المؤسساتي والنجاعة العملية، من خلال مراجعة شاملة لمجالات الاختصاص وآليات التنفيذ ومنظومة التمويل.

 

تحديث آليات التدبير

أوضح لفتيت، خلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، أن هذا المشروع يأتي في سياق وطني يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وما تفرضه من ضرورة تحديث آليات التدبير الترابي، بما يمكن الجهات من لعب أدوار أكثر فاعلية في تحقيق التنمية، والاستجابة لانتظارات المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية.

وأشار الوزير إلى أن الإصلاح المقترح يستهدف، في عمقه، إرساء إطار قانوني ومؤسساتي متكامل، قادر على ضمان التنزيل الأمثل للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تنفيذا للتوجيهات الملكية الداعية إلى اعتماد مقاربات أكثر نجاعة وفعالية، تقوم على الالتقائية والتكامل بين مختلف الفاعلين.

ويرتكز المشروع، بحسب لفتيت، على ثلاثة محاور رئيسية مترابطة، أولها إعادة هندسة اختصاصات الجهة وفق منطق الوضوح والنجاعة، بما يسمح بتفادي التداخل مع باقي مستويات التدبير الترابي، وتوجيه تدخلات الجهات نحو مجالات ذات قيمة مضافة، خاصة في ميادين الاستثمار والتنمية الاقتصادية والرقمية.

أما المحور الثاني، فيهم تحديث آليات تنفيذ المشاريع، عبر إدخال إصلاحات جوهرية على مستوى الحكامة، بما يضمن تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين جودة الخدمات المقدمة إلى المواطنين، في حين يركز المحور الثالث على تقوية الموارد المالية للجهات وتعزيز استقرارها، بما يمكنها من تنفيذ برامجها التنموية في ظروف ملائمة.

وفي هذا السياق، أبرز لفتيت أن المشروع يقترح رفع حجم التحويلات المالية لفائدة الجهات بشكل ملموس، لتصل إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من السنة المالية 2027، وهو ما يعد، بحسبه، خطوة نوعية لتمكين الجهات من تمويل مشاريع مهيكلة، وتعزيز استقلاليتها المالية، والحد من التبعية للمركز.

واعتبر الوزير أن تحسين الموارد المالية يشكل مدخلا أساسيا لإنجاح ورش الجهوية، مشددا على أن تمكين الجهات من إمكانيات مالية قارة وملائمة سيسمح لها بلعب دور أكبر في جذب الاستثمارات، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وخلق فرص الشغل، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة اقتصادية.

وعلى مستوى آليات التنفيذ، كشف لفتيت عن توجه جديد يتمثل في تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، في إطار نموذج تدبيري حديث يقوم على المرونة والفعالية، مع الحفاظ على الطابع العمومي لهذه المؤسسات وضمان استمرارية عملها دون انقطاع.

ويراهن هذا التحول، وفق الوزير، على تحسين الحكامة وتعزيز الشفافية، من خلال اعتماد قواعد التدبير الحديثة، وتمكين هذه الوكالات من أدوات أكثر فعالية لتدبير المشاريع، بما يساهم في تجاوز الإكراهات التي كانت تعيق تنزيل عدد من البرامج التنموية في السابق.

وفي مقابل ذلك، شدد لفتيت على أن هذا الإصلاح لا يقتصر على الجوانب التقنية والمؤسساتية، بل يندرج ضمن رؤية شمولية تروم إعادة بناء منطق تدخل الجهة، بما يجعلها فاعلا تنمويا حقيقيا، قادرا على بلورة سياسات عمومية ترابية مندمجة، تستجيب لخصوصيات كل جهة وتستثمر مؤهلاتها.

وفي تفاعلهم مع عرض الوزير، أجمع أعضاء اللجنة البرلمانية على أهمية هذا المشروع في تعزيز مكانة الجهات داخل المنظومة الترابية، معتبرين أن الجهوية المتقدمة تمثل خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه، يقوم على مبادئ التدبير الحر والتضامن والتعاون بين مختلف الفاعلين.

وأشاد البرلمانيون بالمقتضيات المتعلقة بتعزيز الموارد المالية وإعادة هيكلة الوكالات الجهوية، معتبرين أن هذه الإجراءات من شأنها أن ترفع من نجاعة التدخل العمومي، وتسهم في تسريع وتيرة إنجاز المشاريع، خاصة تلك المرتبطة بالبنيات التحتية والخدمات الأساسية.

 

ضرورة المواكبة

غير أن عددا من المتدخلين شددوا، في المقابل، على ضرورة مواكبة هذا الإصلاح بتأهيل العنصر البشري، عبر تطوير نخب سياسية وإدارية قادرة على استيعاب التحولات الجارية، وتدبير الاختصاصات الجديدة بكفاءة وفعالية.

وفي هذا الإطار، دعا البرلمانيون إلى الاستثمار في التكوين المستمر، وتعزيز قدرات المنتخبين والأطر الجهوية، بما يمكنهم من بلورة استراتيجيات تنموية مبتكرة، والانفتاح على أوراش المستقبل، خاصة في مجالات الرقمنة والاقتصاد الأخضر وتنزيل ورش الدولة الاجتماعية.

كما تم التأكيد على أهمية تعزيز آليات الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الشفافية في تدبير الموارد المالية، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات الجهوية، ويشجع على انخراطهم في الدينامية التنموية.

ويرى متتبعون أن هذا المشروع يمثل محطة مفصلية في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة بالمغرب، إذ يسعى إلى تجاوز الاختلالات التي أفرزتها التجربة السابقة، خاصة على مستوى تداخل الاختصاصات وضعف الموارد المالية، وبطء تنفيذ المشاريع.

كما يراهن على إرساء نموذج جهوي جديد، أكثر انسجاما وفعالية، قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات الاقتصادية والمناخية، ومتطلبات تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

وفي المحصلة، يبدو أن مشروع تعديل القانون التنظيمي للجهات يفتح أفقا جديدا أمام ورش الجهوية المتقدمة، من خلال إعادة توزيع الأدوار وتعزيز الإمكانيات، غير أن نجاحه يظل رهينا بمدى قدرة مختلف الفاعلين على تنزيله بشكل فعلي، في إطار رؤية تشاركية تضع المواطن في صلب العملية التنموية.

تعديل قانون الجهات.. نحو تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة

 

يشكل تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات في المغرب محطة مفصلية في مسار تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي أطلقه الملك محمد السادس كخيار استراتيجي لإعادة تنظيم الدولة على أسس لامركزية، قائمة على توزيع السلطة والموارد بين المركز والجهات. وفي ظل التحديات التي كشفت عنها سنوات التطبيق الأولى للقانون التنظيمي رقم 111.14، جاء مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 ليعكس إرادة سياسية واضحة للانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النجاعة والفعالية في التدبير الترابي.

سياق الإصلاح.. من التأسيس إلى النجاعة

منذ اعتماد دستور 2011، احتلت الجهوية المتقدمة مكانة مركزية في البناء المؤسساتي المغربي، باعتبارها آلية لتحقيق التنمية المتوازنة وتقريب القرار من المواطن. غير أن التجربة العملية أبرزت مجموعة من الاختلالات، سواء على مستوى تداخل الاختصاصات، أو ضعف الإمكانيات المالية والبشرية، أو بطء تنفيذ المشاريع التنموية.

وفي هذا السياق، جاء تعديل قانون الجهات ليعالج هذه الإشكالات بشكل مباشر، حيث أكد عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، أن المشروع يجسد «إرادة واضحة للانتقال بالجهوية المتقدمة إلى مرحلة النجاعة العملية». وهذا التصريح يعكس التحول في فلسفة الإصلاح من مجرد إرساء المؤسسات إلى ضمان فعاليتها ونجاعتها في تحقيق التنمية.

من بين أبرز مساهمات تعديل القانون التنظيمي، العمل على توضيح الاختصاصات بين الدولة والجهات. فقد شكل غموض توزيع الصلاحيات أحد أهم معيقات تنزيل الجهوية، حيث أدى إلى تداخل الأدوار وتضارب التدخلات.

ويهدف النص الجديد إلى إعادة ترتيب هذه الاختصاصات بشكل يضمن التكامل بدل التنازع، مما يسمح للجهات بلعب دور فعلي في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية الترابية. كما يعزز ذلك من استقلالية القرار الجهوي، مع الحفاظ على دور الدولة في التأطير والتنسيق الاستراتيجي.

تقوية الموارد المالية للجهات

لا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة دون تمكين الجهات من موارد مالية كافية. وفي هذا الإطار، جاء التعديل بمقتضيات جديدة لتعزيز التمويل الجهوي، من خلال تخصيص نسب من الضرائب الوطنية لفائدة الجهات، إضافة إلى تحويلات مالية سنوية لا تقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027 .

هذا التحول المالي يعكس توجها نحو تمكين الجهات من الاستقلالية المالية، بما يسمح لها بتخطيط وتنفيذ برامجها التنموية دون الاعتماد المفرط على المركز، كما يساهم في تقليص الفوارق المجالية، التي ظلت أحد أبرز التحديات في النموذج التنموي المغربي.

إحداث آليات جديدة لتنفيذ المشاريع

من أهم مستجدات التعديل أيضا إعادة هيكلة آليات تنفيذ المشاريع على المستوى الجهوي، من خلال تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية ذات طابع اقتصادي.

هذه الخطوة تهدف إلى إضفاء مرونة أكبر في التدبير، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع، عبر اعتماد منطق المقاولة بدل الإدارة التقليدية. كما تمنح هذه الشركات صلاحيات أوسع في إعداد وتنفيذ البرامج التنموية، سواء لفائدة الجهات أو الدولة أو باقي الفاعلين العموميين .

وقد اعتُبر هذا التحول أحد المفاتيح الأساسية لتجاوز بطء الإنجاز الذي طبع المرحلة السابقة، حيث إن اعتماد نموذج الشركات يتيح سرعة في اتخاذ القرار، ومرونة في التدبير، وقدرة على تعبئة الموارد.

إلى جانب تعزيز الصلاحيات والموارد، ركز التعديل على تحسين حكامة الجهات، من خلال إقرار آليات جديدة للمراقبة والتدقيق. فقد تم التنصيص على إخضاع الشركات الجهوية لافتحاص سنوي من طرف المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، بما يضمن الشفافية وحسن التدبير.

كما يسعى المشروع إلى تعزيز دور مجالس الجهات في التخطيط والتتبع، مع تقوية آليات التنسيق بين مختلف المتدخلين. وهذا البعد الحكامتي يكتسي أهمية خاصة، لأن نجاح الجهوية لا يرتبط فقط بتوسيع الصلاحيات، بل أيضا بقدرة المؤسسات الجهوية على تدبيرها بكفاءة وشفافية.

تسريع تنزيل البرامج التنموية الترابية

يساهم تعديل قانون الجهات بشكل مباشر في تسريع تنفيذ برامج التنمية الجهوية، من خلال تبسيط المساطر، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز أدوات التنفيذ.

فالنص الجديد يسمح للجهات بالمساهمة في تمويل مشاريع وطنية داخل ترابها، حتى وإن لم تكن ضمن اختصاصاتها الذاتية، وهو ما يعزز التكامل بين السياسات الوطنية والجهوية . كما يفتح المجال أمام شراكات أوسع بين الجهات والدولة والقطاع الخاص، مما يساهم في تعبئة الموارد وتسريع الإنجاز.

من الأهداف الكبرى لتعديل القانون تحقيق التوازن بين مختلف جهات المملكة. فقد أظهرت التجربة السابقة استمرار الفوارق المجالية، سواء من حيث الموارد أو مستوى التنمية.

ويهدف المشروع الجديد إلى إعادة توزيع الإمكانيات بشكل أكثر عدلا، مع تمكين الجهات الأقل حظا من وسائل إضافية للنهوض بأوضاعها. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن التعديل يحمل «جوانب إيجابية متعددة من شأنها دعم التوازن الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز التنمية المجالية» .

تحديات التنزيل بين الطموح والواقع

رغم أهمية هذه الإصلاحات، فإن نجاحها يظل رهينا بعدة شروط، أولها توفر الكفاءات البشرية القادرة على تدبير الشأن الجهوي بكفاءة، سواء على المستوى السياسي أو الإداري.

كما يظل التنسيق بين مختلف الفاعلين تحديا أساسيا، خاصة في ظل تعدد المتدخلين في المجال الترابي. إضافة إلى ذلك، فإن ضمان الالتقائية بين السياسات العمومية يتطلب آليات فعالة للتخطيط والتتبع والتقييم.

ولا يقل عن ذلك أهمية ترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها شرطا أساسيا لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة.

نحو مرحلة جديدة من الجهوية المتقدمة

يمكن القول إن تعديل قانون الجهات يمثل انتقالا نوعيا في مسار الجهوية المتقدمة بالمغرب، من مرحلة التأسيس المؤسساتي إلى مرحلة الفعالية والنجاعة. فهو لا يقتصر على إدخال تعديلات تقنية، بل يعكس رؤية جديدة تقوم على تمكين الجهات من لعب دور محوري في التنمية.

كما أن هذا الإصلاح ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى جعل الجهوية رافعة أساسية للنموذج التنموي الجديد، من خلال تعزيز اللامركزية، وتقوية الديمقراطية الترابية، وتحقيق العدالة المجالية.

أمل بنبراهيم

 

أمل بنبراهيم*:

 

“مراجعة قانون الجهات من شأنه تعزيز الطابع التعاقدي بين الدولة والجهة”

 

ما هي أهمية مراجعة قانون الجهات في ارتباط بمخططات التنمية الجهوية؟

ترتبط أهمية مراجعة قانون الجهات، في إطار مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 بكونها تستهدف بالدرجة الأولى معالجة اختلال بنيوي ظهر خلال المرحلة الأولى من تنزيل الجهوية المتقدمة، والمتمثل في الفجوة القائمة بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الفعلي لمخططات التنمية الجهوية. وذلك تماشيا مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تعزيز فعالية الجهوية المتقدمة وتحقيق تنمية ترابية متوازنة.

في هذا السياق، تمثل مخططات التنمية الجهوية الأداة المركزية التي من المفترض أن تترجم اختصاصات الجهة إلى مشاريع وبرامج ملموسة. غير أن التجربة السابقة أبانت عن محدودية فعاليتها، بسبب تداخل الاختصاصات بين الدولة والجهة، وضعف الالتقائية بين السياسات العمومية القطاعية والمجالية، إضافة إلى تعقيد المساطر ونقص الموارد أو تأخر تعبئتها. وبالتالي فإن مراجعة القانون التنظيمي للجهات جاءت لإعادة تأطير هذه العلاقة، من خلال جعل مخطط التنمية الجهوية أكثر ارتباطا بآليات تعاقدية ملزمة بين الدولة والجهة، وتحديد شروط هذا التعاقد بنص تنظيمي، بما يعزز التنسيق ويحد من الطابع الإعلاني أو غير الملزم لبعض المشاريع.

من جهة أخرى، تكمن أهمية المراجعة في إدماج أبعاد جديدة داخل اختصاصات الجهة، من قبيل التنمية الرقمية، دعم الاستثمار، وتعبئة العقار، وهي مجالات ذات أثر مباشر على فعالية التخطيط الجهوي. هذا التوسيع في الاختصاصات يجعل مخطط التنمية الجهوية أكثر شمولية وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية، بدل أن يظل محصورا في قطاعات تقليدية ذات تأثير محدود. غير أن هذه الأهمية تظل مشروطة بمدى قدرة الجهات على تحويل هذه الاختصاصات إلى برامج قابلة للتمويل والتنفيذ.

كما أن من أبرز رهانات المراجعة تعزيز قابلية تنفيذ المخطط عبر أدوات مؤسساتية جديدة، من بينها إسناد تنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية بدل الاقتصار على الوكالات السابقة. والهدف من ذلك هو تجاوز بطء الإنجاز المرتبط بالمساطر الإدارية التقليدية، والانتقال نحو منطق تدبيري أقرب إلى الفعالية الاقتصادية. غير أن هذا التحول يثير، في نفس الوقت، نقاشا حول مدى بقاء القرار التنموي بيد المجالس المنتخبة، خاصة في ظل أدوار التأشير والمراقبة التي يمارسها ممثلو الدولة.

ويمكن القول إن أهمية مراجعة قانون الجهات لا تكمن فقط في تحسين صياغة قانونية، بل في إعادة تعريف موقع مخطط التنمية الجهوية داخل منظومة القرار العمومي: من وثيقة تخطيطية ذات طابع توجيهي، إلى أداة تعاقدية وتنفيذية يفترض أن تكون أكثر إلزاما وارتباطا بالنتائج. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بنجاح هذا التحول بشكل نهائي، لأن فعاليته ستظل رهينة بكيفية تنزيل النصوص التنظيمية، وبمدى توفر الإرادة السياسية والمؤسساتية لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى الجهوي.

 

هل من شأن المشروع الجديد تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة؟

إن مراجعة القانون التنظيمي للجهات يحمل إمكانات حقيقية لتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة، لكنه لا يشكل ضمانة تلقائية لذلك، بل يظل رهينا بشروط مؤسساتية وعملية دقيقة. فمن حيث المبدأ، يستهدف المشروع معالجة أحد أبرز أعطاب المرحلة السابقة، وهو بطء تنفيذ البرامج الجهوية رغم توفر وثائق التخطيط. ولهذا جاء بعدة آليات ينتظر أن تسهم في التسريع، أبرزها تعزيز الطابع التعاقدي بين الدولة والجهة، بحيث يصبح تنفيذ مخططات التنمية الجهوية مرتبطا بالتزامات واضحة ومحددة زمنيا، بدل أن يبقى رهين تنسيق غير ملزم بين الفاعلين. كما أن إقرار موارد مالية أكثر استقرارا، ومنها تخصيص حد أدنى سنوي للتمويل ابتداء من 2027، يمنح الجهات رؤية أوضح وقدرة أفضل على البرمجة متعددة السنوات، وهو عنصر أساسي لتسريع الإنجاز.

إضافة إلى ذلك، يشكل التحول نحو شركات جهوية لتنفيذ المشاريع محاولة لتجاوز التعقيدات الإدارية التي كانت تعيق الوكالات السابقة، عبر اعتماد آليات تدبير أقرب إلى منطق النجاعة والمرونة. هذا التوجه، من الناحية النظرية، يمكن أن يقلص آجال إنجاز المشاريع ويحسن تتبعها التقني والمالي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستثمار والبنيات التحتية. غير أن القراءة التحليلية تبين أن التسريع المحتمل يظل مشروطا بثلاثة محددات رئيسية:

أولا، وضوح توزيع الاختصاصات: فإذا استمر التداخل بين تدخلات الدولة والجهة، فإن أي تسريع سيصطدم بعوائق التنسيق والتأشير.

ثانيا، جودة الحكامة الجهوية: فالنص القانوني لا يعوض ضعف القدرات التدبيرية أو غياب آليات فعالة للتقييم والمحاسبة.

ثالثا، طبيعة العلاقة مع السلطة المركزية:  إذ إن احتفاظ ممثلي الدولة بأدوار قوية في التأشير والمراقبة قد يضمن الانضباط والنجاعة، لكنه قد يبطئ أيضا بعض القرارات إذا لم يمارس في إطار مرن ومتوازن.

بناء على ذلك، فإن المشروع يتجه نحو تسريع تقني وإجرائي لتنزيل الجهوية المتقدمة، من خلال أدوات التنفيذ والتمويل، لكنه لا يحسم بشكل نهائي في التسريع السياسي والمؤسساتي المرتبط بدرجة استقلالية القرار الجهوي. لذلك، فإن الأثر الحقيقي لهذا الإصلاح لن يتضح إلا من خلال الممارسة الفعلية، خاصة بعد صدور النصوص التطبيقية وتبلور التعاقدات بين الدولة والجهات.

 

ماذا بخصوص الجدل المثار حول سلطات الولاة في مقابل المجالس المنتخبة؟

يعد الجدل حول توازن السلطات بين الولاة والمجالس الجهوية المنتخبة من أكثر القضايا حساسية في ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، وقد ازداد حدة مع مشروع مراجعة القانون التنظيمي للجهات. فهذا النقاش لا يقتصر على توزيع تقني للاختصاصات، بل يمس جوهر العلاقة بين مبدأ اللامركزية الديمقراطية ومبدأ وحدة الدولة ونجاعة السياسات العمومية.

من الناحية القانونية والمؤسساتية، يظل الوالي ممثلا للسلطة المركزية، ويضطلع بوظائف التنسيق والسهر على تنفيذ السياسات العمومية وضمان احترام القانون. في المقابل، تستمد المجالس الجهوية شرعيتها من الانتخاب، وتناط بها مهمة إعداد وتنفيذ مخططات التنمية الجهوية. غير أن المشروع الجديد يظهر توجها نحو تعزيز آليات التأشير والمراقبة المرتبطة بالوالي، خصوصا في ما يتعلق بتتبع تنفيذ المشاريع عبر الشركات الجهوية، حيث تعرض بعض القرارات الأساسية، كالميزانية وبرامج العمل على مصادقته.

هذا المعطى أعاد إحياء نقاش قديم حول حدود استقلالية القرار الجهوي. فهناك اتجاه يعتبر أن تقوية دور الوالي ضرورية لضمان الالتقائية بين البرامج الجهوية والسياسات الوطنية، ولتفادي التعثر أو سوء التدبير، خاصة في سياق تفاوت القدرات بين الجهات. في المقابل، يرى اتجاه آخر أن توسيع مجال تدخل السلطة المعينة قد يفرغ الجهوية من مضمونها الديمقراطي، ويحول المجالس المنتخبة إلى فاعل محدود التأثير، خصوصا إذا أصبح التأشير الإداري شرطا فعليا لتنفيذ الخيارات التنموية.

ويمكن فهم هذا التوتر في إطار ما يمكن تسميته بـاللامركزية المؤطرة، حيث لا يتم تفويض السلطة بشكل كامل، بل تمارس في ظل رقابة قوية من الدولة. هذا النموذج قد يحقق درجة من النجاعة والانضباط، لكنه يطرح تحديا دقيقا يتمثل في كيفية الحفاظ على توازن وظيفي، بحيث لا تتحول الرقابة إلى هيمنة، ولا تتحول الاستقلالية إلى انفصال أو ضعف في التنسيق.

وعليه، لا يمكن الحسم بشكل قاطع في مآل هذا الجدل في المرحلة الراهنة، لأن النص القانوني وحده لا يكفي لتحديد طبيعة العلاقة الفعلية. فالممارسة العملية، وكيفية تفعيل آليات التأشير والتعاقد، وحدود تدخل الوالي في القرار التنفيذي، هي التي ستحدد ما إذا كان الإصلاح سيتجه نحو تعزيز الديمقراطية الترابية أو نحو إعادة إنتاج مركزية القرار في صيغة جديدة.

*أستاذة القانون العام والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل- القنيطرة

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى