
من صفقة الديزل الروسي إلى الدعوة لتغيير القيادة الأوكرانية، تتصاعد المواجهة بين دونالد ترامب وفولوديمير زيلينسكي، كاشفة عن تحول في الحسابات الأمريكية لإنهاء الحرب. وبينما تسعى واشنطن إلى خفض أسعار الطاقة وتسريع التسوية مع موسكو، تخشى كييف أن تتحول هذه الضغوط إلى تنازلات تمنح روسيا مكاسب جديدة، في وقت تتسع فجوة الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
إعداد: سهيلة التاور
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وأوكرانيا محصورة في الخلاف حول شروط إنهاء الحرب مع روسيا، بعدما انتقلت إلى صدام سياسي علني يكشف اتساع الهوة بين حسابات دونالد ترامب ومطالب فولوديمير زيلينسكي. فمن تفاهم أمريكي- روسي بشأن إمدادات الديزل وتخفيف بعض القيود المفروضة على صادرات الوقود، إلى دعوة الرئيس الأمريكي الأوكرانيين إلى اختيار قيادة جديدة، وصولا إلى تأييد إيلون ماسك هذه الدعوة، تتشكل ملامح تحول في المقاربة الأمريكية للحرب، تتداخل فيه اعتبارات الطاقة والانتخابات مع ضغوط التسوية السياسية.
وفي وقت ترى إدارة ترامب أن زيادة المعروض من الوقود من شأنها أن تسهم في خفض الأسعار وتسريع التوصل إلى اتفاق مع موسكو، تحذر كييف من أن السماح لروسيا بتوسيع مبيعاتها النفطية يمنحها موارد إضافية لتمويل عملياتها العسكرية. وبين الموقفين تتعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، فيما تتزايد المخاوف الأوكرانية من أن يتحول الدعم الأمريكي إلى أداة ضغط لفرض تنازلات سياسية واستراتيجية.
ولا يبدو التصعيد مجرد خلاف عابر بين رئيسين، بل يعكس صراعا على تعريف التسوية الممكنة وحدود التنازلات المقبولة، وعلى الطرف الذي ينبغي أن يتحمل كلفة إنهاء الحرب. فبينما يضع ترامب خفض أسعار الوقود وتسريع الاتفاق مع موسكو في صدارة أولوياته، تتمسك كييف بربط أي تهدئة بالتزامات متبادلة وضمانات أمنية تحول دون استئناف الهجمات الروسية.
الديزل الروسي يشعل المواجهة
بدأت أحدث حلقات التصعيد مع إعلان ترامب، الجمعة 9 أكتوبر، التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إمدادات الديزل إلى الأسواق، في خطوة قدمها باعتبارها وسيلة لزيادة المعروض وخفض تكاليف الطاقة. وتضمنت المعطيات المتداولة الحديث عن شحنات روسية كبيرة، مع إمدادات إضافية متوقعة خلال نونبر، بما يعكس رغبة واشنطن في الاستفادة من القدرة الإنتاجية الروسية لتخفيف الضغوط على السوق.
وترافق الإعلان مع تعليق مؤقت لبعض القيود الأمريكية المرتبطة ببيع الوقود الروسي، في تحول أثار انتقادات كييف وحلفاء أوروبيين، خصوصا أن العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي شكلت إحدى الأدوات الاقتصادية الرئيسية للضغط على موسكو منذ بدء غزو أوكرانيا في فبراير 2022.
وبرر ترامب خطوته بالحاجة إلى تخفيف الضغوط التي تواجه المستهلكين الأمريكيين، بعدما ارتفعت أسعار الوقود في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، سيما تداعيات المواجهة مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية.
وكتب ترامب، على منصته «تروث سوشيال»، أن زيادة الإمدادات الروسية ستؤدي إلى انخفاض سريع في أسعار الديزل، واضعا مصالح المزارعين ومربي الماشية وسائقي الشاحنات الأمريكيين في مقدمة أولوياته. وتكتسب هذه الحسابات أهمية سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نونبر، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة والوقود إلى إضعاف فرص الجمهوريين.
لكن ما تقدمه واشنطن، باعتباره استجابة اقتصادية لأزمة الإمدادات، تنظر إليه كييف باعتباره تخفيفا للضغط على دولة تخوض حربا ضدها. وحذر زيلينسكي من أن عائدات بيع المنتجات النفطية تمنح موسكو موارد إضافية يمكن توجيهها إلى شراء المعدات العسكرية ومواصلة العمليات القتالية، معتبرا أن تخفيف القيود قبل التوصل إلى تسوية مستدامة من شأنه أن يضعف قدرة الغرب على التأثير في حسابات الكرملين.
وتكشف هذه المواجهة عن تعارض بين هدفين: تسعى واشنطن إلى تأمين إمدادات إضافية من الوقود واحتواء الأسعار، بينما ترى كييف أن تحقيق ذلك على حساب العقوبات يضعف إحدى أهم أدوات الضغط على روسيا. وهكذا لم تعد صفقة الديزل مجرد تفاهم تجاري، بل تحولت إلى اختبار لطبيعة السياسة الأمريكية تجاه موسكو، ولمدى استعداد إدارة ترامب للفصل بين مصالحها الاقتصادية ومتطلبات المواجهة الأوكرانية.
ترامب يطالب باستقالة زيلينسكي
لم يتوقف الخلاف عند حدود صفقة الطاقة، بل انتقل إلى مواجهة مباشرة بشأن القيادة الأوكرانية. ففي تصريحات أدلى بها السبت 10 أكتوبر، قال ترامب إن الوقت حان لتختار أوكرانيا رئيسا جديدا، معتبرا أن زيلينسكي أضاع فرصا سابقة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع روسيا.
واتهم الرئيس الأمريكي نظيره الأوكراني بالتسبب في مشكلات للأسواق العالمية من خلال استمرار الهجمات على مصافي النفط الروسية، مطالبا إياه بالتوقف عن استهدافها، ومعتبرا أن أوكرانيا تحتاج إلى قيادة تستطيع إبرام اتفاق مع موسكو. وبذلك تجاوزت انتقاداته الخيارات العسكرية إلى التشكيك في قدرة القيادة الحالية على إدارة المرحلة المقبلة.
ويكشف هذا التحول عن رغبة أمريكية في ممارسة ضغط سياسي مباشر على كييف بالتوازي مع التحركات الرامية إلى التوصل إلى تفاهم مع موسكو. فبدلا من الاقتصار على مناقشة شروط وقف إطلاق النار والضمانات الأمنية، بات ترامب يربط فرص إنهاء الحرب بوجود قيادة أوكرانية أكثر استعدادا لقبول اتفاق يتوافق مع رؤيته.
وتثير دعوة رئيس دولة إلى تغيير قيادة دولة أخرى تساؤلات بشأن حدود الضغط الخارجي على القرار السيادي، سيما عندما تصدر عن رئيس الدولة التي تعتمد عليها كييف في جوانب أساسية من دعمها العسكري والاستخباراتي. وتفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تعديل شروط التفاوض فحسب، أم إلى دفع أوكرانيا نحو تغيير سياسي يسهل تمرير التسوية التي تريدها.
ولا تثبت هذه التصريحات، في حد ذاتها، وجود اتفاق أمريكي- روسي بشأن مستقبل زيلينسكي أو خليفته، لكنها تكشف أن ملف القيادة الأوكرانية أصبح جزءا من الخطاب المتعلق بإنهاء الحرب، بعدما تركز النقاش أساسا على الأراضي والضمانات الأمنية والدعم العسكري.
ماسك يؤيد دعوة ترامب وكييف تتمسك بموقفها
اتخذ التصعيد بعدا إضافيا مع دخول الملياردير الأمريكي إيلون ماسك على خط المواجهة. ففي 11 أكتوبر، أيد ماسك دعوة ترامب إلى انتخاب رئيس جديد لأوكرانيا، معتبرا أن الوقت حان أمام الأوكرانيين لاختيار قيادة بديلة لزيلينسكي.
وجاء موقفه عبر منصة «إكس»، ليعزز الضغط العلني على الرئيس الأوكراني في لحظة تتزايد فيها الخلافات حول شروط التسوية ومستقبل الدعم الأمريكي. وفي المقابل، رحب كيريل دميترييف، المبعوث الروسي المعني بالتعاون الاقتصادي، بتصريحات ترامب، معتبرا أن أوكرانيا تحتاج إلى قيادة تركز على السلام.
ويعكس الترحيب الروسي تقاطع موقف موسكو مع الدعوات المطالبة بتغيير القيادة الأوكرانية، إلا أنه لا يكفي لاستنتاج أن واشنطن وموسكو توصلتا إلى اتفاق بشأن مستقبل النظام السياسي في كييف. فالمعطيات المتاحة تشير إلى تصعيد في الخطاب السياسي، لا إلى وجود خطة مشتركة مؤكدة لإزاحة زيلينسكي أو فرض بديل عنه.
ورفض الرئيس الأوكراني دعوات ترامب، مؤكدا أن اختيار المسؤولين السياسيين حق للأوكرانيين وحدهم. وقال، خلال مقابلة بثتها شبكة «إيه بي سي» الأحد 11 أكتوبر، إن الشعب الأوكراني هو صاحب القرار، معربا في الوقت نفسه عن استمرار تعويله على الولايات المتحدة للمساعدة في إنهاء الحرب.
وطرح زيلينسكي مخرجا يربط إجراء الانتخابات بوقف القتال، داعيا إلى هدنة كاملة لمدة 60 يوما تتيح تنظيم الاقتراع. وتكمن العقبة الأساسية في خضوع أوكرانيا للأحكام العرفية منذ الغزو الروسي عام 2022، وما يترتب على ذلك من قيود على إجراء الانتخابات، فضلا عن استمرار القصف والنزوح والصعوبات التي قد تحول دون مشاركة ملايين الأوكرانيين.
وبذلك لا يتعلق الخلاف بمجرد تحديد موعد للاقتراع، بل بالشروط التي تضمن نزاهته وإمكان إجرائه في ظروف استثنائية. فالدعوة إلى انتخابات من دون وقف للقتال تصطدم بعقبات أمنية وقانونية، فيما يمكن أن يفتح وقف مؤقت لإطلاق النار المجال لمناقشة الترتيبات اللازمة، من دون أن يضمن الاتفاق على جميع التفاصيل.
وشدد وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، بدوره على أن مستقبل القيادة السياسية شأن أوكراني خالص. وأشار زيلينسكي إلى أن موسكو ترغب في تغيير القيادة الأوكرانية، محذرا من أن الدعوات الخارجية لا يمكن فصلها عن الصراع على مستقبل البلاد وشروط التسوية.
وعلى الرغم من حدة الخلاف، لم يعلن زيلينسكي التخلي عن التعاون مع واشنطن، بل أكد أهمية الحفاظ على وحدة الموقف الأمريكي الأوروبي. وتدرك كييف أن أي تدهور حاد في علاقتها بالولايات المتحدة قد ينعكس على قدراتها العسكرية والاستخباراتية ويضعف موقعها التفاوضي أمام روسيا.
هدنة الطاقة تكشف فجوة الثقة بين الأطراف
بالتوازي مع الخلاف حول الديزل والقيادة الأوكرانية، أعلن ترامب التوصل إلى تفاهم لوقف استهداف منشآت الطاقة في روسيا وأوكرانيا، مؤكدا أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ فورا، ومحذرا الطرفين من خرقه. غير أن الإعلان كشف عن فجوة في التنسيق بين واشنطن وكييف، بعدما قال زيلينسكي إن التفاهم كان جديدا بالنسبة إليه، وإن بلاده مستعدة لقبول هدنة إذا جرى الاتفاق عليها بصورة واضحة ومباشرة.
وشدد الرئيس الأوكراني على استعداد بلاده لوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية إذا أوقفت موسكو بدورها ضرباتها على البنية التحتية للطاقة الأوكرانية. ويعكس هذا الموقف تمسك كييف بمبدأ المعاملة بالمثل، ورفضها وقف عملياتها بصورة منفردة بينما تستمر الهجمات الروسية على منشآتها الحيوية.
غير أن التطورات الميدانية أظهرت صعوبة الانتقال من التصريحات إلى التنفيذ. إذ أعلن زيلينسكي أن ضربات روسية استهدفت منشآت لتوليد الكهرباء، بينها محطة في كييف ومحطة «CHP-5» في خاركيف، مشيرا إلى تحليق مكثف للطائرات المسيّرة الروسية. وأفادت كييف بأن الهجوم على محطة العاصمة تسبب في انقطاع الكهرباء، ما أثار تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالتفاهم المعلن.
وخلال محادثات ميامي، بحث مسؤولون أوكرانيون وأمريكيون، بمشاركة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، سبل إنهاء الحرب والترتيبات الأمنية المرتبطة بأي تسوية. ونقل موقع «أكسيوس»، عن مسؤول أوكراني، أن المبعوثين لوحا بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية إذا استمرت كييف في تجاهل مطالب ترامب، في حين نفى مسؤول أمريكي صحة التهديد، مؤكدا استمرار الدعم بالأسلحة والمعلومات.
وبرز، كذلك، خلاف بشأن مقترح يقوم على مبدأ «مصفاة مقابل مصفاة»، إذ اعتبر مسؤول أوكراني أن المقارنة غير متكافئة، نظرا لامتلاك أوكرانيا مصفاة واحدة تعرضت لضربات روسية متكررة، مقابل شبكة واسعة من المصافي الروسية.
وتكشف هذه التطورات أن التحدي لا يقتصر على إعلان وقف الهجمات، بل يشمل وضع آليات للتحقق من الالتزام وضمان عدم استغلال الهدنة لتعزيز القدرات العسكرية. فنجاح أي تفاهم يتطلب تحديد المنشآت المشمولة، وتوضيح كيفية التعامل مع الخروقات، وضمان عدم تحول التهدئة إلى مكسب أحادي لأي طرف.
ويطرح التباين في التصريحات بشأن طبيعة الاتفاق ومدى إبلاغ كييف به مسبقا تساؤلات حول آلية إدارة المفاوضات. فإذا كانت واشنطن تريد تقديم نفسها وسيطا قادرا على انتزاع تنازلات من الطرفين، فإن نجاح هذه المهمة يظل مرتبطا بقدرتها على الحفاظ على حد أدنى من الثقة مع حليفتها الأوكرانية.
أوروبا ترفض تخفيف الضغط على موسكو
أمام التصعيد، سارعت عواصم أوروبية إلى تأكيد دعمها لزيلينسكي، في موقف يعكس اتساع التباين بين واشنطن وبعض حلفائها بشأن إدارة الحرب والعلاقة مع روسيا.
وجدد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول دعم بلاده للرئيس الأوكراني، مؤكدا أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يكون مبررا لتخفيف الضغط على موسكو. ودعا فاديفول إلى زيادة الضغوط على بوتين لدفعه إلى استئناف مفاوضات السلام، مشددا على ضرورة الاتساق في السياسة الأوروبية تجاه روسيا.
وأكدت برلين استمرار العقوبات المفروضة على موسكو رغم تعليق واشنطن بعض القيود على صادرات الوقود الروسي. وانتقدت وزيرة التعليم الألمانية كارين برين تصريحات ترامب بشأن تغيير القيادة الأوكرانية، في موقف يعكس الاعتراض داخل ألمانيا على ربط الخلاف الاقتصادي بمستقبل الرئيس الأوكراني.
وفي بريطانيا، أكد متحدث باسم رئاسة الوزراء أن لندن ستواصل تشديد العقوبات على روسيا، فيما أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، عن دعمها لزيلينسكي ووقف إطلاق النار الذي يحمي البنية التحتية للطاقة والإمدادات الغذائية. وانتقدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كايا كالاس، تعليق العقوبات، معتبرة أنه يمنح موسكو إيرادات إضافية لتمويل الحرب.
ويضع هذا التباين وحدة الموقف الغربي أمام اختبار جديد. فبينما تسعى إدارة ترامب إلى تسريع التسوية عبر التفاهمات الاقتصادية والضغط السياسي على كييف، ترى عواصم أوروبية أن تقديم تنازلات لموسكو قبل ضمان وقف الحرب من شأنه إضعاف فرص الوصول إلى سلام مستقر.
ولا يقتصر الخلاف على العقوبات، بل يمتد إلى تعريف السلام نفسه. فالتسوية التي تركز على وقف العمليات العسكرية وخفض كلفتها الاقتصادية قد لا تكون كافية بالنسبة إلى الدول الأوروبية التي ترى أن أي اتفاق ينبغي أن يمنع تكرار الحرب ويضمن أمن أوكرانيا على المدى الطويل. وفي المقابل قد تعتبر واشنطن أن استمرار الضغط من دون أفق سياسي واضح يطيل أمد المواجهة ويرفع تكلفتها على الحلفاء والاقتصاد العالمي.
الانتخابات الأمريكية تضغط على حسابات الحرب
لا يمكن فصل التحول الأمريكي عن الضغوط الداخلية المرتبطة بأسعار الطاقة. إذ أشارت التقارير إلى ارتفاع متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة إلى نحو 6.28 دولارات للغالون، فيما بلغ متوسط سعر البنزين نحو 4.37 دولارات. وتزيد هذه المستويات من حساسية ملف الوقود لدى الناخبين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وتراهن إدارة ترامب على أن زيادة المعروض من الديزل يمكن أن تخفف الضغوط على المستهلكين والقطاعات الاقتصادية المعتمدة على النقل والطاقة. غير أن هذا الرهان يواجه أسئلة بشأن قدرة الإمدادات الروسية على خفض الأسعار فعليا، ومدى انتظام تسليمها، وتأثير القيود المفروضة على القطاع النفطي الروسي.
تخفيف العقوبات لا يضمن وحده إنهاء الحرب، تماما كما أن تغيير القيادة الأوكرانية، إن حدث عبر المسار الدستوري والانتخابي، لا يحسم الخلافات بشأن الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقات بين موسكو وكييف.
وتسعى واشنطن إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وتسريع التسوية، بينما تخشى كييف أن يؤدي ذلك إلى إضعاف موقفها أمام روسيا. ولا تقدم التطورات الأخيرة جوابا حاسما بشأن ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تريد هدنة محدودة في قطاع الطاقة تمهد لاتفاق أوسع، أم تستخدم الضغط الاقتصادي والسياسي لإعادة تشكيل شروط التفاوض.
لكن الواضح أن الملف الأوكراني بات مرتبطا بصورة أوثق بالحسابات الداخلية الأمريكية. فمع اقتراب الانتخابات، يصبح خفض أسعار الوقود ورقة سياسية مهمة، وقد يدفع الإدارة إلى تبني خيارات اقتصادية لا تتطابق بالضرورة مع أولويات كييف أو بعض العواصم الأوروبية. وفي المقابل، فإن أي تراجع في الدعم الأمريكي قد ينعكس مباشرة على قدرة أوكرانيا على مواصلة الدفاع عن أراضيها وشروط أي مفاوضات مستقبلية.
وبين صفقة الديزل ودعوات تغيير الرئيس، تتجه الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها معركة الإمدادات مع الصراع على السيادة والضمانات الأمنية. ولن يتوقف مستقبل التسوية على قدرة ترامب على خفض أسعار الوقود أو دفع زيلينسكي إلى تقديم تنازلات، بل على إمكان التوصل إلى اتفاق يوقف الهجمات بصورة متبادلة، ويحدد شروط الأمن الأوكراني، ويمنع تحويل الهدنة إلى مجرد استراحة في حرب مفتوحة.
فالسلام، الذي تسعى إليه واشنطن يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية وسياسية سريعة، إلا أن استدامته ستظل رهينة بمدى قبول الأطراف بشروطه وقدرته على معالجة أسباب الصراع بدلا من الاكتفاء بإدارة كلفته.





