حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

عبد اللطيف بن يحيى عبد الجبار السحيمي انتشلني من الأحزان

مانسيناكش عبد اللطيف بن يحيى (إعلامي وشاعر):

 في الدار البيضاء ستجمع بين الغربة والألم، وستخضع لعملية جراحية ستنهي مسيرتك التعليمية بالمدينة، كيف عشت ألم تلك الفترة؟

 

نحن البشر محكومون بالحياة، هذه الحياة التي مهما طالت ستنتهي بالموت، لكن الحياة هي الأصل. حين شعرت بألم بغيض في حنجرتي قررت أن أعرض الأمر على طبيب، لا أخفيك أنني كنت ترددت لكوني أمقت المستشفيات. وأنا أتجول وسط الدار البيضاء غير بعيد عن مسكني، استوقفتني في بناية بشارع الحسن الثاني لوحة نحاسية قديمة تحمل اسم طبيب فرنسي يدعى بون بواه، فقررت أن أعرض حالتي الصحية عليه. اكتشفت أن الطبيب الفرنسي في سن التسعين من عمره، يتحرك في عيادته ببطء شديد، استمع إلي وفهم معاناتي، وبعد الفحص أخبرني أن الحالة تستدعي إزالة ورم بسيط عالق في حنجرتي، وأن الأمر يتطلب إجراء عملية جراحية عاجلة. يا إلهي..! سيخلصني الطبيب من حيرتي وسيطلب مني الحضور في صباح اليوم الموالي إلى عيادته حيث سيجري العملية بنفسه.

 

هل أخبرت أسرتك وزملاءك في العمل؟  

 

لا يوجد في الحياة من باستطاعته أن يقتسم معك الألم.. لأن الألم حالة ضاربة في فردانيتها، عكس الفرح فهو ظاهرة اجتماعية لا تخلو من نفاق. استغرب الطبيب بون بواه من موقفي، كان يظن أنني سأحضر إلى عيادته في اليوم الموالي محاطا بأفراد العائلة. وفي صباح اليوم الموالي للفحص سأضع نفسي رهن إشارة مقص الطبيب الطاعن في السن.

 

كنت تقطن غير بعيد عن العيادة، أليس كذلك؟

 

نعم توجهت إليها راجلا، إذ كنت أقطن شقة في عمارة قديمة كان فوتها لي صديق الطفولة بحي الخوسفات، رشيد البقالي الذي كان يشتغل خبيرا في الحسابات، وحين غادرها طلب مني الانتقال إليها على أن أتكلف بتسديد واجب الإيجار لصاحبة العمارة، فرنسية الجنسية، وقدره 150 درهما.

اسمح لي أن أفتح قوسا لأستحضر هذه السيدة، التي التقتني يوما وسألتني عن سر استغلال الشقة دون علمها، قلت لها أنا مستعد لأداء إيجارها وعندي قابلية لأرفع سومة الكراء إلى 500 درهم إذا شاءت، شريطة البقاء في هذه الشقة لأنها احتضنت جلساتي مع كبار المثقفين المبدعين، فاجأتني السيدة المالكة، وقالت ادفع الثمن الذي كان يكتري به صديقك رشيد البقالي، وسأجهز لك عقد الإيجار، ثم انصرفت.

 

نعود إلى العيادة..

 

نحن الآن في عام 1981، صباح يوم العملية الجراحية استيقظت باكرا، وبعد الاستحمام هيأت حقيبة صغيرة وضعت فيها منامة وبعض الأغراض البسيطة، وتوجهت إلى العيادة لوحدي. استغرب الطبيب وسألني: أنت وحدك؟

قلت له: لا أريد أن يتقاسم معي الألم أي شخص آخر.

في التاسعة صباحا خضعت لتخدير كلي، استيقظت وأنا أصرخ من شدة الألم في حنجرتي، جاء الطبيب متثاقلا في خطواته، عاتبني على رد فعلي، خاصة وأن قطعة قطن خرجت من فمي، أخذ مسكنا وشرع في طمأنتني بزوال الألم. ارتديت ملابسي وعدت إلى بيتي، ويدي على عنقي. كتب لي بضعة مسكنات ونصحني باللاءات: لا تأكل المواد الحارة، لا تشرب المياه الباردة، لا تجالس المدخنين ولا تقترب من غبار الطباشير.

 

يعني أنك توقفت عن التدريس وعن مراسلة إذاعة طنجة..

 

حين توصل السيد شوقي، مدير ثانوية وادي الذهب، بشهادة طبية تحمل توقيع الطبيب الذي أجرى لي العملية، والتي تفرض علي الراحة التامة لمدة شهر، قرر إخضاعي لفحص مضاد. توجهت إلى مستشفى بحي سباتة من أجل الفحص التأكيدي، وكنت متعبا ولا أستطيع الكلام من مضاعفات العملية الجراحية. سلمني الطبيب شهادة طبية تحتم علي راحة لمدة أربعة أشهر. عشت مرحلة صعبة في الدار البيضاء، سيما بعد العملية الجراحية، فانعكس ذلك سلبا على نفسيتي.

 

أكيد أنك ستبحث عن وسيلة تعيدك إلى مسقط رأسك طنجة..

 

لولا مبادرة أحد رجالات الصحافة، وهو عبد الجبار السحيمي، إحدى القامات الكبرى في الإعلام المغربي، لما عدت إلى طنجة. حين التقيته في مكتبه بجريدة «العلم»، سألني عن أحوالي وقد لاحظ علامات القلق بادية على محياي. دعاني لأتناول معه وجبة عشاء في الهرهورة حيث كان يقطن. خلال مجريات الحديث شرحت له وضعيتي ومبعث قلقي، ومن الصدف العجيبة أن يتقاسم معنا الجلسة أحد أصدقاء عبد الجبار وكان إطارا كبيرا في وزارة التربية والتعليم، تعهد بإنهاء معاناتي. قال لي بالحرف: حين ستنتهي مدة إجازتك المرضية ستتوصل بقرار الالتحاق بمؤسسة تعليمية في مسقط رأسك طنجة.

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى