حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

صعود أوروبا الفكري

بقلم: خالص جلبي

كانت هزيمة القوة العظمى العثمانية ذات نكبة مزدوجة؛ فهي عجلت بالدولة العثمانية باتجاه التآكل والتحلل والتفسخ إلى جثة الميت، ليعلن أتاتورك الموت في نعوة عامة تاريخية. كما أعلنها غورباتشوف عن إمبراطورية كارل ماركس وستالين ولينين، وسيلحقهم في هذا ترامب على ما يبدو. وفي العام نفسه الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع عام 1687م كان (إسحاق نيوتن) يكتب فيه كتابه الرائع (الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية)، فهل هذا له أدنى دلالة في إلقاء ضوء على الأحداث التاريخية وتفسير ما حدث؟

لم يكن كتاب (الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية) سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني، عندما يبدأ الدخول في مرحلة انعطافية جديدة في تفسير العالم الذي يحيط به، فالكتاب كان إذاً المدخل الجديد لفهم عالم جديد. وبالطبع لم يتفطن المسلمون الأتراك ـ فضلا عن المسلمين التابعين لهم، ذلك أن الأتراك العثمانيين كانوا يمثلون الطليعة والقيادة والخلافة للأمة الإسلامية آنذاك ـ لهذا التحول النوعي الذي يجري في العالم، من هنا كان قولنا إن التفوق العربي في شبه الجزيرة الايبيرية كان تفوقا حضاريا، وكان اقتحام العثمانيين عسكريا بالدرجة الأولى. فما الذي كان يحدث آنذاك في أوروبا؟

كان إسحاق نيوتن يضع الموشور الزجاجي أمام الضوء، ليرى تحلل أطياف الألوان السبعة للضوء الأبيض. كان يقوم بتطوير علم (التكامل والتفاضل)، وتوصل إلى قانون (الجاذبية) بين عامي 1664 و1666 م. كان يضع كتابه عن علم (البصريات) ويفسر الضوء على أنه جسيمات، وفي عام 1687م الذي ذكرناه كان يقوم بتطبيق قانون الجاذبية على حركة الأجرام السماوية وسقوط الأجسام على الأرض، ثم ليطور علم الديناميكا (بما في ذلك القوانين الثلاثة في الديناميكا المعروفة التي تبدأ بقانون قصور المادة، وتنتهي بقانون كل فعل له رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه)، ثم ليطور بعدها قوانين ميكانيكا السوائل.

 

الذهول الخفي عن تبدل أحوال الأمم

هذا هو الفرق بين الحقل الذي كان تعيشه أوروبا في ذلك الوقت، والمناخ الذي كان يعيشه العالم الإسلامي آنذاك، كان هناك شيء جديد يتفتح في أوروبا ونور عقلي يتألق، بينما كان الظلام بدأ في الإطباق على العالم الإسلامي على النحو المأساوي الذي انتبه إليه ابن خلدون في المقدمة، حينما كتب يقول أولا في الصفحة (28) عن التحولات الرهيبة التي تحدث ولا يتفطن لها إلا الآحاد من الخليقة: (ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر. إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عباده).

وعندما يتحدث عن أفول شمس الحضارة الإسلامية يعبر بالشكل التالي أنه يدلي بشهادة العالم، ولا يتبجح، أو يحاول إخفاء المرض، بل إنه ينظِّر بتحليق كوني مدهش (ص 33): (هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف، الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص ظلها، وفل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن، وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض؛ فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها، وإذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث).

 

كيف بدأ الخلق.. علم الجذور

حتى نعرف أين يقف العلم اليوم لا بد من معرفة بداياته، أو ما يسمى علم الجينالوجيا (GENEALOGY)، أو ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي المعاصر (ميشيل فوكيه)، بفكرة (حفريات المعرفة)، أو على ما جاء في الآية القرآنية: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)، والتي اتخذناها افتتاحية للأبحاث الحالية.

عندما كانت بدايات البذور العلمية تزرع في التربة الغربية، عندما بدأ النهم الغربي للاستفادة من العلم، عندما بدأ العقل ينبض بالحياة، عندما أشرقت أنوار حرية التفكير العلمي في وهج النار، التي كانت تحرق جسد جيوردانو برونو في فبراير من عام 1600م، كان بعض النابهين يشيرون إلى السلطان العثماني بالتنبه إلى ما يحدث في الغرب، كان جوابه (سلطان المسلمين لا يدخل بلاد الكفار إلا فاتحا)!

بالطبع كان بإمكان سلطان المسلمين أن يجنب أحفاده الأتراك اليوم أن لا يدخلهم بلاد الكفار متسولين، عاجزين، تابعين، مكروهين غير محترمين كالأيتام في مأدبة اللئام، لو انتبه إلى الفرصة التاريخية والمناخ العقلي الذي ينمو ويترعرع في التربة الغربية، ولكن هل الأمر بهذه البساطة؟

إن ابن خلدون يعلمنا أن الدولة إذا نزل بها الهرم فإنه لا يرتفع، بل إن بعض المحللين التاريخيين يرون أن نجاة أوروبا من سيف السلطان بايزيد الثاني، الذي كان يهيء حملة بنصف مليون جندي لاجتياح أوروبا، تم على يد تيمورلنك الأعرج الذي حطم هذه القوة المتأهبة في معركة أنقرة، في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي (وقعت بتاريخ 20 يوليوز عام 1402م، الموافق لـ 19 ذي الحجة من عام 804 هـ) في ما يشبه (العمى التاريخي) على حد قول البعض، باعتبار أن كلا القوتين تركيتان إسلاميتان! لشعورهم أن شفق المغيب يغلف الحضارة الإسلامية، التي طوقتها يد القدر بدون فكاك.

لو تم سقوط فيينا في يوم 12 شتنبر من عام 1683م وانسياح الأتراك في أوروبا، لو تم لربما عضَّل ولادة الحضارة العالمية الجديدة، حيث سيغلف جو الانكماش الفكري والجمود العقلي كل العبقريات، التي كانت تولد في ذلك الحين من أمثال نيوتن ودافنشي وليوناردو وجيوردانو برونو، وانتهاء بأينشتاين وستيفن هوكنغ وهايزنبرغ وأوتوهان وماكس بلانك ونيلز بور وسواهم العشرات، الذين كانوا البناة الفعليين للحضارة الإنسانية الحديثة. فما معنى ارتطام هاتين القوتين الإسلاميتين في سهل أنقرة من عام 1402م؟

 

 

نافذة:

كان هناك شيء جديد يتفتح في أوروبا ونور عقلي يتألق بينما كان الظلام بدأ في الإطباق على العالم الإسلامي على النحو المأساوي الذي انتبه إليه ابن خلدون في المقدمة

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى