حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

رف الكتب

حياة الفراشات

يبدو التداخل بين السياسي والروائي في الأعمال الأدبية للروائي المغربي يوسف فاضل لافتا للنظر، ويمتلك في الآن نفسه خصوصية في التناول وزاوية النظر. فالكاتبة المغربية زهور كرام، على سبيل المثال، تتناول المسار الروائي ليوسف فاضل على أنه مسار عَمِل بشكل عام على تحرير السياسي من سلطة التاريخي بقولها: «تعد روايات الكاتب المغربي يوسف فاضل من الأعمال التي انتصرت لعملية تحرير السياسي من سلطة التقييد التاريخي، من خلال تحويل المغرب السياسي إلى سيرة تخييلية». وتضيف بأن «تطور التخييل السير- سياسي في منطقة أكثر التباسا في تاريخ المغرب، والتي تعرف بسنوات الجمر والرصاص، والاعتقالات السياسية.

مقالات ذات صلة

بعيدا عن الوقوف عند تحليل الروايات سرديا، تمكن إضاءة العناصر التي أنتجت الرؤية الروائية لدى الكاتب، وحققت من خلالها مشروعا روائيا بطابع اجتماعي- سياسي، يعبر عن وضعية مجتمع، وشكل تجاوزه/إدراكه لهذا الوضع».

وبالعودة إلى رواية «حياة الفراشات» ليوسف فاضل، نجد تقديم الرواية يحدد الإطار الزمني الموازي للحدث الرئيسي: «ما إن نشرع في قراءة هذه الرواية حتى تنطلق من حولنا الموسيقى، تداهمنا من النافذة، من الجدران الصماء، من ذاكرتنا المنهكة. تتبع خطى شخصيات يتقمصها الراوي، بل تتشابك مع مصائر تلك الشخصيات وهي تمضي وتتقاطع وتنتهي على أرض غير صلبة، حيث الحب المشتعل، والمدينة الملتهبة، والجنون المتقد، حيث الحكايات والأنغام والمقطوعات الموسيقية الصاعدة مع دخان نادي «دون كيشوت» المحترق، والمتناثرة هنا وهناك كجثث متفحمة»…

وفي مقطع أساسي من الرواية نقرأ: «هذا الرجل الذي يسمونه سالم دخل مبنى الإذاعة في العاشرة صباحا. قضى زهاء الساعتين جالسا في حجرة فارغة، ينتظر أن تفرغ قاعة التسجيل. وهو ملحن لا يعرفه أحد. ومغن سجل، قبل عامين، أغنيتين عند بوسيفون. في بداية مشواره الفني. وجاء لتسجيل أغنيته الثالثة على مقام البياتي. يتوقع أن يصير مشهورا. الموسيقى هي العماد، والكلمات مختصرة إلى حدها الأقصى، حتى لا تشوش على تناغم الآلات وانسجام الميلوديا. أغنية كما يهواها. ولأول مرة يدخل الإذاعة لتسجيلها. قضى الشهور الأخيرة غارقا في أتونها. في بحيراتها وبراكينها. وينتظر الشيء الكثير من هذا التسجيل. يفكر في فاطمة. سترى أنها لم تخطئ الاختيار. إنه غير متعجل. حماسه يحجب عنه سريان الزمن. خياله لم يغادر مجال الأصوات الشجية التي سيطرت عليه منذ ثلاثة أشهر. جالس في إحدى الحجرات يتمايل برأسه، وينقر على فخذه. اللحن يتمازج فيه النداء واللهفة. والانتظار… فا. صول. لا. سي بيمول. دو… ليس كالنقر على الآلة الكاتبة. يستهويه هذا التشبيه. نقر خفيف. يكاد لا يدرك. ولكنه يهز كيانهن يترك في نفسه اختلاجات آسرة…

لا علامة في الجو أو على الجدران أو في ممرات الإذاعة أو مكاتبها تعطي مجرد إشارة عابرة على ما بدأ يحدث في شوارع العاصمة. ولكن، هناك هذا الرجل قصير القامة الذي يمشي حتى النافذة، ثم يعود ليقف بالقرب من الباب. ينتظر بدوره أن يفرغ الأستوديو، ليسجل أغنية تمجد حلول عيد ميلاد الملك. هل هو مغن معروف؟ سالم لم يهتم بتوتره أكثر من اللازم. لم يأخذ الوقت الكافي ليراه ويرك من خلال هلعه ما الذي ينبغي عليه القيام به قبل فوات الأوان. كأن يترك موسيقاه في رأسه ويعود من حيث أتى مثلا. وربما أن وقت التراجع قد فات. الرجل قصير القامة في كسوته الغامقة يطل من النافذة، ثم يعود إلى كرسيه في الجهة الأخرى من الحجرة، وهو يجذب رابطة عنقه ذات اللون الغامق نفسه. ولكن هذا لا يدل على شيء. لا يعطي فكرة عما يحدث في الخارج في تلك الساعة. الموسيقي جالس الآن على ما يشبه الحرير، وينصت إلى انسياب الماء في مكان ما من الكون. على مقام البياتي. ويرى أنه ماء رقراق، نازل من قمم لا تُرى، ويلمع تحت شمس الربيع… فا. صول. لا. سي بيمول. دو. ري… والشمس ترسل ما يكفي من الحرارة، لتنعش الأرض.

شمس رحيمة، رغم أننا في الصيف، في عز الصيف. ذلك أن الربيع حل في رأسه فقط. دندنة النقر على الفخذ تخب في رأسه برفق، على إيقاع انسياب الماء الخيالي الذي يحجب ضوضاء الخارج. عندما سيقف سالم خارج البناية، في نهاية هذه الظهيرة، ملتفتا إلى ما جرى، آنذاك يستطيع أن يقول إن الوقت قد فات فعلا. بلا أدنى عزاء. ختم الزمن على مستقبله وحاضره. ولا سبيل إلى التراجع ثانية واحدة. جالس على ما يشبه بساطا من حرير. وهو ليس سوى كرسي من خشب، في مكتب صغير، في بناية عتيقة، اسمها مبنى الإذاعة الوطنية. في زنقة ضيقة، اسمها زنقة البريهي. النافذة مفتوحة، ولا تصله سوى أصداء بعيدة لما يحدث في العالم القريب. والرجل قصير القامة، بدل أن يسأل عن الأستوديو ما إذا كان قد فرغ، أو عن الفرقة الموسيقية ما إذا كانت جاهزة، يذهب حتى النافذة ويطل على الشارع، ثم يلتفت إلى سالم ويسأله واش وصلو؟ والرجل، الموسيقي الذي اسمه سالم، لا يعرف منْ وصل، ومنْ لم يصل. في هذه اللحظة سمع سالم أولى طلقات الرصاص».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى