
كيف عشت أيامك الأولى في حي سباتة الشعبي وأنت القادم من مدينة طنجة؟
بعد أن وافقت نيابة التعليم على عملية التبادل، التحقت بي زوجتي بالمؤسسة نفسها التي أشتغل فيها، كانت مدرسة للغة الفرنسية، بينما كنت أدرس اللغة العربية. حينها قررنا البحث عن سكن في حي سباتة، يعفينا من محنة ركوب حافلات مختنقة بركابها، ويعفيني من المرافقة اليومية لزوجتي إلى مقر عملها في حي بورنازيل، ثم الالتحاق بثانوية وادي الذهب. استئجار شقة بسيطة في درب يسمى «جميلة الخامسة»، بأثاث بسيط جدا، أي بالاعتماد على أساسيات العيش. في هذا الحي ستضع زوجتي ابني البكر الذي اختار الاشتغال في القطاع الإعلامي على غرار والده، وهو اليوم في تلفزيون ميدي 1.
هل زرت صديقك عبد الله إبراهيم خلال تجربتك الثانية بالدار البيضاء؟
هذا خطأ ارتكبته وأعترف وأقر به، لأنني قطعت الصلة برجل أدخلني عالم الصحافة، وجعلني رئيس تحرير وسني لا يتجاوز العشرين، بل وخصص لي راتبا جيدا مقارنة مع الرواتب الشهرية في تلك الفترة، ونحن في بداية السبعينات. أنا مدين له بالكثير هو وزوجته. فقد استقبلاني في بيتهما بالقرب من حديقة الجامعة العربية، وكان مولاي عبد الله يطلعني على ألبوم صوره الذي يستحق أن يكون لها متحف، صوره مع جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو ومحمد الخامس وغيرهم من الشخصيات المؤثرة في عالم السياسة. كان رجل مواقف تمسك باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في وقت فضل رفاقه، خاصة المهدي بن بركة وعبد الرحيم ، تغيير الاسم والخط السياسي باختيار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أي استبدال الوطني بالاشتراكي. من شدة تواضعه لم يشعرني مولاي عبد الله يوما بأنني أجير في مقاولته الصحافية. سأروي لك واقعة تكفي للاستدلال على حجم التواضع الذي كان يسكن الرجل. ذات يوم كنا في حديث حول الجريدة، فاستأذنته للانصراف لالتزامي بموعد. طلب مني التريث ووعد بإيصالي إلى المكان الذي سأقصده. بحثت عن أكثر من مبرر كي لا أقحمه في الموعد الذي يشغلني، غير أنه أصر على أن يحملني في سيارته إلى وجهتي. تسلحت بما يكفي من الشجاعة لأعفيه من هذه المهمة، وقلت له: مولاي عبد الله لا أخفيك شيئا، فأنا ذاهب إلى محطة القطار لانتظار وصول صديقة ستأتيني من طنجة، وكنت في أوج شبابي. نهض على الفور وطلب مني ركوب سيارته وتوجهنا إلى المحطة ووقف إلى جانبي في انتظار مغادرتها للمحطة، ثم أخذنا إلى شقتي وانصرف.
لكنك سترفض الانضمام لحزبه، فكانت القطيعة، أليس كذلك؟
كنت أرافق مولاي عبد الله إبراهيم في المؤتمرات الإقليمية، سافرت معه إلى مراكش وطنجة والجديدة ومدن أخرى.. لكن بصفتي الصحافية، لأن هذه المحطات كانت لها مساحة في جريدة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. إلا أن الرجل كان يلح علي لأنتمي إلى حزبه، وأمام إلحاحه صارحته ذات يوم وقلت له: «مولاي إبراهيم ربما ستحصل القطيعة بيننا بسبب بطاقة الانتماء للحزب. لا يمكنني أن أتحول إلى مناضل في خندق حزب معين». وفعلا حصلت القطيعة وجمعت أغراضي الصغيرة وغادرت الدار البيضاء صحافيا وسأعود إليها مدرسا للغة العربية. كنت أتقاضى راتبا جيدا ولي امتيازات عدة، للأسف الصلة انقطعت مع هذا الرجل الطيب، القامة السياسية الشامخة الذي بفضل قربي منه تعرفت على أسماء مؤثرة في التاريخ السياسي للمغرب، على غرار ابن الصديق واليزناسني والعمراني واللائحة طويلة..، وكانت علاقتي، في تلك المرحلة، قوية مع مجموعة من الأصدقاء، من بينهم المسناوي والشاوي وبوزفور والغطاس والملياني وآخرون.. حتى أنني جعلت من الصفحة الثقافية للجريدة منبرا لكتاباتهم النقدية والابداعية، وهو ما أغضب عبد الله إبراهيم، الذي كان وصله احتجاج مناضليه الذين لم أنشر كتاباتهم.
عدت إلى الدار البيضاء مدرسا، إلا أن عبورك كان قصيرا وستعود مجددا إلى منطلقك في طنجة، مثل طائر يعود إلى عشه، هل أخذتك الصحافة مرة أخرى من الفصل الدراسي؟
قضيت فترة قصيرة في الدار البيضاء بصفتي مدرسا للغة العربية، غير أنها فترة هامة من حياتي المهنية، ولازلت إلى اليوم أتلقى اتصالات هاتفية من أشخاص درّستهم وكم أكون سعيدا وأنا أسمع شهاداتهم. الفترة التي قضيتها مدرسا في ثانوية وادي الذهب امتدت من 1977 إلى 1982. بعدها سأعود إلى طنجة مدرسا وفي فترة لاحقة موظفا بنيابة التربية الوطنية والتعليم في مدينتي، مسؤولا عن مصلحة التواصل إلى أن بلغت سن التقاعد سنة 2013. وأنا فخور بهذه التجربة التي مكنتني من المساهمة في بناء ثروة بشرية من الشباب في مؤسسات تعج بالبسطاء.





